الفلاتة في السودان: من أثر الهجرة إلى أثر الدولة.. سيرة شعبٍ يصنع مكانه بهدوء

ميرغني الحبر/ المحامي
في بلدٍ تتنازعه الحروب وتثقل كاهله الانقسامات، تبرز الحاجة إلى إعادة قراءة ذواتنا الجماعية بعيونٍ أكثر عدلًا واتزانًا. فالسودان، في جوهره، ليس مجرد جغرافيا، بل فسيفساء إنسانية معقدة، لم يُتح لها دائمًا أن تُعرّف بنفسها كما ينبغي. ومن بين هذه المكونات، تبرز قبائل الفلاتة – أو الفولاني – بوصفها تجربة إنسانية ثرية، امتدت من آفاق غرب إفريقيا إلى عمق السودان، حاملةً معها تاريخًا من الحركة والعلم والتأثير.
ينتمي الفولاني إلى واحدة من أكبر المجموعات السكانية في إفريقيا، حيث ينتشرون في نطاق واسع من السنغال إلى السودان. وقد عُرفوا تاريخيًا بالحياة الرعوية، لكنهم لم يكونوا مجرد رعاة، بل كانوا أيضًا حملة علم ودين، أسهموا في تشكيل ملامح غرب إفريقيا الإسلامية. وهنا يبرز اسم عثمان دان فوديو، الذي قاد في مطلع القرن التاسع عشر حركة إصلاحية كبرى أسست لما عُرف بخلافة صكتو، وهي واحدة من أهم الكيانات السياسية والدينية في تاريخ المنطقة. لم تكن دعوته مجرد حركة سياسية، بل مشروعًا فكريًا وأخلاقيًا، ركّز على التعليم، ومحاربة الجهل، وإصلاح المجتمع.
وقد ارتبطت هجرات الفلاتة شرقًا – نحو السودان – بهذه السياقات الكبرى؛ فبعضهم جاء في سياق الرحلات الدينية والحج، وبعضهم تأثر بالحراك الإصلاحي الذي قاده دان فوديو، وآخرون دفعتهم الظروف الاقتصادية والسياسية إلى البحث عن مواطن استقرار جديدة. ومع مرور الزمن، استقروا في دارفور وكردفان، ثم في سنار والنيل الأزرق والجزيرة، حيث اندمجوا في المجتمع السوداني، دون أن يفقدوا خصوصيتهم الثقافية.
لكن ما يلفت النظر في تجربة الفلاتة في السودان هذا التحول من جماعة مهاجرة إلى مكوّن أصيل، أسهم في بناء المجتمع والدولة. فقد اتجهوا إلى الزراعة بمهارة، واستفادوا من خبراتهم في إدارة الأرض، حتى أصبحت بعض مناطق وجودهم نماذج للإنتاج والاستقرار. ولم يكن ذلك بمعزل عن اهتمامهم بالتعليم، الذي يُعد من أبرز سمات هذا المجتمع؛ إذ انتشرت بينهم الخلاوي وحلقات العلم، ثم انخرط أبناؤهم في التعليم الحديث، فبرز منهم معلمون، محامون وقضاة، وإداريون، اطباء ومهندسون ، وأدباء وأكاديميون، وقادة في مجالات متعددة.
وقد أنجبت هذه الجماعة شخصيات بارزة تركت أثرًا واضحًا في التاريخ السوداني، خاصة في ميادين المقاومة والعلم والإدارة. ففي عهد المهدية، برز آدم الاعيسر الفلاتي الذي تولى أمانة بيت المال، كما تولى أمين الفوطاوي الفلاتي مسؤولية الجبخانة، وهي من أهم المواقع العسكرية آنذاك. وكان للفلاتة حضور لافت في مقاومة الاستعمار؛ إذ قاد أحمد دمي الفلاتي معركة قدير ضد الإنجليز عام 1915، بينما قاد الشيخ محمد الطاهر بيلو مقاومة واسعة امتدت من القلابات إلى جبل موية، كما عُرف الفكي محمد نور عيسى الفلاتي بمناهضته للاستعمار حتى نُفي إلى وادي حلفا، وقاد أبو بكر الفلاتي انتفاضة عطبرة عام 1914.
وفي المجال العلمي والديني، يبرز اسم الشيخ محمد المكي، أحد أبرز أعلام التصوف في السودان، إلى جانب علماء ودعاة مثل محمد سنين الفلاتي ومحمد نجم الدين الفلاتي. كما تشير بعض الروايات التاريخية والاجتماعية إلى صلات قربى ومصاهرة تربط الزعيم إسماعيل الأزهري ببعض البيوتات الفلاتية ذات الحضور العلمي والصوفي في أم درمان.
وهذه النماذج ليست سوى شواهد على مسار طويل من التدرج عبر التعليم والعمل والانخراط في الشأن العام، لا عبر الضجيج أو الادعاء.
ورغم هذا الحضور، فإن تجربة الفلاتة – كغيرها من المجموعات – لم تكن بمعزل عن بعض التوترات الاجتماعية التي تتغذى على التصنيفات الضيقة. ففي مجتمع لم يتحرر بعد من إرث المفاضلات القبلية، حيث تميل كل جماعة إلى رؤية ذاتها في موقع الأفضلية، تنشأ أحيانًا مسافات غير معلنة، تُفهم بالإشارة أكثر مما تُقال بالعبارة. وهي ظاهرة لا تخص الفلاتة وحدهم، بل تمتد إلى مجمل البنية الاجتماعية السودانية، حيث لا يزال الانتماء القبلي يُستدعى – في بعض السياقات – كمعيار للتقييم، بدلًا من أن يكون مجرد مكوّن من مكونات الهوية.
غير أن ما يميز الفلاتة في هذا السياق هو قدرتهم على تجاوز هذه التعقيدات بهدوء، عبر التمسك بقيم العمل، والتعليم، والتدين الوسطي، والانخراط الإيجابي في المجتمع. لم يسعوا إلى فرض حضورهم، بل تركوا لأثرهم أن يتحدث عنهم. وفي ذلك درس بليغ في كيفية بناء المكانة: لا بالصراع، بل بالإسهام.
لقد أصبح الفلاتة اليوم جزءًا لا يتجزأ من السودان الحديث، لا كجماعة وافدة، بل كمكوّن أصيل شارك في الزراعة، والتعليم، والإدارة، والدعوة، وأسهم في تشكيل الوعي الجمعي في مناطق واسعة من البلاد. وتجربتهم، في جوهرها، تعكس معنى السودان نفسه: بلدٌ يتكوّن من الهجرات، ويُعاد تشكيله بالتعايش.
إن الكتابة عن الفلاتة ليست مجرد استعادة لتاريخ جماعة، بل هي دعوة لإعادة النظر في الطريقة التي نرى بها بعضنا البعض. فحين نُدرك أن كل مكوّن في هذا البلد يحمل قصةً من الكفاح والإسهام، يصبح من الصعب أن نختزله في صورة نمطية أو حكمٍ مسبق.
في زمنٍ تتصاعد فيه أصوات الانقسام، نحتاج إلى مثل هذه السرديات التي تُعيد التوازن، وتُذكرنا بأن السودان لا يُبنى إلا بجميع أبنائه… وأن من عرف طريق العلم والعمل، لا يحتاج أن يرفع صوته ليُثبت مكانه.
والحديث يتواصل عن مكون اخر..



