مقالات وآراء

السودان ما بعد الحرب: إعادة تشكيل الجوار الإقليمي

د. عوض النقر بابكر محمد

شكّلت الحرب التي اندلعت في السودان في 15 أبريل 2023 نقطة تحوّل جذرية في طبيعة علاقات الخرطوم مع محيطها الإقليمي. لم تعد هذه العلاقات قائمة على أسس الدبلوماسية التقليدية والجوار الهادئ، بل تحولت إلى مسرح متشابك تتداخل فيه المصالح الأمنية والتحالفات القبلية والصراعات بالوكالة، مما أعاد رسم خريطة التفاعلات في شرق إفريقيا والقرن الأفريقي والساحل.

أولاً: العلاقات السودانية مع دول شرق إفريقيا والقرن الأفريقي

تشترك السودان في حدود مباشرة مع ثلاث دول في شرق إفريقيا والقرن الأفريقي: إثيوبيا، وإريتريا، وجنوب السودان، ما يجعله نقطة التقاء حيوية للمصالح الأمنية والاقتصادية في المنطقة. تجلّت آثار الحرب بوضوح في علاقات الخرطوم مع هذه الدول.

جنوب السودان: شراكة اقتصادية في ظل تهديدات أمنية

انخرطت الخرطوم وجوبا منذ اندلاع الحرب في مسار مزدوج؛ ففي الجانب الاقتصادي، سعت الدولتان إلى تعزيز التعاون المشترك. في ديسمبر 2025، اتفق السودان وجنوب السودان على تشكيل لجنة اقتصادية عليا برئاسة رئيس الوزراء السوداني، وتضمن الاتفاق تعزيز المساهمات في تحقيق السلام والاستقرار في البلدين، وإنشاء منطقة حرة في بورتسودان لتمرير النفط والبضائع.

غير أن هذه العلاقة لم تسلم من تبعات الحرب. تأثرت بشكل عميق بالصراع الدائر بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وبلغ الحوار حول الوضع النهائي لمنطقة أبيي درجة من الجمود منذ بدء الحرب. كما أشارت تقارير إلى تحركات جماعات مسلحة عبر الحدود بين البلدين في كلا الاتجاهين، مما يهدد بإشعال جبهات جديدة للتوتر.

إثيوبيا: توترات حدودية

شهدت العلاقات السودانية الإثيوبية مرحلة من الترقب والاتهامات المتبادلة. في الوقت الذي جددت فيه أديس أبابا تأكيد دعمها الثابت لجهود السودان لتحقيق السلام والاستقرار، ظهرت اتهامات سودانية لإثيوبيا بدعم قوات الدعم السريع، وهو ما نفته أديس أبابا ووصفته بأنه لا أساس له من الصحة.

يرى مراقبون أن إثيوبيا تطبق في سلوكها إزاء الصراع السوداني أجندة خارجية تهدف إلى إطالة أمد الحرب وإضعاف الدولة السودانية. تتقاطع هذه الأجندة مع الخلاف حول سد النهضة، حيث يرى البعض أن افتتاح جبهة على الحدود الشرقية للسودان يهدف إلى الضغط على الخرطوم كي لا تنحاز إلى مصر في قضية مياه النيل. هذه الديناميكيات تجعل من العلاقة مع إثيوبيا واحدة من أكثر العلاقات تعقيدًا بالنسبة للسودان في مرحلة ما بعد الحرب.

إريتريا: دعم حازم ورؤية مشتركة للتهديدات

على النقيض من العلاقة المتوترة مع إثيوبيا، اتخذت العلاقات السودانية الإريترية منحى إيجابيًا ملحوظًا. أكد رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس أن العلاقات بين البلدين “تاريخية وعميقة”، مشيرًا إلى أن إريتريا “وقفت بحزم مع الحق ودعمت السودان بكل إخلاص”. وخلال زيارة الرئيس الإريتري أسياس أفورقي لبورتسودان في نوفمبر 2025، بحث الجانبان تعزيز العلاقات الثنائية وتفعيل التعاون في قطاعات متعددة.
ناقش القادة السودانيون مع نظيرهم الإريتري صياغة استراتيجية مشتركة لمواجهة ظاهرة “الاحتلال الناعم” التي تتم عبر وكلاء وعملاء يعملون من داخل الدول الأفريقية.

ثانياً: العلاقات السودانية مع دول شرق إفريقيا غير المجاورة

تشمل هذه الفئة دولاً لا تشترك في حدود برية مع السودان لكنها تؤثر في ديناميكيات الصراع وتلعب أدوارًا دبلوماسية واقتصادية بارزة.

كينيا: توتر دبلوماسي وعقوبات اقتصادية

شهدت العلاقات السودانية الكينية توترًا حادًا منذ اندلاع الحرب، وبلغ ذروته بعد أن استضافت نيروبي اجتماعات لقوات الدعم السريع والقوى المعارضة التي أعلنت “حكومة موازية”. اعتبرت الخرطوم هذا الإجراء “عملاً عدائيًا” واستدعت سفيرها للتشاور، واتهمت كينيا بالانحياز والمساس بالأمن القومي السوداني. في مارس 2025، وسّع السودان رده بفرض حظر كامل على استيراد جميع المنتجات الكينية.

