مقالات وآراء

عن رواية حلم العودة.. (وهل تاني من عودة؟)

شريف محمد شريف

في طريقي إلى المانيا، مررتُ بـ(بروكسل)، عاصمة البلجيك.. والعاصمة السياسية للاتحاد الأوروبي، حيثُ يقيمُ صديقي الأديب الأريب، والأخ العزيز صهيب صبرنجي، في ركنٍ قصيٍّ كعادته، بأُلْفَتِهِ البادية، وطيبته البائنة، ووحدته في مسكنه، لا يؤنسه سوى الكتب وجهاز «اللابتوب» القريب من سريره، الذي لا يفارق منضدته؛ يعمل عليه تارةً، ويتخذه مذياعًا وتلفازًا، سميرًا يخفِّف عنه وحشة الغربة والوحدة.
قبل ذلك بعامين، كنت أتابع عن قرب صدور روايته «حلم العودة»، وقد أعجبني عنوانها، فكنت أترنَّم بها عاكسا عنوانها، مداعبًا إيَّاه بـ«حلم الهجرة»! ولم أكن أعلم أنَّني سأبلغ مكانها قبل أن تبلغني هي في السودان! ولا يزال صوت فنان الشباب الأول، «الحوت» يطرب الوجدان ويشجي النفس لحنًا وشجنًا: (هل تاني من عودة.. وهل باقي ليَّ أمل؟!).
وحين نزلتُ عليه ضيفًا، أهداني مشكورًا روايته، وهي الثانية له بعد روايته الأولى «حروب الكهنة»، التي يُنتظر أن تُطبع مجددًا وتخرج في ثوبٍ جديد. وهو يسعى إلى إكمال سلسلة هذه الأعمال «ثلاثيةً» تنبض بمزاجه النوبي، وإرثه الحضاري والتاريخي والوطني.
سعدتُ بقراءة الرواية، التي تقع في نحو (530) صفحة، والصادرة عن دار النخبة للنشر والتوزيع عام 2024م. وهي، بلا شك، إضافةٌ نوعية إلى المكتبة الأدبية السودانية، بوصفها عملًا روائيًّا وسرديًّا يحمل بُعدًا وجدانيًّا وتاريخيًّا عميقًا، يستحضر حلم العودة إلى مملكة سوبا بوصفها إحدى رموز الهوية السودانية الضاربة في القِدم، وربطها بالواقع المعاصر عبر الحنين إلى الجذور.
فالعودة هنا ليست مجرَّد توقٍ إلى بقعة جغرافية، وإنما هي استدعاءٌ للأصل والذاكرة والحنين، وللحب والصراع الاجتماعي، وتأكيدٌ لثراء بلادنا ماضيًا، وضرورة تنميتها حاضرًا بالمعرفة والتسامح، واستحضار التاريخ كاملًا دون انتقاص؛ لأنَّ الانتقاص من التاريخ يؤدِّي بالضرورة إلى الانتقاص من الجغرافيا.
لستُ ناقدًا أدبيًّا حتى أقدِّم قراءة نقدية متخصصة للرواية، فذلك شأن أهل الاختصاص والعارفين بمعايير النقد الأدبي، وإنما أنا قارئٌ آنست بها نفسي، وأمتعت بها عقلي، ورفدت بها مخيلتي؛ من خلال فصولها السبعة، وسردها، وحكاياتها، وشخوصها، ودلالاتها، ورمزيتها بوصفها مصدر قوةٍ وأملٍ لوطنٍ متخيَّل يسعى الأبطال إلى العودة إليه.
كما تمثِّل الرواية دعوةً إلى بناء الوطن الحاضر استنادًا إلى ثراء الماضي وإيجابياته وهُوياته المتعددة، عبر حلمٍ جماعيٍّ بالعودة إلى منصات التأسيس والانطلاقة من جديد، على أساس جذوره التاريخية والحضارية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..