مقالات وآراء

تعقيبا على رد الاستاذ محمد علي الحسن *

د. احمد محمد احمد الجلي

بسم الله الرحمن الرحيم

سعدت بتجاوب الاستاذ/ محمد علي الحسن مع مقالي :المثقفون بين بؤس العلمانية وعدالة الاسلام، ورده عليه وقد اثار رده عدة نقاط احسب انها التبست عليه ،ومن ثم احببت ان اعلق عليها فيما يلي:
1. اولى هذه النقاط تعريف العلمانية، فقد ذهب الاستاذ الى ان موضوع العلمانية قد حسمه الكاتب الفرنسي جان بيروا،وفي رأيه اني لم اتقيد بهذا التعريف،ومن ثم وصفت العلمانية بالبؤس. وحقيقة فان جان بيروا يعد من أبرز الباحثين المعاصرين في دراسة العلمانية، وحسب ما انتهى اليه فان العلمانية ليست بالضرورة إقصاءً للدين من المجال العام، بل تنظيمًا للعلاقة بين الدولة والدين، بما يحفظ الحرية،والمساواة . ولكن اراءه ليست نهائية كما ذهب الاستاذ محمد ،بل هي:اجتهاد علمي ضمن الحقل المعرفي، ومن ثم فإنها واحدة من عدة مقاربات لفهم العلمانية, ولم تاخذ بها الدول التي ترى العلمانية إقصاءً للدين من المجال العام وأن العلمانية منتج تاريخي غربي خاص، وان معظم الدول الغربية لا سيما فرنسا ايدت هذا التوجه الاقصائي والمناهض للتجربة الدينية،واقامت نظمها على هذا الاساس،ومن الغريب دفاع الكاتب عن توجه فرنسا المتطرف ،وتفسيره بانه رد فعل متطرف على فعل متطرف؟، ولا ادري ما المراد بالفعل المتطرف والجهة التي صدر منها الفعل ، ولا يجوز اعتبار التجربة الفرنسية “نموذجًا وحيدًا” للعلمانية، ولا يجوز محاسبة الفكرة كلّها بسلوك دولة واحدة.وحقيقة فإني لم اقتصر على التجربة الفرنسية فقط ،بل ضربت امثلة لعدة دول تبنت العلمانية . واضيف الان ،رؤية يعض السودانيين اذ ان كثيرا من المثقفين السودانيين يأخذون بهذا التوجه الاقصائي للعلمانية، لا سيما الذين قاموا على الفترة الانتقالية كوكيل وزارة الاعلام،الذي شن حرباَ شرسه علي الدين الاسلامي واستهتر بقيمه ولم يخفي بغضه لكل ما هو اسلامي ،والمشاهد للقنوات السودانية في تلك الفترة، يجد أن المادة العلمانية بكل أشكالها اصبحت تستحوذ علي المادة الاسلامية ، بل تم الغاء المادة الاسلامية التي كانت تقدم بصورة يومية،اضافة الى لجان التعليم التي اثارت قراراتها كثيرا من اللغط حول توجهاتها،وقراراتها ،وسلوك الجمعيات المعادية للتوجه الاسلامي،كجمعيةلا لقهر النساءوغيرها من الجمعيات التي نظرت الى الاسلام باعتباره من موروثات الانقاذ ،ومع النقدير لرؤية جان بيروا للعلمانية فان اراءاه لم تأخذ بها الدول العلمانية،ومن ثم كونت رؤيتي للعلمانية ،والتي برزت سواءتها لاسيما في مجال القيم الاخلاقية ،كما اظهرت فضيحة اوبستين” في مختلف انجاء العالم لا سميا في الولايات المتحدة الامريكية.
