مقالات وآراء

مؤتمر برلين… هل يوقف حرب السودان أم يكتب شهادة وفاته؟

عبد العزيز أبو عاقلة

في السودان لم تعد الدعوة إلى وقف الحرب مجرد موقف سياسي، بل تحولت عند سلطة الأمر الواقع إلى تهمة جاهزة، وكأن المطالبة بوقف نزيف الدم خيانة وطنية، وكأن الدفاع عن المدنيين انحياز، وكأن الوطن لا يثبت إلا فوق جماجم أبنائه.
ثلاثة أعوام كاملة مرّت منذ اندلاع هذه الحرب الكارثية، والسودانيون لا يحصدون سوى المقابر، والنزوح، والجوع، والانهيار الكامل لفكرة الدولة نفسها. ملايين المشردين، آلاف القتلى، مدن أُحرقت، قرى مُسحت، مؤسسات انهارت، واقتصاد صار حطامًا، بينما لا يزال الخطاب الرسمي يعيش في وهم “الحسم العسكري”، وكأن الوطن مجرد ثكنة، لا شعب فيه ولا مستقبل.
في الذكرى الثالثة للحرب 15 أبريل انعقد مؤتمر برلين الدولي، بعد مؤتمري باريس ولندن، بمشاركة حشد دولي ومنظمات إقليمية ودولية واسعة، في محاولة لمنع السودان من السقوط النهائي في قاع النسيان الدولي. لكن السؤال الحقيقي ليس ماذا قال المؤتمر، بل لماذا فشلت كل المؤتمرات السابقة؟ ولماذا تتحول كل المبادرات إلى بيانات أنيقة بلا أثر على الأرض؟
الإجابة ببساطة: لأن من يملكون قرار الحرب ( بل وفتك بس ) لا يريدون السلام الحقيقي . ولأن المجتمع الدولي ما يزال يتعامل مع الكارثة السودانية بمنطق المناشدة لا بمنطق الإلزام.
كل المؤتمرات دعت إلى وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وفتح الممرات الإنسانية، والالتزام بالقانون الدولي الإنساني، وهذه المطالب نفسها تكررت منذ اتفاق جدة، ثم باريس، ثم لندن، ثم برلين، وكأن العالم يكتب الجملة نفسها بينما الدم السوداني يواصل الانهمار بالطريقة نفسها ويدفع فاتوره الحرب المواطن البسيط في هامشه وفقراء المدن .
لكن الأزمة الحقيقية ليست في نقص البيانات، بل في غياب الآليات الملزمة. لا معنى لمناشدة سلطة فاقدة للشرعية جاءت عبر انقلاب عسكري، ثم تحولت إلى طرف مباشر في إشعال الحرب، بأن “تتفضل” بحماية المدنيين. لا يمكن إنقاذ السودان عبر الرجاء السياسي، بل عبر أدوات ضغط حقيقية: عقوبات واضحة على معرقلي السلام، تجفيف مصادر السلاح، محاسبة داعمي الحرب إقليميًا، فرض رقابة دولية على الممرات الإنسانية، وتفعيل مبدأ مسؤولية الحماية عندما تعجز الدولة نفسها عن حماية شعبها.
أما الاكتفاء بنداءات أخلاقية لطرفي الصراع، فهو ليس سياسة، بل تكرار رسمي للعجز.
الأخطر أن السلطة القائمة بقيادة البرهان تعاملت مع كل مبادرة لوقف الحرب بعقلية الرفض والمناورة، لا بعقلية المسؤولية الوطنية. كل دعوة للسلام تُقابل بالشك، وكل مبادرة تُفسَّر كمؤامرة، وكل صوت مدني يُتهم بالخيانة، وكأن استمرار الحرب صار جزءًا من بقاء السلطة نفسها.
هذه ليست قيادة دولة، بل إدارة خراب على حساب شعب كامل.
ولا أحد عاقل في هذا العالم يحب الحرب إلا من يستثمر فيها. الحروب ليست بطولة، بل تجارة ضخمة يدفع ثمنها الفقراء وحدهم. الذين يموتون ليسوا أبناء الجنرالات، بل أبناء البسطاء. الذين يجوعون ليسوا أصحاب القرار، بل الناس الذين لا يملكون سوى وطن ينهار أمامهم كل صباح.
والأكثر خطورة أن السودان لم يعد فقط ساحة حرب داخلية، بل تحول إلى ساحة مفتوحة لصراع إقليمي ودولي، تتقاطع فيها المصالح والسلاح والنفوذ. بعض دول الجوار تدعم أطراف الصراع، والجميع يعرف ذلك، لكن الجميع يتحدث عن “الحل السياسي” بلسان، ويغذي الحرب بيد أخرى.
هكذا يتحول الوطن من دولة إلى ساحة تصفية حسابات.
والتاريخ يقدم لنا دروسًا قاسية وواضحة وبغض النظر مسبباتها رواندا خرجت من واحدة من أبشع المجازر في القرن العشرين، بعد أن ظن العالم أنها انتهت إلى الأبد، لكنها اختارت أن تبني الدولة لا أن تبقى أسيرة للثأر. جنوب أفريقيا واجهت إرث الفصل العنصري دون أن تغرق في حرب انتقام شاملة، لأن القيادة هناك فهمت أن الوطن لا يُبنى بالكراهية بل بالعدالة والمصالحة. كولومبيا بعد عقود من الحرب الداخلية الطويلة، جلست إلى طاولة التفاوض لأن الجميع أدرك أن البندقية لا تنتج وطنًا.
حتى لبنان، رغم كل تعثراته، عرف أن الحرب الأهلية لا يمكن أن تستمر إلى الأبد، وأن النهاية لا تأتي بانتصار طرف كامل، بل بقبول الجميع أن استمرار الحرب يعني موت الجميع.
هذه الدول لم تنجُ لأن الخارج أنقذها فقط، بل لأنها وصلت إلى لحظة إدراك جماعي: لا أحد سيربح وطنًا محروقًا.
أما النقطة التي تحتاج إلى مواجهة صريحة، وواضحة فهي مسألة التمثيل السياسي في مثل هذه المؤتمرات. صحيح أن مشاركة بعض القوى المدنية أفضل من تغييبها الكامل، لكن السؤال: من يمثل من؟
التمثيل في برلين، كما في مؤتمرات كثيرة قبله، ظل نخبويًا محدودًا، تدور فيه نفس الوجوه القديمة، نفس الأسماء التي شاركت في الفشل، ثم عادت لتجلس على طاولة الإنقاذ وكأن شيئًا لم يحدث. بينما أصحاب المصلحة الحقيقيون على الأرض — لجان المقاومة، شباب ثورة ديسمبر، ثوار سبتمبر، النازحون، ضحايا الحرب، النساء في معسكرات النزوح، والمجتمعات التي دفعت الثمن الحقيقي — ظلوا خارج الصورة.
لا يمكن بناء سلام حقيقي عادل بتمثيل ناقص. ولا يمكن صناعة مستقبل جديد بنفس الأدوات التي أنتجت الأزمة.
السودان لا يحتاج إلى إعادة تدوير النخب، بل إلى إعادة تأسيس الشرعية من القاعدة إلى القمة. الشرعية لا تُمنح في الفنادق الدولية، بل تُصنع في الشارع، حيث دفع الناس دمهم ثمنًا للحرية.

