مقالات وآراء

البحث عن الجامعة العربية (2-3)

د. محمد حمد مفرح

حسبما ذكرت في الحلقة الأولى من المقال، فقد كان من المؤمل أن تقوم الجامعة العربية بكل ما من شأنه أن يمهد الطريق لتحقيق أهدافها المرسومة و ذلك من خلال دفعها للدول العربية لتحقيق تعاون واسع و هادف و مستدام في كل المجالات. و من المؤكد أن يعمل هذا التعاون و الذي ينص عليه ميثاق الجامعة، إذا ما قدر له أن يتم، على تحقيق النهضة العربية الشاملة التي يتسنى للدول العربية من خلالها اللحاق بركب الدول المتقدمة. و من المقومات الواعدة لنجاح الجامعة العربية في هذا المسعى، هو أن الأثنين و العشرين دولة و التي تمثل قوام الجامعة العربية، تزخر بالعديد من الامكانات المتنوعة المرشحة للعب دور رائد Pioneering role في تحقيق النهضة المشار إليها.
و بناء على هذا التعاون الحيوي، يمكن أن يتم تحقيق تكامل منتج بين الدول العربية، يهدف إلى المصلحة العامة، ينبني على إستراتيجية نهضوية شاملة تأخذ في الاعتبار
إمكانات كل دولة على حده. و هذا يستلزم، دون ريب، واقعية في التعاطي مع واقع الحال الإقتصادي و الإجتماعي في كل دولة سعيا وراء قيام النهضة المنشودة على معطيات منتجة Productive givens و محققة للأهداف. وفي هذا الإطار، يمكن للدول النفطية الغنية Rich Petroluem Countries، على سبيل المثال، طرق باب الاستثمار في الدول العربية التي تتوافر فيها مقومات الاستثمار الزراعي و الصناعي و خلافهما، مع ضرورة قيام الدول الأخيرة بتوفير مناخ استثمار جاذب مع توفير الضمانات المطلوبة. فمن المعلوم أن دول الخليج دول بترولية، تمتلك ثروات كبيرة و تتطلع للاستثمار في بيئة استثمارية واعدة، كما توجد دول عربية تتوافر فيها مقومات استثمارية حقيقية. و من الأمثلة على ذلك الأراضي الزراعية الواسعة و الصالحة للزراعة بالسودان، و المياه و الكوادر الفنية المتوفرة في مصر، بالإضافة إلى المياه المتوفرة بدول المغرب العربي، فضلا عن المعادن و خلافها من الموارد التي توجد بالكثير من الدول العربية.
و يجب، من جانب آخر، الأخذ في الإعتبار واقع الدول العربية الموسوم بالتخلف العام، مقارنة بالواقع الحضاري المتطور الذي بلغته الكثير من دول العالم في شتى المجالات.
و قد أفرز واقع الدول العربية، ضمن إفرازات أخرى، إقتصادات عربية متخلفة و أوضاع معيشية ضنكة في غالب الدول العربية. كما أورث هذا الوضع السواد الأعظم من مواطني الدول العربية الفقر، و ذلك بدرجات متفاوتة. و هنا يتجلى دور التقنية الحديثة Modern technology التي كان لها القدح المعلى في القفزات الحضارية Civilizational leaps التي حققتها الكثير من دول العالم شرقا و غربا. و تمثل هذه التقنية، و التي تفتقر إليها غالب دولنا العربية، العامل الحاسم في التطور و بالذات في عصرنا الحديث.
و مما تجدر الإشارة إليه أنه كان يتعين على الجامعة العربية، منذ تأسيسها، استشعار المسؤولية التامة تجاه تحقيق أهدافها، على ضوء المطلوبات السابقة، سعيا وراء تحقيق النهضة العربية الشاملة فضلا عن كل أسباب الاستقرار. و ليس ثمة أدنى شك في أنها إذا قامت بهذا الدور، من وقتها، كما ينبغي، لكان الوضع العربي العام أفضل بكثير مما هو عليه حاليا. و هذا يعني، بداهة، أن أداءها كان ضعيفا، ما حال دون قدرتها على تحقيق أهدافها و بالتالي قاد إلى الوضع العربي الحالي الموسوم بالبؤس العام.
و كان على الجامعة العربية، في سعيها المأمول نحو تمهيد طريق التطور العام General progress و الاستقرار علاوة على النهضة الشاملة للدول العربية، كان عليها إستلهام تجارب ناجحة لمنظمات إقليمية أخرى، أو حتى دول أخرى هزمت واقعها و نقلت شعوبها نقلات حضارية معتبرة. و من أمثلة الدول التي هزمت واقعها و تحولت اقتصاداتها من الاقتصادات الزراعية التقليدية إلى الاقتصادات الصناعية، فبلغت شأوا حضاريا مقدرا، و حققت الرفاه لشعوبها، رغم التحديات الجسام، دولة الصين و التي كان لزعيمها الراحل ماو تسي تونج الريادة في ذلك. كما أن منها ماليزيا التي كان لرئيس وزرائها ماهتير محمد، الفضل في الأخذ بيدها إلى آفاق النهضة و التطور العام. هذا بالإضافة إلى سنغافورة التي لعب مؤسس نهضتها الحديثة و رئيس وزرائها السابق، هو لي كوان، دورا بارزا في تحويلها من جزيرة فقيرة ومحدودة الموارد إلى مركز مالي وتجاري عالمي، ما جعلها تقفز من العالم الثالث إلى العالم الأول. لذا فهو يعد صانع “المعجزة السنغافورية” بفضل سياساته التعليمية و الاقتصادية،ومحاربته للفساد.
و مما تجدر الإشارة إليه أن من أوجه القصور التي لازمت أداء الجامعة أن كلا من السوق العربية المشتركة و مجلس الدفاع العربي المشترك لم تترجما إلى واقع حتى تاريخه.
و قد تم إنشاء مجلس الدفاع المشترك بموجب “معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي بين دول جامعة الدول العربية” (المعروفة بمعاهدة الدفاع العربي المشترك) التي وقعت في 17 يونيو 1950. و تتمثل وظيفته في أنه يعتبر جهازاً أمنياً وعسكرياً يهدف إلى تنسيق الدفاع المشترك، وهو تابع لمجلس الجامعة.
أما السوق العربية المشتركة فقد تم إنشاؤها تنفيذاً لـ “اتفاقية الوحدة الاقتصادية العربية” لعام 1962، وصدر قرار إنشائها في 13 أغسطس 1964 من قبل “مجلس الوحدة الاقتصادية العربية” التابع للجامعة.
و تتمثل وظيفتها في تحقيق التكامل الاقتصادي Economic integratiin ، وحرية انتقال الأشخاص ورؤوس الأموال والبضائع.
و هاتان الاتفاقيتان مكملتان لميثاق الجامعة و تستندان إلى نص المادة التاسعة من الميثاق التي تتيح عقد الاتفاقيات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..