ظاهرة عسكرية غريبة لا نجدها الا في السودان: جنرالات الجيش بعد نزولهم المعاش يفشون الاسرار الخطيرة
بكري الصائغ

كلنا في السودان ومنذ زمن طويل، نعرف انه توجد فيه مقولة معروفة وشهيرة ومتداولة بشكل كبير وسط المواطنين، ومفادها: “لا تستغرب فانت في السودان!!”، وهذه المقولة لا تحتاج الي شرح وتفسير، فهي بكل بساطة مقولة تعني، ان علي المرء الا يستغرب ويندهش من أي احداث غريب تقع في السودان مهما كان نوعها وشدة غرابتها، والا يضرب كفا بكف عند سماعه خبر عن كارثة او حدث عجب لم يحدث له مثيل في أي بقعة بالارض.
هذه الظاهرة الغريبة والنادرة الحدوث، والتي لا توجد في أي مكان اخر، يكمن جوهرها في ان الضابط الذي عمل طويلا بالقوات المسلحة حتي وصل الي رتبة عسكرية عالية، وعرف خلالها الكثير المثير من الاسرار البالغة السرية، نجده وبعد نزوله المعاش ومودعا حياة العسكرية، يقوم وبلا مبالاة او اكتراث، بالحديث عن احداث هامة وكبيرة وقعت اثناء عمله السابق بالخدمة العسكرية، يكثر من الحديث عنها رغم سريتها وضرورة عدم الافصاح عنها.
نشرت صحيفة “الراكوبة” في يوم الاحد ١٠/ مايو الحالي ٢٠٢٦، خبر مثير للغاية تحت عنوان: “إفادات مثيرة لنائب رئيس الأركان السوداني السابق: “الإخوان أقصوا الضباط الرافضين لعودة المؤتمر الوطني”، وجاء في الخبر، ان الفريق الركن منور عثمان نقد، نائب رئيس هيئة الأركان السوداني السابق، كشف عن تفاصيل جديدة تتعلق بـ”إقصاء ممنهج” لضباط داخل القوات المسلحة بسبب مواقفهم الرافضة لهيمنة الحركة الإسلامية السودانية على المؤسسة العسكرية، مؤكداً أن تحذيرات مبكرة أُطلقت قبل اندلاع الحرب الحالية لم تجد آذاناً صاغية داخل القيادة العسكرية، وقال ايضا “حذرنا من تسليم الجيش للحركة الإسلامية السودانية قبل الحرب، فتمت إحالتنا للتقاعد”.
وهنا، لا يهمنا بقليل او كثير ما قاله منور عثمان من كلام، بقدر ما يهمنا انه خرج عن المالوف عالميا في كل جيوش العالم، في اهمية الانضباط واحترام سرية المعلومات العسكرية ، منور لم يراعي رغم رتبته العالية ما تعلمه في الكلية الحربية من ضرورة عدم خروج أي معلومة عن الجيش للخارج حتي وبعد المعاش.
وليت الأمر وقف عند منور وحده، فمن طالع الصحف التي صدرت بعد يوم الخميس ١١/ ابريل ٢٠١٩، وطالع سلسلة الاطاحة والعزل والطرد من الخدمة العسكرية، التي قام بها البرهان وشملت مئات الضباط برتب مختلفة وجد، ان اغلب الضباط المفصولين من الخدمة، قد تنافسوا في ما بينهم علي من يدلي باكبر قدر من سرية المعلومات العسكرية وينشرها جهارآ نهارآ علي العلن، ومنذ ابريل ٢٠١٩ وحتي اليوم، وكل يوم تنشر الصحف المحلية والاجنبية اخبار مثيرة عن حال الجيش، والتي هي اخبار خرجت من افواه كثيرين من خدموا سابقا بالقوات المسلحة، واحيانا من هم بالخدمة حاليا، واكبر دليل علي هذه الحالة الفوضية، تصريح ياسر العطا بسيطرة “الكيزان” علي الجيش، ووجود سبع كتائب تابعة لجماعة الإخوان المسلمين تقاتل في صفوف الجيش.
