اغتيال أسامة حسن حسين وتكريس نهج “الإرهاب المسير”

محمد صالح محمد
بينما يغرق السودان في أتون حرب وجودية تتكشف يوماً بعد يوم ملامح استراتيجية ممنهجة لتيار “الإسلامويين” (الكيزان) تهدف إلى تجريف الفضاء المدني وتصفية الكوادر السياسية التي تشكل حائط الصد الأخير أمام عودة الشمولية. لم يكن اغتيال أسامة حسن حسين عضو الهيئة القيادية لتحالف السودان التأسيسي مجرد “خطأ تقني” أو “نيران صديقة” بل هو تجسيد لتحول نوعي في تكتيكات الاغتيال السياسي عبر استخدام الطائرات المسيرة لاصطياد الأهداف المدنية في عمق الأحياء السكنية.
دلالات التوقيت والمكان رسائل بالبريد الدموي
اختيار مدينة نيالا وبحي سكني مدني لتنفيذ عملية اغتيال بواسطة “درون” يستهدف قيادياً في تحالف سياسي عُرف بمواقفه الرافضة للحرب والداعية لاستعادة المسار المدني يحمل دلالات سياسية عميقة:
كسر الإرادة المدنية: يهدف الاغتيال إلى إرسال رسالة رعب لكل الفاعلين السياسيين والمدنيين في مناطق سيطرة الدعم السريع أو المناطق المتنازع عليها مفادها أن “يد النظام البائد” قادرة على الوصول للجميع عبر التكنولوجيا العسكرية.
قطع الطريق أمام “تحالف السودان”: يمثل تحالف السودان التأسيسي حراكاً يسعى لتقديم رؤية وطنية مغايرة للاصطفاف العسكري الحالي واستهداف قياداته هو محاولة مباشرة لتعطيل أي تقارب مدني مدني قد يفضي إلى مخرج سياسي للأزمة.
من “بيوت الأشباح” إلى “المسيرات”: تطور آلة القتل الكيزانية
تاريخ “الكيزان” في السودان مرتبط عضوياً بتصفية الخصوم لكن الاتكاء الحالي على الطائرات المسيرة يمثل ذروة “عسكرة الاغتيال السياسي”. إذا كانت حقبة التسعينات قد اعتمدت على التعذيب في “بيوت الأشباح” لإخفاء الجريمة فإن الحقبة الحالية تعتمد على “القصف الجراحي” لتصفية العقول السياسية تحت غطاء “العمليات العسكرية”.
“إن استهداف أسامة حسن حسين هو إعلان صريح بأن الحركة الإسلامية وحلفاءها في المؤسسة العسكرية قد انتقلوا من مرحلة الحرب ضد فصيل مسلح إلى مرحلة ‘التطهير السياسي’ لكل من يحمل مشروعاً مدنياً.”
إن إدخال سلاح المسيرات في تصفية الشخصيات المدنية يعكس تغيراً في العقيدة القتالية للمجموعات المرتبطة بالنظام البائد حيث يتم استغلال الغطاء الجوي للجيش لتنفيذ أجندات حزبية ضيقة هذا النهج يؤدي إلى:
توسيع دائرة الصراع: تحويل الصراع من مواجهة عسكرية بين جيشين إلى “حرب عصابات تقنية” تستهدف النخبة السياسية.
تقويض السلم المجتمعي: استهداف الشخصيات المنتمية لمناطق ثقل اجتماعي مثل دارفور (نيالا) يزيد من حدة الاستقطاب الإثني والجهوي وهو وقود استمرارية “الكيزان” في السلطة.
أسامة حسن حسين رمزية الضحية
لم يكن الفقيد مجرد رقم في سجلات الحرب بل كان صوتاً عاقلاً يسعى لترسيخ دعائم “تحالف السودان”. اغتياله يمثل خسارة فادحة للكتلة المدنية التي تحاول صياغة مستقبل ما بعد الحرب. إن قتله في حي مدني يؤكد أن “بنك الأهداف” لدى الجهات المنفذة لا يفرق بين “ثكنة عسكرية” وبين “منزل سياسي مدني” طالما أن الهدف هو إزاحة الخصوم الفكريين من المشهد.
نحو جبهة مدنية لمواجهة الإرهاب السياسي
إن حادثة اغتيال أسامة حسن حسين يجب أن تكون نقطة تحول في تعاطي المجتمع الدولي والقوى الوطنية مع انتهاكات “الكيزان”. إن الاستمرار في نهج الاغتيالات عبر المسيرات سيؤدي بالضرورة إلى “تجريف” كامل للقيادات القادرة على إدارة المرحلة الانتقالية مستقبلاً.
على القوى المدنية اليوم أن تدرك أن المعركة ليست فقط بين بندقيتين بل هي معركة وجود ضد تيار أدمن القتل كوسيلة وحيدة للبقاء السياسي. إن دماء أسامة حسن حسين في نيالا هي صرخة في وجه الضمير العالمي لوقف آلة القتل التي باتت تحلق فوق رؤوس المدنيين العزل بدم بارد.



