مقالات وآراء

سلسلة في خيانة الزمالة وانهيار أخلاق المهنة (١ – ٥)

حين يُخترق الصف…

بقلم: حسن عبد الرضي

الطعنة من الداخل… حين يتحول الزميل إلى عينٍ عليك

في كل المهن، يخوض الإنسان معاركه ضد خصومٍ واضحين من الخارج، لكن مأساة التعليم في السودان تجاوزت هذا الحدّ بكثير؛ إذ أصبح الخطر الحقيقي يسكن داخل الصفوف نفسها، ويتخفّى في هيئة زميل مهنة، يشاركك غرفة المعلمين، ويصافحك كل صباح، ثم يخرج ليحمل كلامك وتقاريرك وهمومك إلى الإدارات والأجهزة والجهات التي لا ترى في المعلم إلا موظفًا يجب إخضاعه وتركيعه. ولم تعد أزمة التعليم مقتصرة على وزارة فاشلة، أو إدارات مرتبكة، أو نقابات فقدت شرف الدفاع عن المعلمين، بل أصبحت الكارثة أعمق وأكثر قذارة: انهيار الثقة بين المعلمين أنفسهم، وتحول بعضهم إلى مخبرين صغار، ووكلاء رخيصين للسلطة داخل المؤسسات التعليمية.
هناك من باعوا الزمالة بثمن بخس، وقرروا أن يرتقوا على ظهور زملائهم، وأن يصنعوا لأنفسهم مكانة عبر نقل الأحاديث، وتحريف الكلمات، وكتابة التقارير، ومراقبة الأنفاس داخل المدارس. هؤلاء لا يمارسون دورًا إداريًا، ولا يؤدون واجبًا مهنيًا، بل يمارسون أخس أنواع الخيانة؛ لأنهم يهدمون آخر ما تبقى من الأمان النفسي داخل البيئة التعليمية.
أي تعليم يمكن أن ينشأ في مؤسسة يخاف فيها المعلم من زميله؟ وأي رسالة تربوية يمكن أن تُبنى في بيئة يتحول فيها الحديث العابر إلى ملف، والرأي إلى تهمة، والشكوى إلى جريمة؟ حين يصبح المعلم مضطرًا إلى وزن كل كلمة، ومراقبة كل جملة، والحذر من كل جلسة، فإننا لا نكون أمام مؤسسة تعليمية، بل أمام ثكنة خوف، تُدار بعقلية الشك والوشاية والتربص.
الأخطر أن هذه النماذج لا تأتيك دائمًا بوجهٍ فظّ أو سلوكٍ عدائي مباشر، بل كثيرًا ما ترتدي قناع الوداعة واللطف، وتتسلل عبر المجاملات اليومية، والضحكات العابرة، والعلاقات الاجتماعية الناعمة. يقتربون منك ليجمعوا ما يستطيعون، ثم يذهبون ليؤدوا دورهم القذر في نقل الكلام وتضخيمه وتحريفه.
إنهم لا يملكون شجاعة المواجهة، لذلك يعيشون على النميمة المهنية، والتجسس الوظيفي، والارتزاق من خوف الآخرين. لقد ساهمت الأنظمة الفاسدة، عبر سنوات طويلة، في صناعة هذا النموذج المشوّه من المعلمين؛ معلمٍ يرى في التقرب من السلطة انتصارًا شخصيًا، ولو كان الثمن كرامة زملائه ومستقبل المهنة نفسها. وهكذا تحوّل بعض المدارس إلى ساحات مراقبة، لا إلى بيوت تربية وتعليم.
إن أخطر ما يُصيب المعلم ليس الفقر، رغم قسوته، ولا ضعف المرتب، رغم إهانته، بل أن يفقد الإحساس بالأمان وسط زملائه. لأن المهنة التي تنهار فيها الثقة، تنهار فيها كل القيم تباعًا: الاحترام، والتعاون، والرسالة، وحتى معنى الزمالة نفسه. وحين يصل المعلم إلى مرحلة يشك فيها في من يجلس بجواره، ويحسب حسابًا لكل كلمة يقولها، فاعلم أن الانهيار قد بدأ بالفعل، وأن الصف لم يعد مكانًا للتعليم، بل ساحةً للصمت والخوف والترقب.
إن الطعنة التي تأتي من الخارج قد تؤلم، لكنها واضحة ويمكن مقاومتها. أما الطعنة التي تأتي من الداخل، من زميلٍ يفترض أنه شريك الرسالة، فهي الطعنة التي تُفسد الروح، وتكسر المهنة من جذورها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..