مقالات وآراء

بين الشاورما والكتب… مكتبة كرمة كوش تفتح نافذة للمعرفة في إدجوير رود بلندن

عبد العزيز أبو عاقلة

كرمة كوش… مكتبة تُعيد إيقاظ الذاكرة الثقافية في قلب لندن
في مدينة مثل لندن حيث تتزاحم المطاعم والمقاهي ومتاجر الاستهلاك السريع في كل شارع، قد يبدو افتتاح مكتبة جديدة أقرب إلى مغامرة ثقافية منه إلى مشروع تجاري. ففي زمن السرعة الرقمية، حيث تُقاس الأشياء غالباً بما تحققه من ربح فوري، يصبح الإصرار على فتح مكتبة ورقية نوعاً من الرهان على قيمة أعمق: رهان على الإنسان القارئ.
من هنا تولد مكتبة «كرمة كوش»، ليس فقط كمحل لبيع الكتب، بل كمشروع ثقافي يسعى إلى إعادة الاعتبار للكتاب بوصفه أحد أعمدة الوعي الإنساني.

دلالة الاسم… استدعاء حضارة قديمة

اسم المكتبة ليس اختياراً عابراً. فـ«كرمة كوش» يحيل مباشرة إلى حضارة Kingdom of Kerma التي ازدهرت في السودان قبل أكثر من أربعة آلاف عام، حوالي 2500 قبل الميلاد، وكانت من أقدم الممالك الأفريقية على ضفاف النيل.
ذلك الاسم يحمل رسالة رمزية واضحة:
أن الثقافة ليست وليدة اللحظة، بل امتداد لتاريخ طويل من المعرفة والتبادل الحضاري. واختيار اسم مرتبط بتلك الحضارة القديمة هو محاولة لإعادة وصل الحاضر بجذورٍ أفريقية عميقة ساهمت في تشكيل التاريخ الإنساني.
إنه تذكير بأن أفريقيا لم تكن فقط جغرافيا للموارد، بل كانت أيضاً جغرافيا للمعرفة والحضارة.
مكتبة في شارع مزدحم بالمطاعم
افتتاح مكتبة في شارع يعج بالمطاعم بالشاورما والمقاهي يطرح سؤالاً بسيطاً لكنه عميق: هل ما زال هناك مكان للكتاب في عالم الاستهلاك؟
الإجابة التي يقدمها هذا المشروع تبدو واضحة: نعم، لأن الإنسان لا يحتاج فقط إلى الطعام والمتعة، بل يحتاج أيضاً إلى الفكر والمعرفة.
فوجود مكتبة وسط هذا الضجيج يشبه إقامة منارة صغيرة للوعي داخل مدينة تتحرك بسرعة هائلة.

والمفارقة أن كثيراً من المكتبات العريقة في العالم وخاصة في لندن أغلقت أبوابها خلال السنوات الماضية أو تحولت إلى أنشطة تجارية مختلفة، تحت ضغط التحولات الاقتصادية وتغير عادات القراءة. لكن كل مكتبة جديدة تُفتح اليوم هي بمثابة إعلان بسيط لكنه مهم: أن الكتاب لم يمت بعد.
لماذا تراجع الكتاب الورقي؟
لقد غيّرت التكنولوجيا علاقة الإنسان بالقراءة.
اليوم يقرأ الناس الأخبار والمنشورات والتعليقات طوال الوقت عبر الهواتف والشاشات، لكنهم نادراً ما يغوصون في كتاب كامل.
القراءة الرقمية غالباً ما تكون سريعة ومجزأة، بينما الكتاب الورقي يحتاج إلى وقت وتركيز وصبر. لهذا أصبح كثير من الناس يفضلون المعلومات السريعة التي تقدمها وسائل التواصل الاجتماعي.
ومع ذلك، يبقى للكتاب الورقي سحر خاص لا تستطيع الشاشات أن تعوضه:
الإحساس بالصفحات، ورائحة طباعة الورق هدوء القراءة، والرحلة الطويلة داخل فكرة أو قصة.

