مقالات وآراء

من الراكوبة إلى النيل: ما لم تستطع الحرب أن تأخذه من السودان

عمر ابراهيم

هبطت الطائرة في بورتسودان وعلى عكس الطائرة التي اقلتنا من لندن الى اسطنبول كانت هذه طائرة عجوزة . فقبل اقلاعها من اسطنبول ظلت تجري هنا وهناك وتدور في ارض المطار كأنها تبحث عن مكان مناسب للاقلاع . اما هبوطها في بورتسودان فلم يكن اقل مشقة. فقد خيل الي انها كطائر جريح يسقط الى الارض ومع صوت محركاتها عند الهبوط حسبت انها تصرخ من قوة الصدام.
حمدت الله كثيرا عند الهبوط وانتابتني قشعريرة حين نزلت من الطائرة. واستقبلني نسيم هواء دافئ يعرفني وعرفته وافتقدته لسنين . وقفنا في صف الجوازات وسرعان ما ظهر ابن اختي الذي يعمل في المطار. عانقته وعزيته في من فقد من الاهل تجمع بعض زملائه حولنا فصار الناس ينظرون وكأننا وزراء او اصحاب مناصب رفيعة. ورغم النشوة التي صاحبتنا الا ان الحقائب تأخرت ثلاث ساعات لتعيدنا البيروقراطية الى حجمنا الطبيعي.
خرجنا من المطار صباحا وودعنا ابن اختي وركبنا تاكسي الى سواكن انا ورفيقي حتى وصلنا الميناء البري.
بين الراكوبه ومطار هيثروقطعنا تذاكر السفر الى ود مدني وكان موعد الانطلاق الساعة الواحدة ظهرا. سألنا سمسار البص عن مكان فول كويس فدلنا على راكوبة قريبة. ذهبنا وطلبنا ثلاث اطباق فول. كانت سيدة محترمة وقدمت لنا فول ساخنا غارقا في الزيت. اجمل ما فيه ان الخبزة تغرق بالزيت قبل ان تغرف الفول.
لم يخل المكان من المتسولين ولكنا لم نحمل نقودا. فقد تغير الحال ايام الحرب واصبح تطبيق البنك هو الاكثر امانا. دعونا احدهم ليشاركنا الطعام تعويضا عن تقصيرنا. فوافق وجلس يأكل. لكن صاحبة الراكوبة نادته بلطف وقدمت له طبقا خاصا. ثم جاءت بنت صغيرة تطلب الطعام. فطلبنا لها طبق فول. ثم جاء ولد اخر ظننته اخاها لكنه انكر. فطلبنا له طبقا ايضا. عند الحساب اكتشفنا اننا طلبنا خمسة اطباق فول. وكانت التكلفة خمسة وعشرين الف جنيها اي ما يعادل نحو خمسة جنيهات استرلينية ثمن سندوتش بيض بارد من مطار هيثرو. قلت متعجبا في نفسي اما ان السودان يعيش في رخاء او ان التضخم البريطاني يحتاج الى مراجعة.
لكنني استدركت الفرق بين نظام رأسمالي يجعلك تدفع ثمن كل شيء كأن الهواء له ثمن وبين راكوبة في سواكن لا تدفع فيها سوى ثمن الفول والزيت. في هذه الراكوبة فهمت بركة هذه البلاد وقناعة اهلها البسطاء الذين لم تغيرهم حتى ظروف الحرب.

قهوة بالزنجبيل
دقت مزامير الرحيل وكالعادة بدأت الباصات تتحرك الى الامام والخلف فصلينا الظهر والعصر . وركبنا البص علي عجل يعبر بنا جبال الشرق مرورا بالعقبة حتى وصلنا سنكات. كان الباعة المتجولون يطوفون البص. وبعضهم يصعد الى الداخل لعرض بضاعته. واجملهم عندي صبي كان يحمل صبارة قهوة واكوابا ورقية. فاشتريت منه قهوة. فكانت حلوة بالجنزبيل تبعث بالسعادة خاصة مع حركة البص وطرب الاغاني شعبية من البص.
كان البص يتحرك ببطء بالكاد يصل الى ستين كيلومترا. ومع ذلك بدا مسرعا لان الطريق ضيق جدا. سرنا ونمنا وغفونا. كان النهار يتمدد ببطء ثم جاء عصر طويل هبطت فيه الشمس نحو الارض ورسمت شعاعا في الافق. كنت أديم النظر الي الشمس وشعرت كيف حجبت عنا المدينة بعمرانها وزحامها هذا المشهد البسيط الذي يذكرنا باصلنا وطفولتنا.