2. الإسلام — نصًا وتراثًا ومؤسسات — لم يحسم كل قضايا عصرنا ، وان كثيراً من “الحقائق الفقهية” ليست إلا نتاجًا لحقبة تاريخية محددة,وهذه هي النقطة الثانية التي تحتاج الى تعليق. صحيح ولكن ليس شيئا سلبياً،بل هو من خصائص اعجاز هذا الدين،الذي جعل للتطور التاريخي والاجتهاد دور في تطور تشريعاته وملائمتها لكل زمان ومكان ،فالاسلام ليس دينا جامدا بل دين حيوي يتطور مع تطور الزمان ،وقد واجه المسلمون خلال التاريخ كثيرا من القضايا التي عملوا لحلها عن طريق الاجتهاد ،ولازال المسلمون في عصرنا الحالي تعرض لهم مشكلات كثيرة، ليس فيها نص ظاهر صريح ، كموضوع التأمين وصوره المتعددة ، والمصارف المالية المتشعبة الاتجاهات ، وموضوعات النكاح والطلاق، وغير ذلك من المشكلات التي تولدت نتيجة التقدم العلمي المعاصر كطفل الأنابيب، والاستنساخ، ونقل الأعضاء ، وكلها تحتاج إلى حكم الشريعة الإسلامية فيها . ولن يتأتى ذلك إلاَّ من خلال اجتهاد جماعي ، تتوفر للقائمين به المعرفة الواسعة بقواعد الاجتهاد وأسسه ،والالمام بمعارف العصر وعلومه ،وأثرها في حياة الناس. وقد اقر الكاتب بذلك بقوله :” يبدو أن الله ترك للبشر مهمة الوصول إلى هذا الاستنتاج متى ما ارتقى وعيهم.
3. الرق وموقف الاسلام منه: لعل الموضوع الذي اورده الكاتب كما ردده من قبل الكثيرون ليطعنوا في هذا الدين ،قولهم:” ان الاسلام اباح الرق،ولم يحرمه كما فعلت الحضارة الغربية في القرن العشرين،وغاب عن هؤلاء ، ان الاسلام لم يحرم الرق بشكل مباشر وفوري لأنه كان جزءاً لا يتجزأ من بنية المجتمع الجاهلي، وكان منظومة اقتصادية واجتماعية عالمية راسخة، فبدلا من تحريمه ،اعتمد التفكيك المنهجي عبر تجفيف منابعه والتي حصرها الإسلام في سبب واحد فقط وهو “الحرب المشروعة” (الجهاد) بين المسلمين وأعدائهم، وألغى أسباب الرق التي كانت تماس في الجاهلية : مثل الخطف، والدين، والقمار، والفقر.وفتح أبواب العتق فجعل الإسلام عتق الرقاب كفارة للذنوب (كفارة القتل الخطأ، الظهار، اليمين، الفطر في رمضان)، وحث على المكاتبة (أن يشتري العبد نفسه).وعمل على تحويل الرقيق إلى إخوة في الانسانية والدين، وامر باحسان معاملتهم، وتأهيلهم للحرية، مما جعل التحريم تدريجيا حيث قال النبي :” هُم إخوانُكم خَوَلُكم جَعَلَهم اللهُ تحت أيْديكم، فمَن كان أخُوه تحت يَدِه فلْيُطعِمْه ممَّا يَأكُلُ، ويُلبِسْه ممَّا يَلبَسُ، ولا تُكلِّفوهم ما يَغلِبُهم، فإنْ كَلَّفتُموهم فأعينُوهم، ومَن لم يُلائِمْكم منهم فبِيعوهم، ولا تُعذِّبوا خَلْقَ اللهِ” البخاري (30)، مما جعلهم أقرب للمجتمع لا كعنصر هامشي، وبهذا وضع الإسلام الرق على طريق الانتهاء والزوال بتضييق مصادره وتكثير طرق الحرية،وترك للمسلمين ان يحرموه حينما تزول الاسباب التي ادت الى وجوده في الاساس،ولهذا ينبغي ان يكون المسلمون اكثر الناس حرصا على تحرير الرقيق.
4. يذهب الكاتب الى ان العلمانية، في صيغتها القياسية الحديثة، تعني:
1- فصل المؤسسات الدينية عن مؤسسات الدولة
2–. ضمان حرية التصرف للأفراد، بحيث لا يحدّها إلا احترام حقوق الآخرين والنظام العام.
