رحاب مبارك… حين يصبح قولُ الحق موقفاً وطنياً لا مساومة فيه

مهدي داود الخليفة
في لحظات الانهيار الوطني الكبرى، لا تُقاس قيمة الأفراد بمواقعهم أو انتماءاتهم، بل بقدرتهم على الوقوف في وجه التيار، حين يصبح الصمت هو القاعدة، والخوف هو اللغة السائدة، والتواطؤ هو الطريق الأسهل. وفي مثل هذه اللحظات، تبرز نماذج نادرة، لا لأنها خارقة، بل لأنها ببساطة اختارت أن تقول الحقيقة. ومن بين هذه النماذج، تقف المحامية السودانية رحاب مبارك كصوتٍ مهنيٍّ ووطنيٍّ يستحق التوقف عنده.
بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معها، فإن ما لا يمكن إنكاره هو أن رحاب تمثل نموذجاً للمحامي الذي لم يتخلَّ عن ضميره في زمنٍ أصبح فيه الضمير عبئاً. هي ليست مجرد محامية تمارس المهنة، بل هي “حقّانية” بالمعنى العميق للكلمة؛ تنحاز للحق حيثما كان، لا حيثما تميل الكفة السياسية أو العسكرية.
نشأت رحاب في ظل نظامٍ سياسيٍّ طويلٍ عمل على إعادة تشكيل المجتمع عبر الخوف، حيث أصبح الصمت حكمة، والتواري سلامة، والابتعاد عن الشأن العام نوعاً من النجاة. لكن ما يميز رحاب، ومعها جيلٌ كامل من السودانيين، هو أنهم لم يرثوا هذا الخوف، ولم يسمحوا له أن يسكن قلوبهم. بل على العكس، اختاروا أن يكونوا أصواتاً للحقيقة في زمنٍ صار فيه قول الحقيقة مخاطرة. منذ اندلاع الحرب، انخرطت رحاب مبارك في عملٍ حقوقيٍّ دقيق وشاق، ضمن جهود رصد الانتهاكات.
لم تنحز لطرفٍ على حساب آخر، ولم تسمح للعاطفة أو الاصطفاف أن يُملي عليها موقفاً. كانت تتحرى المعلومة من أكثر من مصدر، توثق، تدقق، وتُقدّم رواية قانونية قائمة على الأدلة، لا على الشعارات. وهذا ما جعلها، في نظر كثير من المنظمات والجهات الحقوقية، مرجعاً موثوقاً في فهم ما يجري على الأرض من انتهاكات، سواء تعلقت بالقتل أو الاعتقال أو الإخفاء القسري.
غير أن هذه المهنية الصارمة، وهذا الالتزام الأخلاقي، لم يمرّا دون ثمن. ففي بيئةٍ تُفضّل الرواية الواحدة، وتُجرّم الاختلاف، وتعتبر الحياد خيانة، تصبح الحقيقة نفسها تهمة. غضب بعض الأطراف لم يكن لأنها أخطأت، بل لأنها لم تُخطئ لصالحهم. لم تُجمّل، لم تُخفِ، ولم تُساوم. إن الإشكالية الكبرى في السياق السوداني اليوم ليست فقط في حجم الانتهاكات، بل في الصراع على السردية: من يملك الحق في تعريف الحقيقة؟ وهنا تحديداً تأتي أهمية دور أمثال رحاب مبارك، الذين يرفضون اختزال الحقيقة في خطابٍ دعائي، ويصرّون على أن العدالة لا تتجزأ، وأن الانتهاك يظل انتهاكاً، بغض النظر عن هوية مرتكبه.
رحاب لا تمثل نفسها فقط، بل تمثل فكرة أوسع: أن المهنية يمكن أن تكون شكلاً من أشكال المقاومة، وأن التوثيق الدقيق هو في حد ذاته فعلٌ سياسي، لأنه يقف في وجه محاولات طمس الواقع وإعادة تشكيله وفق مصالح القوى المتصارعة. في زمنٍ تتكاثر فيه الأصوات العالية وتقلّ فيه الأصوات الصادقة، يصبح الدفاع عن من يقول الحقيقة واجباً وطنياً، لا تضامناً مع شخص، بل دفاعاً عن قيمة.
فالقضية ليست رحاب مبارك كفرد، بل ما تمثله من نموذج: نموذج السوداني الذي يرفض أن يكون تابعاً، أو مبرراً، أو صامتاً. لذلك، فإن إعادة نشر وتوثيق ما قدمته من بيانات ورصد منذ بداية الحرب، لا يُعد فقط تضامناً معها، بل مساهمة في حفظ ذاكرة وطنٍ يتعرض لمحاولة محوٍ ممنهجة. في النهاية، قد نختلف مع رحاب أو نتفق، لكن الأهم أن ندرك أن وجودها – وأمثالها – هو ما يُبقي الأمل قائماً في إمكانية بناء دولة قانون، تُحترم فيها الحقيقة، ويُحمى فيها من يقولها. رحاب مبارك ليست مجرد محامية… بل اختبارٌ حيّ لمدى استعدادنا، كسودانيين، للوقوف مع الحق حين يكون مكلفاً.
مداميك



لك التحية والتقدير على صدقك وشجاعتك