بل حتي الرئيس المخلوع نفسه ساهم بقدر كبير في كشف اسرار عسكرية بالغة الحساسية، فخلال محاكمته قال الكثير المثير الخطر، وكيف ان “حميدتي” كانت عنده ميزانية مفتوحة، وكشف ايضا عن محاولات تهريب عملات أجنبية، بل والاخطر من كل هذا، تلك الاسرار عن القوات المسلحة، التي جاءت في الافلام الوثائقية المكونة من اربعة اجزاء، وبثت من موقع “العربية” تحت عنوان “الفيلم الوثائقي الأسرار الكبرى”، وكشفت هذه التسجيلات عن اجتماعات سرية للحركة الإسلامية في السودان، وعن طريقة إدارة الدولة خلال حكم عمر البشير الذي امتد لثلاثين عاماً، وفي واحدة من هذا الاشرطة الاربعة، جاء حديث خطير صدر من البشير عن اعدامات ضباط ابريل ١٩٩٠، وما كان الواجب العسكري عليه ان يدلي باسرار ورط فيها رفقاء سلاح، ولكنه اراد الانتقام من الذين انقلبوا عليه.
تشير تقارير وتحليلات عديدة إلى أن الصراع الدائر في السودان منذ أبريل ٢٠٢٣ قد أدى إلى كشف الكثير من التفاصيل المتعلقة بالقدرات والتحركات العسكرية، مما يجعل مصطلح “الأسرار العسكرية” أقل دقة في السياق الحالي، أبرز النقاط المتعلقة بهذا الشأن:- ١/- ضعف الجاهزية والتخطيط: تم تسليط الضوء على فجوات هيكلية وضعف في الجاهزية العسكرية للجيش السوداني مقارنة بتوقعات تحقيق نصر حاسم. ٢/- انتهاكات موثقة: كشفت تحقيقات وتقارير دولية عن تفاصيل انتهاكات جسيمة، وُصفت بأنها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. ٣/- التصنيع الحربي: تم تداول معلومات حول هيئة التصنيع الحربي السودانية، بما في ذلك مجمعات الإنتاج مثل اليرموك والصفات.٤/- صراعات داخلية: أشارت دراسات إلى خلافات داخلية وصراعات بين قيادات عسكرية ومدنية، وتأثير ذلك على القرارات العسكرية.٥/- تسريب عمليات التمويه: تم رصد نشر فيديوهات على وسائل التواصل الاجتماعي تُظهر عمليات تمويه لإخفاء الدبابات والمدفعية. ٦/- تقارير حول أسلحة محظورة: نشرت مجلات دولية تقارير تزعم استخدام أسلحة كيميائية.٧/- أسرى الحرب: تم نشر كشوفات بأسماء أسرى حرب. ٨/- تُعزى هذه الحالة من كشف الأسرار إلى عدة عوامل، منها التطور التكنولوجي وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى طبيعة الحرب الجارية.
واخيرا، بعد خروج عشرات الالآف من الاسرار العسكرية للعلن، لم يكن امام رئيس هيئة الاركان ياسر العطا، فور تعيينه الجديد في ابريل الماضي ، الا القيام باصدار توجيهات صارمة بحظر مشاركة العسكريين في النشر أو التعليق على الشأن العام عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وأكدت توجيهاته أن التصريحات الإعلامية حكر على مكتب الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة، ولا يحق لأي فرد الإدلاء بأي تصريحات دون تفويض رسمي، وجاءت هذه الخطوة، بعد تفشي ظاهرة استخدام الضباط لحسابات شخصية وتدخلهم في الشؤون السياسية والعسكرية، مما اعتبر خروجاً عن الضوابط المهنية والانضباط العسكري.
ولكن تبقي المشكلة قائمة: “من يحمي الضباط المفصولين من الخدمة، ومن هم بالمعاش، من الكلام في الممنوع عن القوات المسلحة، وكشف اسراها؟!!”.




سؤال لك كاتب المقال… الا تعتقد أنه من المفيد أن تواصل وبداية من هذا المقال للبحث والكتابة أكثر هل الجيش السوداني هو فعلا مؤسسة عسكرية منظمة ومسلحة ومدربة (“مدربة” هذه تحتاج لسنوات ضوئية لإثباتها) مهمتها الأساسية حماية السودان وحدوده البرية والبحرية والجوية ( وهل الضربات الاسرائيلية على السودان كانت الطيارة طافية أنوارها!) ام هي مؤسسة حارسة وممارسة الحكم والوصاية والهيمنة منذ التأسيس ولها أن تبيد شعوبها وتتكسب، ماهي إنجازات هذه المؤسسة الحاكمة لاكثر من ٥٠ عام؟، وما زالت الجوقة تردد جيشون واحد شعبون واحد. لذلك لا تستغرب وتكون فكرة أن ما يدلي به جنرال أو ضابط متقاعد هي اسرار .. بل هي نتاج مؤسسة خربة لا يجدي معها حتى الإصلاح، وما ورد في مقالك من تصريحات للمتقاعدين ما هي إلا للإشارة منهم على أن الجيش هو تكية للقائد.