مقالات وآراء

بريطانيا التي خافت من نفسها… كيف انتصر اليمين الشعبوي في بلدٍ كان يعلّم العالم الديمقراطية؟

عبدالعزيز أبوعاقلة

لم تكن نتائج الانتخابات المحلية البريطانية الأخيرة مجرد احتجاج عابر على حكومة متعبة، بل بدت كأنها إشارة إلى تحوّل أعمق داخل المزاج الغربي كله؛ تحوّل يقوم على الخوف أكثر من الأمل، وعلى الغضب أكثر من البرامج السياسية. فالصعود اللافت لحزب الإصلاح بقيادة Nigel Farage لا يمكن قراءته بمعزل عن الموجة الشعبوية التي فجّرها Donald Trump في الولايات المتحدة، ثم تمددت إلى أوروبا تحت شعارات متشابهة: استعادة الهوية، إغلاق الحدود، مهاجمة النخب التقليدية، وتحويل المهاجر إلى تفسير جاهز لكل أزمة اقتصادية أو اجتماعية.
المفارقة أن بريطانيا نفسها كانت لعقود واحدة من أكثر الدول استفادة من الانفتاح والهجرة والعولمة. ملايين المهاجرين الذين جاءوا من آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط لم يعودوا مجرد “وافدين” بالمعنى التقليدي، بل أصبحوا جزءًا من النسيج البريطاني ذاته. هناك أجيال ثانية وثالثة وُلدت في لندن ومانشستر وبرمنغهام، وغيرها من المدن والبلدات تتحدث بلهجة بريطانية كاملة، درست في المدارس البريطانية، دفعت الضرائب، وأسهمت في قطاع الصحة والمواصلات والتعليم والتجارة، بل إن كثيرًا من المؤسسات والخدمات البريطانية ما كانت لتستمر بالكفاءة نفسها دون مساهمة المهاجرين.
لكن الشعبوية لا تحتاج إلى حقائق دقيقة بقدر ما تحتاج إلى شعور عام بالخوف. حين يتباطأ الاقتصاد، وتنهك الخدمات الصحية، وتتصاعد أزمة السكن وغلاء المعيشة، يصبح المهاجر الهدف الأسهل سياسيًا حتى لو لم يكن السبب الحقيقي للأزمة. وهنا تحديدًا نجح اليمين الشعبوي: لقد قدّم للناخب البريطاني الغاضب “عدوًا واضحًا”، بينما بدت الأحزاب التقليدية عاجزة عن تقديم أمل واضح.
السؤال الذي يقلق كثيرًا من المهاجرين اليوم ليس فقط: هل سيصل اليمين الشعبوي إلى السلطة؟ بل: هل ستصبح أفكاره هي السياسة الرسمية حتى دون أن يحكم؟
هذا السؤال مشروع جدًا.
لأن التاريخ السياسي الحديث يثبت أن الشعبوية حين تحقق اختراقًا انتخابيًا كبيرًا، فإنها تدفع الجميع نحو اليمين. رأينا ذلك في أمريكا، وإيطاليا، وفرنسا، وهولندا، وحتى ألمانيا
أزمة لم تكن فقط في السياسات، بل أيضًا في الشخصية السياسية نفسها. فرئيس الوزراء Keir Starmer يظهر لكثيرين كشخصية إدارية باردة أكثر من كونه قائدًا ملهمًا. في أوقات القلق الاقتصادي والاجتماعي، لا يكفي أن يكون السياسي منظمًا وعقلانيًا؛ الناس تبحث عن شخصية تمتلك حضورًا وكاريزما وقدرة على صناعة الأمل أو حتى المواجهة. لهذا بدا حزب العمال وكأنه يدير البلاد بلا روح سياسية حقيقية، فاقدًا للقدرة على إشعال الحماس حتى وسط قاعدته التقليدية.
الأخطر من ذلك أن الحزب، بدل أن يواجه خطاب اليمين الشعبوي، بدا أحيانًا وكأنه يستجيب له. ففي قضايا الهجرة واللاجئين وحتى في بعض الملفات المرتبطة بالحرب على غزة، تحرك حزب العمال بحذر شديد خشية خسارة الناخب المحافظ أو الغاضب. هذه الاستجابة التدريجية لابتزاز اليمين جعلت الحزب يفقد جزءًا من صورته الأخلاقية والتاريخية كحزب يساري يدافع عن العدالة الاجتماعية والتعددية. وخاصة عندما تقلّد الأحزاب التقليدية خطاب الشعبويين بدل مواجهتهً فإنها تمنحهم انتصارًا مضاعفًا: فهم يكسبون الأصوات، بينما يفرضون لغتهم على الجميع.
السؤال الذي يقلق المهاجرين اليوم لا يتعلق فقط بنتائج انتخابات محلية، بل بمستقبل المناخ السياسي والاجتماعي كله. فالكثير من أبناء المهاجرين لم يعودوا يشعرون أن النقاش يدور حول “الهجرة” كسياسة، بل حول قبولهم كمواطنين كاملين داخل المجتمع البريطاني. حين يسمع شاب وُلد في بريطانيا، ويحمل جنسيتها، ويدفع ضرائبه، خطابًا سياسيًا يربط الأزمات الاقتصادية والثقافية بوجود المهاجرين، فإنه يشعر بأن هويته نفسها موضوعة موضع شك هنا تكمن أزمة بنيوية .
ومع ذلك، فإن الحديث عن انتصار نهائي لليمين الشعبوي ما يزال مبكرًا. فالانتخابات المحلية غالبًا ما تكون مساحة لمعاقبة الحكومات أكثر من كونها تفويضًا كاملًا للبديل. لكن ما حدث يكشف أن بريطانيا تدخل مرحلة سياسية جديدة، وأن الانتخابات العامة المقبلة بعد نحو ثلاث سنوات قد تشهد تحولات أكثر عمقًا إذا استمر التراجع الاقتصادي وبقي حزب العمال عاجزًا عن إنتاج خطاب قوي ومختلف.والاعتراف بأخطائه واستيعاب كيمياء جماهير قاعدته.
وربما تكمن المأساة الحقيقية في أن بريطانيا، التي كانت يومًا رمزًا للتعددية والانفتاح، تبدو اليوم وكأنها تخاف من التنوع الذي ساهم أصلًا في بناء قوتها الحديثة. ذلك هو الانتصار الحقيقي للشعبوية: أن تجعل المجتمعات تشك في نفسها، وفي قيمها، وفي الناس الذين عاشوا داخلها لعقود باعتبارهم جزءًا طبيعيًا منها. وهذا بالضبط ما يجعل ما جرى أخطر من مجرد انتخابات.
إنه تغير عميق في روح المجتمع نفسه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..