ليلة باردة..
مع دخول الليل وصلنا عطبرة. ثم عبرنا نهر عطبرة واتجهنا جنوبا. بعد رحلة طويلة توقفنا للمبيت قرب الدامر. كانت هناك كافتيريا مجهزة للصلاة والطعام والمبيت. الاباريق تملأ المكان والحصير والبساط مفروش للصلاة. صلينا المغرب والعشاء. واكلنا الفول مرة اخرى وسمعت أحد الركاب يقول إن بعض الكافتيريات اعتادت الاتفاق مع السائقين للتوقف عندها. ثم استأجرنا سراير عناقريب بسيطة بالفين جنيه للواحد. واسلمنا انفسنا للنوم.
كان المكان هادئا الا من ضجيج بعض السيارات العابرة. في البداية كان الجو لطيفا. لكنه سرعان ما تحول الى برد لم اعهد مثله حتى في البلاد التي قدمت منها. فقد استيقظت حوالي الثانية صباحا حين تسلل البرد من تحت العنقريب. وبدأت اتنقل بعنقريبي هنا وهناك. ابحث عن مكان تحجبه الرياح. مرة خلف البص ومرة بجدار المبنى. لكن دون جدوى.
ثم لمحت نارا مشتعلة بجوار كشك الشاي. تجمع الناس حولها يحرقون الكرتون ويتدفؤون به. سلمت عليهم فافسحو لي وطلبت شاي .. كانو يتحدثون بمرارة ممزوجه بالسخرية عن البلد وكيف غيرتها الحرب شكا احدهم من كثرة نقاط التفتيش فقال احدهم معترضا يازول البلد لسه فيها طوابير وما نضفت … ثم انحدر الحديث عن اخطاء الساسة والكبار فدفع الضعفاء الثمن دما ونزوحا وشتاتا ..
الحديث لم يخلوا من القفشات فقد كانت المقبلات التي تفجر الضحكات فتجعل الواقع مستساغا وفي ذروة الانغماس دخل علينا رجل مسن ليتدفأ. فوضع يديه فوق النار. ثم مد رجليه فوق اللهب حتى حسبتهما ستشتعلان. صاح به احدهم مازحا. شويت كرعينك ديل عديل. فضج المجلس بالضحك.
ومع تباشير الصبح الاولى بدأ النائمون يتململون. وارتفع اذان الفجر ليطوي صفحة الليل. صلينا الصبح. ثم زمجر محرك البص من جديد.
شققنا طريقنا نحو الجنوب لنطوي ما تبقى من المسافات. مررنا بالدامر حيث تبددت اوهامي بأن الحناء اختراع هندي. فقد صعد الباعة الى البص يهتفون بفخر. حنة الدامر حنة الدامر.
توقفنا للافطار في شندي. وبعده فاجأني الراكب الجالس خلفي بكرم سوداني مألوف. ومد لي حبة مانجو رائبه فاكلتها بقشرتها وليحفظ الله المناديل الورقية في حقيبتي. كانت حلاوتها تعويضا لذيذا عن شقاء الليل وزمهريره. واسلمتني لغفوة مريحة على ايقاع البص.

شعلة منطفئة
استيقظت والبص يواصل زحفه متجاوزا محطة الجيلي. هنا تبدلت ملامح الطريق. فبين كل كيلومتر ونصف الكيلومتر يقبع هيكل متفحم لسيارة محترقة او مهشمة. كشواهد قبور صامتة. وعند مصفاة الجيلي اشار احد الركاب بحسرة الى غياب الشعلة التي كانت تضيء السماء دليلا على عمل المصفاة. معلقا انها انطفأت منذ اندلاع الحرب.

النيل الأزرق
سار البص حتى دخلنا شرق النيل. وهناك تجلت اثار الدمار بوضوح. بيوت مهدمة عمارات محترقة وجدران مثقبة بالرصاص تروي قصصا لم نود سماعها. وكأن السائق يحاول ان يجنبنا رؤية المزيد. فانحرف شرقا نحو كوبري سوبا حتى لاح لنا النيل الازرق.
عبرنا الكوبري ليجد البص نفسه اخيرا امام طريق الخرطوم مدني. نظرت من النافذة الى الموجات الهادئة المنسابه في النيل الازرق التى لم تعكر صفوها صوت المدافع وهدير الطائرات ولم تكترث بعبث الفوضى والخراب حين كانت الارض تنطق بالوجع فقد شوهت الحرب الطرق واتعبت الوجوه..
ولكن وسط كل هذا الركام تذكرت الراكوبة والمرأة التي أطعمت ونار الليل التي جمعت غرباء وأضحكتهم وذلك المانجو الذي قدم بعفوية وبساطة
فأدركت أن الحرب بجبروتها وضجيجها وإن كانت قد غيرت الطرق والعمران إلا أنها رجعت خائبة وعاجزة أمام نهر الطيبة المتدفق في قلوب الناس تماما بهدوء وعنـاد يجري في هذه المنعطفات مثلما يجري النيل.

‫8 تعليقات

  1. شكرا علي السرد الجميل والحكي المفعم بالايجابية ونحمد الله دار الخواجات لم تسلب منك روح السودانوية التي تقطر شهدا من حديثك طابت اقامتك في احضان وطنك اخي الكاتب

    1. شكراً جزيلاً أبو جمال على القراءة الجميلة دي
      أسعدني جداً إن الفكرة وصلت بالطريقة دي
      وكلامك محل تقدير كبير 🌹

    1. شكراً يا ابن أختي أب درق
      قهوة العوض وقفشات الكاشف جزء أصيل عايش في الوجدان
      لكن اخترت زاوية محددة وإن شاء الله لو جادت القريحة، نرجع ليها من زاوية مختلفة المرة الجاية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..