مكتبة تجمع عوالم متعددة

حرص القائمون على مكتبة كرمة كوش على أن تكون رفوفها مساحة لقاء بين ثقافات متعددة. فالمكتبة لا تركز على مجال واحد، بل تحاول تقديم تنوع معرفي واسع يشمل:
• الكتب السودانية التي تحمل ذاكرة المجتمع وتجربته.
• الكتب العربية في الأدب والفكر والتاريخ.
• الكتب الأفريقية التي كثيراً ما تُهمَّش في سوق النشر العالمي.
• الكتب العالمية والروايات المترجمة التي تفتح نافذة على الفكر الإنساني.
• إضافة إلى قسم خاص بكتب الأطفال، لأن علاقة الإنسان بالكتاب تبدأ غالباً في سنواته الأولى.
كما تعمل المكتبة على توفير الكتب بأسعار مخفضة نسبياً، بهدف تمكين شرائح أوسع من القراء من اقتناء الكتب، لأن المعرفة لا ينبغي أن تكون امتيازاً لفئة محدودة.

مكتبة تتجاوز حدود لندن

رغم أن المكتبة تقع في لندن، إلا أن رؤيتها لا تقتصر على جمهور المدينة.
فهناك إمكانية لإرسال الكتب بالبريد إلى مختلف أنحاء مدن بريطانيا، وكذلك إلي عواصم أوروبا والولايات المتحدة، بما يتيح للقراء الوصول إلى الكتب أينما كانوا.
كما يجري العمل حالياً على إنشاء موقع إلكتروني للمكتبة، سيكون منصة لعرض الكتب وبيعها مستقبلاً، بما يربط بين عالم الكتاب الورقي والفضاء الرقمي.

منصة ثقافية لا مجرد متجر

ولا تقتصر طموحات المشروع على بيع الكتب فقط. فهناك خطة قيد الإعداد لتحويل المكتبة إلى فضاء ثقافي حي، من خلال تنظيم لقاءات شهرية داخل المكتبة تجمع بين:
• مفكرين
• كتاب
• أصحاب تجارب فكرية
• مؤثرين في المجتمع
وستُنقل هذه اللقاءات مباشرة عبر الإنترنت على موقع المكتبة ومنصاتها الإعلامية، لتتحول المكتبة إلى مساحة حوار مفتوح بين الأفكار والقراء.
بهذه الطريقة لا تصبح المكتبة مجرد مكان لشراء الكتب، بل منصة للنقاش وإنتاج الأفكار.

أكثر من مكتبة

ربما لن تغير مكتبة واحدة العالم، لكن كل مكتبة تُفتح اليوم هي خطوة صغيرة ضد سطحية الزمن.
فالكتاب، في النهاية، ليس مجرد أوراق مطبوعة، بل وسيلة لفهم العالم وفهم أنفسنا.
وفي مدينة كبيرة مثل لندن، حيث يمر الناس مسرعين بين العمل والمطاعم والمتاجر، قد تكون هناك دائماً حاجة إلى مكان هادئ… مكان يذكرهم بأن وراء صخب الحياة اليومية عالماً كاملاً من الأفكار ينتظر أن يُقرأ.
وهكذا تصبح مكتبة كرمة كوش أكثر من مجرد محل كتب.
إنها محاولة صغيرة لإحياء علاقة قديمة بين الإنسان والكتاب… علاقة بدأت منذ آلاف السنين، وربما ستستمر ما دام هناك من يؤمن بأن المعرفة هي الطريق الأعمق للحرية

‫2 تعليقات

  1. لندن مكتباتها مزدهرة ومتزايدة، في بريطانيا في اكتر من الف دار كتب، ده غير المكتبات العامة…شارع ادجور روود لا يمثل الحياة الثقافية الحية والمنتشرة في لندن!! فتش علي الاحصائيات والحقايق قبل ما تكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..