أوغندا: توتر ووساطة في آن واحد

اتسمت العلاقات بمزيج من التوتر والجهود لاحتواء الأزمة. اتهمت الخرطوم كمبالا بـ”مساندة مباشرة” لقوات الدعم السريع بعد استقبالها قائدها “حميدتي”، مما أدى لأزمة دبلوماسية. في المقابل، سعت أوغندا للعب دور وسيط معترف به، حيث عينها الاتحاد الأفريقي في نوفمبر 2025 لتقود جهود الوساطة. تأكد هذا الدور في مايو 2025 بإعادة أوغندا افتتاح سفارتها بالخرطوم.

ثالثاً: العلاقات السودانية التشادية

تُعد العلاقة مع تشاد — التي تمتد حدودها مع السودان لمسافة 1400 كيلومتر — من أكثر العلاقات تعقيدًا. التداخل القبلي واللغوي الكبير بين البلدين جعل من الحرب السودانية ساحة لتصفية حسابات تمتد إلى ما وراء الحدود.
من الوساطة إلى التورط المباشر

مع اندلاع الحرب، سعت تشاد في البداية إلى لعب دور الوسيط، حيث نفت وزارة خارجيتها اصطفافها مع أي من طرفي النزاع. لكن سرعان ما انكفأ هذا الموقف، وتحولت تشاد من وسيط إلى طرف مباشر في الصراع. بحلول منتصف 2024، كان الجيش السوداني يستهدف سلاسل الإمداد اللوجستية لقوات الدعم السريع في مناطق حدودية.
اتهامات متبادلة وتصعيد خطير

بلغ التوتر ذروته في مارس 2025، عندما اتهم نائب قائد الجيش السوداني آنذاك اللواء ياسر العطا تشاد بتسهيل عمليات طائرات بدون طيار تدعمها الإمارات لقوات الدعم السريع، معلنًا أن مطاري أم جرس ونجامينا هدفان مشروعان للجيش السوداني. في المقابل، أغلقت تشاد حدودها مع السودان حتى إشعار آخر في فبراير 2026.
الجهود الإنسانية كاستثناء

رغم التصعيد، ظل التعاون الإنساني استثناءً مهمًا. مددت الحكومة السودانية مرارًا فتح معبر أدرى الحدودي مع تشاد لتمرير قوافل المساعدات الإنسانية، استجابةً لطلب الأمم المتحدة، حتى مارس 2026.

رابعاً: العلاقات السودانية الليبية

تمثل ليبيا أحد أخطر الملفات التي تواجه السودان، حيث تحولت أراضيها إلى ملاذ آمن ومركز لإعادة التموين لقوات الدعم السريع.

انقسام ليبي واستقطاب سوداني

تعكس العلاقة مع ليبيا الانقسام السياسي الذي تعيشه الأخيرة. بينما يعزز الجيش السوداني تعاونه مع حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة في غرب ليبيا برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وتبرم الخرطوم وطرابلس تفاهمات عسكرية، تتهم جهات سودانية قائد الجيش الوطني الليبي خليفة حفتر بدعم قوات الدعم السريع.
تمكنت قوات الدعم السريع من السيطرة على كامل منطقة المثلث الاستراتيجي بين السودان وليبيا ومصر في يونيو 2025، مما منحها وصولًا إلى ليبيا وتشاد لأغراض إعادة الإمداد.

أزمة اللاجئين والهجرة غير النظامية

تفاقمت أزمة اللاجئين السودانيين الفارين من الحرب في ليبيا، حيث يدخلون عن طريق المثلث الحدودي ومنه إلى مدينة الكفرة. ناقش وزراء داخلية البلدين آفاق التعاون لمعالجة أوضاع اللاجئين وقضايا الهجرة غير النظامية.

الخلاصة

فرضت الحرب على السودان واقعًا جديدًا في علاقاته الإقليمية. في شرق إفريقيا والقرن الأفريقي، تظهر نيات إيجابية وإرادة للتعاون الاقتصادي مع الجيران المباشرين، لكنها تظل مرهونة بقدرة السودان على احتواء الصراع الداخلي. ومع دول شرق إفريقيا غير المجاورة، تتأرجح العلاقات بين التوتر الدبلوماسي والوساطة. ومع تشاد، تحولت الحدود الطويلة من عامل تقارب إلى ساحة مواجهة بالوكالة. أما مع ليبيا، فتمثل سلاسل الإمداد لقوات الدعم السريع تحديًا وجوديًا.
تبقى إريتريا نموذجًا للعلاقة المتوازنة. ويظل السؤال مفتوحًا حول ما إذا كان السودان قادرًا على بناء إطار جديد لعلاقاته الإقليمية يتجاوز منطق الصراع بالوكالة، نحو تعاون قائم على المصالح المشتركة وأمن الحدود والتنمية.

‫2 تعليقات

  1. امكن العلاقة مع اثيوبيا هى المعضلة مصر من ناحية والتقراى من ناحية وما خفى اعظم

  2. الصراع الليبي، ومن التوتر التشادي-الإريتري إلى الصراع الخليجي الناعم. وما لم ينتصر طرف حاسم عسكرياً أو يحدث توافق سياسي شامل، ستظل هذه العلاقات الإقليمية رهينة لصدامات بالوكالة لا تخدم إلا المتربصين بوحدة السودان وأمنه.

    الرهان الحقيقي ليس على دعم إريتريا أو عداء تشاد، بل على استعادة السودان لدوره كدولة جامعة وقوية قادرة على إجبار جيرانها على احترام سيادته، ليس بالشعارات، بل بميزان القوى والاستقرار الداخلي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..