3-. عدم تمييز الدولة بين الناس على أساس معتقداتهم الدينية أو عدمها
. وهذه قضايا قد يتوافق فيها الاسلام مع العلمانية كما يتبين فيما يلي:
5. فصل المؤسسات الدينية عن مؤسسات الدولة.صحيح ان الإسلام لم يعرف “الفصل المؤسسي الصارم” بين الدين والدولة بالمعنى الحديث، لكنه في الوقت نفسه لم يُنشئ “مؤسسة دينية كهنوتية” تحتكر الدين وتندمج بالكامل في الدولة. ففي الإسلام:لا يوجد كهنوت ولا طبقة رجال دين معصومين، ولا توجد “كنيسة” مركزية . والعلماء ليسوا سلطة دينية ملزمة بذاتها، بل هم مرجعيات علمية ويستند هذا المفهوم إلى نصوص الدين مثل قوله تعالى :وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ، بالاضافة الى غياب أي نص يمنح فئة دينية حق الحكم باسم الله ،واوضح نموذج لذلك ما قام به النبي :في عهده:فقد كان نبيًا( مرجعية دينية) ، وقائدًا سياسيًا في نفس الوقت، لكنه لم يُنشئ مؤسسة دينية منفصلة ،ولم يورّث سلطة دينية لشخص بعده ،وهذه نقطة مهمة،فقد اجتمع في شخصه الديني والسياسي ، من غير ان تكون هناك مؤسسات مستقلة دائمة،وفي العصور اللاحقة:ظهرت ثنائية واقعية بين: السلطة السياسية (الخلفاء والسلاطين) والسلطة العلمية/الدينية (العلماء) مثلًا:فالخلفاء يحكمون ويديرون الدولة ،والعلماء يفسرون الشريعة ويصدرون الفتاوى لكن:لم يكن العلماء جزءًا رسميًا من جهاز الدولة دائمًا، بل انهم أحيانًا كانوا مستقلين، أو حتى معارضين ،وهناك تيار فكري حديث يرى أن في الإسلام أساسًا لفصل نسبي، ويستند إلى:1-عدم وجود نص يفرض دولة دينية،لا يوجد نموذج محدد ملزم لشكل الدولة، وتركت التفاصيل لاجتهاد الناس 2-مبدأ الشورى والمصلحة،فالسياسة في الاسلام تُدار وفق المصلحة العامة (المقاصد) لا النصوص التفصيلية فقط 3- استقلال العلماء تاريخيًا:فكثير من العلماء رفضوا الخضوع للسلطة، مثل موقف أحمد بن حنبل في محنة خلق القرآن. وهناك الرافضون لفكرة الفصل بين المؤسسات: فيذهب هؤلاء الى أن الإسلام:دين شامل ينظم: العبادة ،والمعاملات السياسة، وأن الشريعة يجب أن تكون مرجعية للدولة .ويستندون إلى: 1-بعض الايات القرآنية مثل قوله تعالى : “وأن احكم بينهم بما أنزل الله” ،2-والى تجربة الدولة الإسلامية الأولى،في عهد النبي ،والخلفاء الراشدون. ويمكن تلخيص الصورة بدقة في النقاط الثلاث التالية: الإسلام ليس ثيوقراطية يحكم فيه رجال الدين باسم الله. وليس علمانية صلبة تفصل الدين عن المجال العام ،بل يقدم نموذجًا ثالثًا: مرجعية قيمية دينية ،مع إدارة سياسية بشرية اجتهادية.ضمان حرية التصرف للأفراد، بحيث لا يحدّها إلا احترام حقوق الآخرين والنظام العام.
6. الأصل في الإسلام أن الإنسان حرٌّ في أفعاله وتصرفاته، ما لم يعتدِ على غيره أو يخلّ بالنظام العام. وهذا الأصل يقوم على عدة اصول منها: ان الإسلام يفوم على توحيد الله، وهذا التوحيد له بعد تحريري عميق؛ إذ يحرر الإنسان من الخضوع لأي سلطة مطلقة بشرية.قال تعالى: “لا إكراه في الدين”وقال: “أفأنت تُكره الناس حتى يكونوا مؤمنين” فالإيمان في جوهره اختيار حر، لا يصح بالإكراه.المعنى: حرية الاعتقاد أصل شرعي، لأن الإيمان القائم على القسر لا قيمة بل تضبطها قاعدة فقهية مركزية:لا ضرر ولا ضرار،”وهذه القاعدة تعني أن حرية الفرد تنتهي عندما تبدأ حقوق الآخرين. فليس للفرد أن يمارس حريته بما يضر المجتمع ،أو يهدد أمنه أو يعتدي على الآخرين في أنفسهم أو أموالهم أو أعراضهم.
