حين تتحول وزارة التربية إلى آلة إذلال… مأساة التعليم في النيل الأبيض

ليست الأزمة في النيل الأبيض مجرد خلل إداري عابر، ولا سوء تقدير يمكن تداركه بقرار هنا أو توجيه هناك… ما يجري هو سقوط كامل لفكرة “التربية” نفسها، وانكشاف فاضح لسلطة فقدت الحد الأدنى من الإحساس بالمسؤولية، فاستبدلت رسالتها التعليمية بسياسات قمعية تُدار بعقلية الجباية والإذلال.
أي عبثٍ هذا الذي يجعل وزارة تُعلن بداية عام دراسي جديد لثلاثة أشهر فقط، بينما الطلاب لم يلتقطوا أنفاسهم بعد انتهاء امتحاناتهم؟
أي منطقٍ هذا الذي يُعامل التلميذ والمعلم ككائنين بلا أعصاب، بلا ذاكرة، بلا إرهاق، بلا جوع؟
منذ العام ٢٠٢٤، والتعليم في ولاية النيل الأبيض لم يعرف التوقف الحقيقي. لم تُمنح المدارس فرصة لالتقاط أنفاسها، ولا المعلمون لحظة كرامة، ولا الطلاب فسحة تعافٍ. كأنما هناك قرارًا خفيًا بتجريف الإنسان نفسه… لا تعليمه.
وزارة بلا ضمير… وقرارات بلا عقل
القرار بفتح المدارس في هذا التوقيت ليس حرصًا على التعليم، بل هو محاولة بائسة لتجميل وجه سلطة عاجزة. سلطة تعلم – ويعلم الجميع – أن المدارس مدمرة، والبيئة التعليمية منهارة، والمعلم مسحوق، ثم تمضي في فرض واقع وهمي بالقوة. مدارس خرج منها النازحون لتوّهم، ولم تُصن بعد.
فصول من الزنك تحوّلت إلى أفران في صيف قاتل.
انعدام للمياه، للكتاب، للوسائل، للأثاث… بل وللحد الأدنى من الإنسانية. ومع ذلك، تُصر الوزارة على أن “العام الدراسي مستمر”!
أي عام؟ وأي دراسة؟ وأي عقول هذه التي تُساق إلى الفصول كأنها قطعان؟
المعلم… من صانع أجيال إلى ضحية نظام
المعلم في النيل الأبيض لم يعد موظفًا… بل أصبح ضحية كاملة الأركان.
ثلاث سنوات من المتأخرات لم تُصرف.
مرتبات هزيلة تُنهب بالخصومات. وغياب تام لأي دعم صحي أو اجتماعي. ومعلم لا يملك قيمة ترحيله، ولا علاج أسرته، ولا حتى قوت يومه. ثم تأتي الوزارة – بكل برود – لتطالبه بالمزيد!
ولم تكتفِ بذلك، بل مارست أبشع أشكال الظلم حين فصلت أكثر من مائة معلم، ليس لتقصير، بل لأنهم هربوا من الموت. نعم… هربوا من الرصاص، من الحصار، من جحيم الحرب حين كانت محليات كاملة تحت احتلال الدعم السريع، وبقية الولاية محاصرة.
هل كان المطلوب منهم أن يموتوا داخل الفصول حتى تُرضي الوزارة لوائحها البائسة؟
أي قانون هذا الذي يُعاقب الإنسان لأنه اختار الحياة؟
فساد محمي… ووزير فوق اللوائح
المأساة لا تقف عند حدود القرارات، بل تمتد إلى جذور السلطة نفسها. فوزيرٌ يفترض أن يُحال إلى التقاعد حسب اللوائح، لكنه باقٍ في منصبه بغطاء سياسي مفضوح. تمديد هنا، واستثناء هناك، لأن الولاء مقدم على الكفاءة، والانتماء الحزبي فوق القانون.
فكيف يُنتظر إصلاح التعليم من مؤسسة تُدار بهذه العقلية؟
كيف يُطلب من المعلم احترام نظام لا يحترم نفسه أصلًا؟
نقابة صامتة… وسلطة تتغذى على الصمت
أما ما يُسمى بنقابة المعلمين، فقد سقطت سقوطًا مدويًا، وتحولت إلى ظل باهت للسلطة. لا صوت لها إلا في تبرير الظلم، ولا دور لها إلا في متابعة الخصومات. وفي المقابل، تُمعن السلطة في سياساتها، لأنها لم تجد مقاومة حقيقية بحجم الجريمة.
تعليم يُدار بالجباية لا بالرسالة
في الوقت الذي يعجز فيه المعلم عن إطعام أطفاله، تنشغل الوزارة بتحصيل الرسوم من المواطنين.
جباية بلا خجل… في مجتمع أنهكته الحرب، وأفقرتْه السياسات، وكسرتْه الأزمات.
التعليم لم يعد حقًا… بل صار عبئًا ماليًا على الأسر، وسوطًا على ظهور المعلمين.
الخلاصة: هذه ليست أزمة تعليم… بل أزمة ضمير
ما يحدث في النيل الأبيض ليس مجرد فشل إداري، بل جريمة مكتملة الأركان في حق الإنسان.
جريمة تُرتكب كل يوم بحق المعلم، بحق الطالب، بحق مستقبل بلدٍ يُدفع نحو الجهل دفعًا. لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح: لن يتغير شيء ما لم يتغير موقف المعلمين أنفسهم. فالصمت لم يعد حيادًا… بل صار شراكة في الجريمة. والانتظار لم يعد صبرًا… بل استسلامًا.
وحدة المعلمين هي الطريق الوحيد
إن انتزاع الحقوق لا يتم بالاستجداء، بل بالفعل الجماعي. ولا تُستعاد الكرامة ببيانات الشجب، بل بتنظيم الصفوف، وتوحيد الكلمة، وفرض الإرادة. هذه معركة كرامة… لا معركة مطالب فقط. معركة وجود… لا معركة تحسين شروط. فإما أن يستعيد المعلم مكانته، أو يستمر هذا الانحدار حتى لا يبقى من التعليم إلا اسمه. وما حكّ جلدك مثل ظفرك.


