مقالات وآراء

“بل بس ” كذبة تلوكها الالسن

عثمان بابكر محجوب

“الواقعي في السياسة ليس ما نراه” : اذا ما طبقنا هذه القاعدة الذهبية على الحالة السودانية ، سنتمكن بالتأكيد من فهم سبب استمرار هذه المحنة وبالتالي نستطيع ايضا ان نعلل سبب عدم تفاؤلنا بنهاية قريبة لها .
والسؤال الجوهري الاول : ما هي طبيعة هذه الحرب ؟ هل هي سياسية بمعنى هل هي مفاصلة تشبه مفاصلة المخلوع مع المدفون التي حصلت سابقا ام هي تهدف الى عودة الحركة الاسلامية القذرة الى سدة الحكم ؟
اولا : منذ زمن انقلاب البرهان -حميدتي على الحكومة المدنية بدأت الحركة الاسلامية بالعودة الى السلطة وهي اليوم من يسيطر على الحكم والحكومة .
ثانيا : هل هناك مفاصلة بين حميدتي والبرهان كالتي جرت بين البشير والترابي ؟ هذا الكلام غير دقيق اطلاقا وابسط دليل على ذلك هو انتقال كيكل سابقا والنور قبة لاحقا من الدعم السريع الى الجيش وبدلا من محاكمتهم على الجرائم والمذلبح التي ارتكبوها باسم الدعم السريع استقبلهم البرهان في الاحضان واليوم يتابعون جرائمهم باسم الجيش هذه المرة واخبار ام درمان ما زالت طازجة حيث انتشرت عصابات النور قبة للتو. ان الانتقال من الدعم السريع الى الجيش يشبه انتقال لاعبي كرة القدم بين الاندية بفارق ان انتقال لاعب كرة القدم من فريق الى اخر الهدف منه الاستفادة من مهاراته الكروية اما الانتقال من الدعم السريع الى الجيش هو بهدف الاستفادة من خبرة هؤلاء السفاحين في مجال تشريد وقتل الشعب السوداني وهذ بثبت ان شعار “بل بس ” الذي يدعي اصحابه ان الهدف منه القضاء على التمرد هو شعار كاذب وان هدف الحقيقي من الترويج له هو ادخال البلاد في دائرة عنف مغلقة لا خروج منها . وان الحمض النووي للبرهان في دائرة العنف هذه مطابق تماما للحمض النووي لحميدتي وبالتالي وكاستنتاج طبيعي هو ان لا مفاصلة ما بين الاثنين بل هنا مقاسمة لثروات البلاد بين اطراف الحرب وبالتالي طبيعة هذه الحرب ليست سياسية بل هي بحت اقتصادية من حيث طبيعتها . وخصوصا ان ممارسات البرهان تؤكد تماهيه مع الفكر الفوضوي لذي يدعو الى االحد من سلطة الدولة من اجل توسيع مجال الحريات لكن اهداف البرهان من هذا التماهي هو تدمير سلطة الدولة باطلاق العنان لعصابات مجرمة للتنكيل بالشعب السوداني باسم الدولة .
ومن مهازل القدر! ان جائزة نوبل للسلام عادة ما تقسم بين مجرم وضحية وهذا ما حصل عندما تقاسم هذه الجائزة كلارك ونلسون مانديلا في جنوب افريقيا وبعد اوسلو رابين وياسر عرفات فهل يعقل ان يتقاسم جائزة نوبل للسلام البرهان وحميدتي بالتأكيد لا، لانها لم تقسم يوما بين مجرم ومجرم ، لذلك نقول لمن يراهن على مؤتمر برلين او المبادرات الدولية التي سبقته لا تنتظروا ذوبان السكر من تلقاء نفسه. وننصحكم بالعمل على تبديل طبيعة هذه الحرب من اقتصادية الى سياسية بممارسة العنف الثوري عندها يخلق الامل بوقف هذه الحرب ولا نقصد بالعنف الثوري انشاء مقاومة مسلحة للسيطرة على الحكم بل مجرد بعض العمليات الجراحية لاستئصال الرؤوس الحامية التي اشعلت هذه الحرب وما زالت تصر على استمرارها . وهنا لا يمكن الا ان نتذكر الملتحي اللص علي كرتي الذي يريد تسليم اولياء نعمته المطلوبين للعدالة الدولية حيث بلغهم انه ينشد : مَحَوتُ بِذِكري في الوَرى ذِكرَ مَن مَضى ***** وَسُدتُ فَلا زَيدٌ يُقالُ وَلا عَمروُ
فرد عليه المخلوع شعرا : وَيَلاه مِن غَدر تيس كُنت أَحسبه ***** يَرعى وِدادي وَلا يَصبو إِلى أَحَدِ
وتابعه احمد هارون بقوله : مـهما فعلتَ من البطولةِ ظاهرًا **** تـبـقى بـبـاطنِكَ الـسَّقيمِ جـبانا
وختم عبد الرحيم محمد حسين قائلا : يومًا ستشربُ من زمانِكَ علقمًا **** يـا ويـحَ مـن بـاعَ الوفاءَ وخانا.
لذلك من المرجح ان يفر هذا الملتحي الجبان من البلاد حاملا ما حمله بشار لان العقارات المنهوبة لا يمكن نقلها مهما كانت المحفظة كبيرة .
وبالعودة الى الطبيعة الاقتصادية للحرب لا بد من توضيح التالي : اصبح العنف اليوم في السودان اداة انتاج وليس وسيلة صراع على السلطة بدليل انتقال هذا العنف الى مواقع الثروات الطبيعية اضافة الى ذلك تفككت السيادة الاقتصادية للجيش الذي كان يهمين على الاقتصاد الوطني بشكل شبه كامل لصالح العصابات المنتشرة على كامل رقعة البلاد والتي تمكنت من بناء سلاسل متكاملة من استخراج الذهب مثلا وحتى تصديره دون اي اعتبار لوجود دولة (اي توسع الاقتصاد الموازي المرتبط بالعنف، وإعادة توزيع السلطة والثروة خارج القوانين ) واضحت هذه الظاهرة بنيوية وليس مجرد تفلت امني مؤقت حيث تسيطر ميليشيات الدعم السريع بشكل خاص على مواقع تعدين الذهب، وإدارة شبكات التهريب و تجارة والماشية وفرض الخوة تحت مسمى الجباية من اجل دولة ديمقراطية وبالمقابل يسعى الجيش الى اعادة التوازن خصوصا وان الغليان الحاصل في المنطقة يلزم هذه الاطراف بالعمل على خلق مصادر تمويل داخلية ثابتة. اذن هي حرب عنوانها : إِنَّ الدَّراهِمَ فِي المَواطِنِ كُلّها تَكْسُو الرِّجَالَ مَهابَةً وجَلالا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..