7. عدم تمييز الدولة بين الناس على أساس معتقداتهم الدينية أو عدمها.النصوص الإسلامية تحمل مستويين مختلفين:مستوى القيمة الإنسانية العامة،ومستوى التنظيم القانوني داخل الدولة ،فمن حيث القيمة الإنسانية (المساواة في الأصل الإنساني) ،يقرّر الإسلام بوضوح أن الناس متساوون في أصل الكرامة الإنسانية، بغضّ النظر عن الدين﴿ ۞ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾”” ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾وهذه نصوص تؤسس لقاعدة:لا تمييز في الكرامة الإنسانية بسبب الدين أو العرق أو الانتماء.بل إن معيار التفاضل في النص القرآني:”إن أكرمكم عند الله أتقاكم”وهو معيار ديني أخروي، لا يُفترض أن يتحول إلى تمييز قانوني دنيوي بين المواطنين.: من حيث حرية الاعتقاد (عدم الإكراه) يؤكد الإسلام مبدأ واضحًا:”لا إكراه في الدين”وهذا يعني:لا يجوز للدولة أن تُجبر أحدًا على اعتناق الإسلام ولا أن تعاقب الإنسان فقط بسبب معتقدهكما أن القرآن يعترف بالتعدد الديني:”لكم دينكم ولي دين”من حيث الحقوق المدنية والمعيشية:في التجربة الإسلامية التاريخية، وُجد نظام ينظم علاقة غير المسلمين بالدولة (يُعرف بـ”أهل الذمة”)، ومن أهم ملامحه:حماية النفس والمال والعِرض ،وحرية ممارسة الشعائر الدينية ،وحق التملك والعمل والتقاضي.وقد ورد في الحديث:”من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة”وهذا يدل على حماية قانونية قوية لغير المسلمين.القراءة المقاصدية الحديثة عدد من المفكرين المعاصرين يرون أن:المقصد العام للشريعة هو العدل والمساواة وأن الفروق التاريخية يمكن إعادة فهمها في سياقهاوبالتالي:يمكن بناء دولة حديثة في إطار إسلامي لا تميّز بين المواطنين على أساس الدين،طالما تحقّق العدل وحفظ الحقوق.
8. يقول الكاتب ان الظروف التي قادت الأوروبيين إلى تبنّي العلمانية ليست مطابقة لظروفنا، وهذا قول صحيح وقد سبق من قبل ان بينت ذلك ،وان العلمانية نشات في اوروبا نتيجة لطغيان المؤسسة الدينية ( الكنيسة) على الانسان وظلمه،اضافة الى افتقار المسيحية الى قيم ونظم تحكم المحتمع ،بينما الاسلام ليس قيه كنيسة تتحكم في الانسان ومسار حياته،ويقوم على نظم للانسان والاسررة والمجتمع والسياسية والقانون الدولي والعلاقة بين الناس في السلم والحرب.
وعليه فاكرر النداء للمثقفين لا سيما ،ان يعملوا على صياغة مشروع يقوم على قيم الاسلام وتعاليمه ونظمه ،مع الاستفادة من التطور الانساني وما افرزته الحضارات الاخرى من نظم واليات وقيم تتلاءم مع قيم الاسلام وتعاليمه ونظمه،بدلا من اضاعة الجهد وراء سراب اسمه العلمانية ليست وليدة البئة الاسلامية ،ولا تتوافق مع المجتمعات الاسلامية،التي تتكون منها المجتمعات الاسلامية،ويسهل تجاوبها مع قيم الاسلام وتعاليمه.
د.احمد محمد احمد الجلي

• مقال:تعليق على مقال: رد على مقال:المثقفون بين بؤس العلمانية وعدالة الاسلام،المنشور في موقع الراكوبة على الرابط التالي:
https://www.alrakoba.net/32157651/——/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..