عندما يصبح الفساد مشاعاً… وبلا حياء، وزارة التربية والتعليم نموذجاً

كلمة و”غطايتا”
سامي الباقر
عندما يصبح الفساد مشاعاً… وبلا حياء، وزارة التربية والتعليم نموذجاً
يقول عبد الرحمن الكواكبي في كتابه “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد”:
“الاستبداد أصل لكل فساد”.
لعل هذه العبارة تختصر بدقة ما يحدث اليوم داخل مؤسسات الدولة، وعلى رأسها وزارة التربية والتعليم؛ إذ ليس هناك جهاز معصوم من الفساد، لكن الفرق بين دولة تحترم مؤسساتها وأخرى تتآكل من الداخل، هو قدرتها على محاصرة الفساد ومحاسبة المتورطين فيه، فالفساد يتحول إلى ظاهرة عامة عندما تفقد السلطة حساسيتها تجاهه، ويصبح كشفه جريمة، بينما يُكافأ الفاسدون بالحماية والتمكين.
وقد قال ابن خلدون في مقدمته:
“الظلم مؤذن بخراب العمران”.
ما يحدث داخل وزارة التربية والتعليم بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021م في السودان يمثل نموذجاً واضحاً لذلك؛ إذ أصبحت الوزارة خاضعة لسيطرة ثلاث فئات رئيسية:
أولها: مجموعة من المنتفعين والانتهازيين، وهي مجموعة مؤلفة من بعض كوادر الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني والحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا، الذين احتكروا مواقع النفوذ المرتبطة بالمغانم الدولارية، خاصة في مدارس الصداقة والمراكز الخارجية للامتحانات.
ثانيها: قيادات وكوادر بلغت سن المعاش، وما تزال تسيطر على المواقع التنفيذية ـ بدءاً من الوزارة الاتحادية مروراً بالولايات والمحليات والوحدات ـ إضافة إلى أعمال اللجان والامتحانات، في مخالفة صريحة لقانون الخدمة المدنية، وحرمان للأجيال الجديدة من فرصها.
أما الفئة الثالثة، فهي الذراع السياسي والأمني للحركة الإسلامية، عبر كوادر النشاط الطلابي والنقابات والاتحادات المحلولة التي عادت للسيطرة على القرار التعليمي برعاية السلطة الحالية.
فقد أصبحت المحسوبية هي معيار الاختيار، فتتكرر الأسماء نفسها بصورة لافتة في مواقع محددة، خاصة في اللجان وأعمال الامتحانات ومواقع كبار المراقبين بالمراكز الخارجية، حتى بدا الأمر وكأن هناك دائرة مغلقة يجري تدويرها كل عام، كما أصبحت فرص العمل في مدارس الصداقة والمراكز الخارجية تُدار عبر قوائم جاهزة ومعدة مسبقاً، قُنِّن لها عبر لائحة اختيار مفصلة، تُوزَّع فيها الامتيازات على ذات الأشخاص والمجموعات بصورة تكشف حجم الاحتكار وغياب العدالة والشفافية؛ فتجد ـ مثلاً ـ رجلاً وزوجته يستحوذان على فرصة ولاية كاملة لمدة ثماني سنوات، كما تجد أسماء تكررت في مواقع كبار المراقبين بالخارج سبع مرات منذ اندلاع الحرب (في كل مرة يتحصل الواحد على ما يعادل خمسة ألف دولار).
وقد ساعدت ظروف الحرب، والخطاب التعبوي المصاحب لها، في توفير غطاء سياسي وأخلاقي لهذا الواقع؛ إذ جرى استخدام أجواء الحرب كشماعة لإسكات أي صوت ينتقد الفساد أو يطالب بالمحاسبة، فأصبح كل من يطرح أسئلة مشروعة حول الشفافية أو العدالة يُتَّهم تلقائياً بإضعاف “المعركة الوطنية”. وفي المقابل، وجد كثير من الفاسدين في الشعارات الحماسية ستاراً آمناً يخفون خلفه تجاوزاتهم، حتى صار ترديد أحدهم لعبارة “جيش واحد شعب واحد” كافٍ لينال حصانة غير معلنة تقيه النقد والمساءلة، بينما تستمر شبكات المصالح في التمدد والثراء بعيداً عن أي رقابة حقيقية.
لكن المفارقة الأكثر قسوة أن هذا التمكين والثراء يتزامنان مع الانهيار الكامل لأوضاع المعلمين؛ فالمعلم الذي يُفترض أن يكون أساس العملية التعليمية، أصبح مرتبه في الدرجة السابعة لا يعادل سوى سعر أنبوبة غاز، بينما يُحرم آلاف المعلمين من مرتباتهم، أو تُدفع لهم أجور فقدت قيمتها بالكامل.
وفي المقابل، أصبح ولي الأمر هو الممول الحقيقي للتعليم، يتحمل رسوم الدراسة والامتحانات والترحيل والإجلاس، مما ساهم في زيادة غير مسبوقة في أعداد الطلاب والتلاميذ المتسربين من المدارس، والأطفال غير الملتحقين بها، بينما تتكدس الامتيازات والعوائد الدولارية في يد مجموعة محددة، وسط غياب كامل للشفافية حول الأموال المتحصلة من الامتحانات والمراكز الخارجية ومدارس الصداقة.
فحين تغيب المحاسبة، وتُطارد الأصوات التي تكشف الفساد، يشعر الفاسدون بالأمان، وتتحول مؤسسات الدولة إلى غنائم خاصة.
إن ما يحدث اليوم في التعليم هو مؤشر خطير على تآكل الدولة نفسها؛ فحين يُذل المعلم، وتُدار المؤسسات بالمحسوبية، ويصبح الفساد مشاعاً وبلا حياء، فإننا نكون أمام آخر مراحل الانهيار المؤسسي.


