مقالات وآراء

إحترموا أنفسكم أيها الباشكتبة!

* في هذا الزمن العجيب، لم يعد النجاح يحتاج إلى عقل، ولا المعرفة تحتاج إلى جهد، ولا الكتابة تحتاج إلى لغة! يكفي أن تمتلك هاتفاً ذكياً… وبعض الجرأة… وقليلاً من “قلة الحياء الأدبي”، لتصبح بين ليلة وضحاها كاتباً، مفكراً، وربما “مبدعاً عالمياً” أيضاً!

* نعم، نحن نعيش عصر المعجزات… حيث تحوّل كثير من الذين كانوا يرسبون في امتحانات الإملاء، ويخلطون بين “الضاد” و” الظاء” ، ولا يفرقون بين الفاعل والمفعول به، إلى نجوم في سماء الكتابة! لا لأنهم تعلموا، ولا لأنهم اجتهدوا، بل لأنهم اكتشفوا كنزاً اسمه “الذكاء الاصطناعي”… فصار يكتب لهم، ويصحح لهم، بل ويفكر بدلاً عنهم!

* والأطرف من ذلك، أن بعضهم أصبح يتحدث عن “أسلوبه الخاص” و” تجربته الأدبية الفريدة”! يا سلام! أي أسلوب؟ وأي تجربة؟ وأنت بالأمس القريب كنت لاتستطيع كتابة “إنشاء” من ثلاثة أسطر، نصفها منقول، ونصفها الآخر كارثة لغوية!

* المشهد أصبح سريالياً… شخص لا يستطيع كتابة جملة صحيحة، يفتح هاتفه، يضغط زراً، فيخرج له مقال كامل، منمق، مترابط، فيه مقدمة وخاتمة وربما اقتباسات فلسفية أيضاً… فيقوم سيادته بنسخه ولصقه، ثم ينشره بكل ثقة، وكأنه طه حسين في عصره!

* ثم يأتيك من يصفق له… ويقول: “يا له من قلم جريء!” … قلم؟! أي قلم؟! هذا ليس قلماً… هذا “كيبورد مستعار”!

* والأدهى والأمر، أن بعض هؤلاء بدأوا ينظرون إلى الآخرين باستعلاء، وكأنهم أمضوا سنوات في القراءة والبحث! يهاجمون، وينتقدون، ويصدرون الأحكام، وهم في الحقيقة لا يعرفون الفرق بين “النقد” و”النقض”!

* هل المشكلة في الذكاء الاصطناعي؟ لا… الأداة في حد ذاتها مفيدة، بل عظيمة، ويمكن أن تساعد الكاتب الحقيقي على التطور والإنتاج، لكن المشكلة في “العقل الكسول” الذي وجد طريقاً مختصراً، فقرر أن يقفز فوق كل المراحل، من الجهل إلى “العبقرية” في ضغطة زر!

* الكتابة، يا سادة، ليست كلمات تُرصّ بجانب بعضها البعض… الكتابة تجربة، إحساس، معرفة، وتعب. هي تراكم سنين من القراءة والفشل والمحاولة. أما أن تأتي فجأة، وتدّعي أنك كاتب لأن تطبيقاً كتب لك مقالاً… فهذه ليست كتابة، هذه “مسرحية رديئة”!

* والسؤال الذي يفرض نفسه: إلى متى تستمر هذه المهزلة؟ وهل سيختلط الحابل بالنابل لدرجة أن لا نستطيع التمييز بين الكاتب الحقيقي و”الكاتب الكاذب”؟!

* ربما… ولكن هناك حقيقة واحدة لا يمكن تزويرها: من يكتب بعقله وقلبه، سيبقى… ومن يكتب بهاتفه فقط، سينكشف… عاجلاً أم آجلاً!

* أما عباقرة الصدفة هؤلاء… فدعهم يستمتعون بلحظتهم… فالتاريخ لا يذكر “النسخ واللصق” … بل يذكر من تعب… وكتب… وترك أثراً!

وأخيرا اقول: إن من يكتبون بالذكاء الاصطناعي لا يخدعون إلا انفسهم، فأسلوب الذكاء الاصطناعي معروف للجميع، كما أن هنالك تطبيقات تستطيع من الوهلة الأولى تمييز الكتابة المزيفة من الحقيقية، فاحترموا أنفسكم أيها الباشكتبة !

كتبه الذكاء الاصطناعي

‫2 تعليقات

  1. إنَّ معيار الأدب والفكر لم يكن يوماً مرتبطاً بالأداة بل بالجوهر والغاية؛ فمن كتب بالريشة لم يقلل من شأن من كتب بالمحبرة ومن سطر الحروف على الورق لم يلغِ فضل من نحتها في الصخر. إن الذكاء الاصطناعي والهاتف وكل أدوات العصر ليست إلا ‘ريشة حديثة’ في يد من يملك الرؤية فالعبرة ليست في كيفية رصّ الكلمات بل في الروح التي تحركها والرسالة التي تحملها.
    أما اتهام البعض بـ ‘النسخ واللصق’ فهو اختزال يغفل أن العبقرية تكمن في تسخير الممكنات لصناعة المستحيل. إن التاريخ لا يسأل الكاتب: ‘بأي آلة كتبت؟’ بل يسأله ‘ماذا أضفت؟’ والذكاء الاصطناعي اليوم ليس قناعاً للتزييف بل هو شريك ذكي يعين من يملك الفكر على ترتيب بعثره تماماً كما أعان القلمُ اليدَ قديماً.
    إن احترام الذات يبدأ من احترام عقول الآخرين وقدرتهم على مواكبة زمنهم فالأصالة ليست سجينة الجمود والصدق لا يحتاج إلى صكوك غفران من أحد؛ فمن ترك أثراً سيشهد له الأثر سواء خطّه بقلم من قصب أو بنبض من تقنية

  2. فليكتب الناس ما شاؤوا، بذكاءٍ اصطناعيٍّ أو غيره؛ فما هو مفيدٌ وإيجابيٌّ سيبقى، وما هو غُثاءٌ سيفنى.

    أتمنى شيئاً واحداً من الكُتّاب السودانيين، وهو استخدام الذكاء الاصطناعي في التصويب اللغوي للأخطاء الإملائية في مقالاتهم. وكم أتمنى، من صميم قلبي، أن تقوم المواقع السودانية باستخدام مدقّقين لغويين لتصحيح المقالات قبل نشرها.

    لا تستخفّوا بالذكاء الاصطناعي في التصحيح اللغوي، أيها الكُتّاب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..