المعركة الحقيقية ليست فقط بين الجيش والدعم السريع، بل بين مشروعين كاملين: مشروع يرى السودان دولة مدنية تستحق الحياة، ومشروع يرى السودان غنيمة وسلطة وسلاحًا دائمًا.
إن وقف الحرب ليس رفاهية سياسية، بل شرط بقاء الوطن نفسه. لا حديث عن انتقال ديمقراطي، ولا دستور، ولا انتخابات، ولا إعادة إعمار، بينما المدافع تتكلم والخراب يتمدد.
كل يوم إضافي في هذه الحرب ليس مجرد تأخير للحل، بل اقتراب من لحظة قد لا يعود فيها هناك سودان أصلًا.والتاريخ لا يرحم .
ستأتي اجيال يوم تسأل فيه الجميع: أين كنتم حين كان الوطن يُذبح؟ من أوقف النار؟ ومن صبّ الزيت عليها؟ من انحاز للناس؟ ومن انحاز لسلطة العسكر ؟ومن صمت امام هذا الخراب ؟
وحين تُكتب الإجابة، لن تنفع شعارات النصر، لأن الأوطان لا تُقاس بعدد المعارك، بل بعدد الأرواح التي تم إنقاذها.
أما الذين يرفضون كل مبادرة، ويصرون على استمرار الحرب، فعليهم أن يتذكروا الحقيقة الأكثر قسوة:
من يشعل الحرب قد يربح جولة… لكن من يطيلها يخسر الوطن والشعب معاً . الف مرة للحرب .. نعم للسلام العادل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..