مقالات وآراء

في تذكّر “صلاح حسن أحمد” والرّاحل”عبدالله الشقليني”

أيام السبعينات في جامعة الخرطوم

السفير جمال محمد ابراهيم

(1)
ذات نهار في يوم ما من عامٍ، في أوائل سبعينات القرن الماضي..
كنا ثلاثتنا في صالون بيتنا بأم درمان : صلاح حسن أحمد وعبدالله الشقليني وأنا. كنَّا ب مُغرمين بأغنية المطرب الرَّاحل عبدالدافع عثمان: “مرّتْ الأيام” وهي من كلمات الشاعر مبارك المغربي والحان عربي الصلحي. . كان صلاح ممسكاً بالعود يداعب بأصابعه أوتاره، وشقيقي الأصغر عبد الله يدندن بصوت شجي ، أبياتاً من قصيدة “مرّتْ الأيام”.. تلك الأغنية- برغم غنى شجوها- من الأغاني التي غاب طويلا بثها عبر الإذاعة السودانية. طربت لصوت عبدالله يرافق عزف صديقه صلاح حسن أحمد. أخذنا التطريب مأخذاً بعيدا، وأغنية عبدالدافع عثمان وقد أسرتنا بكلماتها وبلحنها الشجيّ، حلَّقتْ بثلاثتنا لفضاءات شاسعة من الإطراب.
كنَّا وقتها طلابا في جامعة الخرطوم، ولكن بتخصّصات في كليات مختلفة. أنا أكبرهم سناً في عامي الخامس لنيل درجة الشرف في الأنثروبولوجيا بكلية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية. صلاح كان يدرس في كلية الآداب ، أما “عبدالله بيكاسو”، فقد كان في عامه الثالث في كلية الهندسة والمعمار.
لعلي أتذكّر أنّ ثمة ما جمع بين ثلاثتنا ، تلكم السنوات. كنت أقرزم نظم الشعر وقد هجرت هواية الرسم والتشكيل، بعد أن استهوتني دراستي الجامعية وتخصصي في الانثروبولوجيا الاجتماعية. صلاح وقد عرّفني إليه شقيقي عبدالله ، طالب في كلية الآداب وله هوى بالموسيقى ، وقد ذاع وقتها مسلسل له، كانت تبثه الإذاعة السودانية عنوانه “الحياة مهنتي” ، ألفه وأعده مسلسلا كاملا بمقدمة لحنية من تأليفه أيضا.
أما شقيقي الأصغر “عبدالله الشقليني”، والذي برغم استغراقه في دراسة المعمار التي عشقها في الجامعة، وبتشجيع من صديقه صلاح، بدأ يتعلّم العزف على العود ، بل وجد مجالا للإنخراط في فصول لتعليم العزف في قصر الشباب بأم درمان، في بانت شرق. في ذلك “القصر”، تعرّف عبدالله إلى الموسيقار الفنان “جمعة جابر” رحمه الله.
لعلَّ تماثل هواياتنا، ونحن الثلاثة طلاب في جامعة الخرطوم – هي التي قربتنا للتلاقي إعجابا بغناء المطرب عبدالدافع عثمان فزع ، تلكم السنوات. بعدها بسنوات ، شاعت أغنيته الأشهر ” مرّتْ الأيام”، وأخذ العديد من المطربين يرددونها . من بين من أجادوا أداءها بصوت مميّز، الراحل مصطفى سيدأحمد، وهو يتلمس له موقعا في خارطة الغناء السوداني بثبات لافت.
(2)
طوينا عقوداً من أعمارنا ، وَشـتَّ بنا الزمان أيدي سبأ، كما يقال.. أخذتني مهنتي الدبلوماسية بعيدا ، وصارت رحلتي المهنية أشبه بحالة الرحالة الجوّال الذي يقفز من بلد إلى آخر. أما عبدالله شقيقي الأصغر ، فانهمك في مهنته مهندسا معماريا، لكن سنوات “الانقاذ” لم تطب له ، إذ سرعان ما غادر إلى الإمارات ، حيث أقام لعمر كامل فيها ، حتى ساعة رحيله هناك، وبقي رمسه تحت تراب مدافن “بني ياس” في مدينة أبوظبي في نوفمبر /تشرين عام 2025..رحمه الله..
أما صلاح حسن أحمد ، فقصته معي حملت تفاصيلَ حيَّرتني لسنوات. كنتُ أتابع أخباره من على البعد ولم يقع بيننا تواصل . هو أيضا لم تطب له سنوات حكم “الإنقاذ” وغادر البلاد.. إلى أين..؟ لم أكن أعلم. حين رستْ سفينة مهنتي ذات عام في لندن، علمتُ أن صديقنا صلاح مقيم فيها منذ سنوات مع أسرته الصغيرة. كنتُ أسمع من بعض من يعرفونه، أنه يعمل ضمن محرري صحيفة الشرق الأوسط في لندن ، وبعضهم حدثني أنه يقيم في أطراف بعيدة في العاصمة لندن. عجبتُ برغم ذلك، أن لا ألتقيه ولو مصادفة في لندن، وأنا أكملت فيها مهمتي الدبلوماسية التي امتدت لسنوات من عام 2000إلى 2004.
عدت إلى الخرطوم ، ثم سمعتُ بصدور رواية لصلاح حسن أحمد عنوانها “سن الغزال”.
حرصت على اقتنائها ، لأني كنت أعرف عن صلاح موهبته في الكتابة الإبداعية . . برغم إعجابي بروايته ، وبرغم محاولاتي التقصِّي عن صلاح، فتأكَّد لي أنه لا يزال مقيما في لندن. ما وجدت تفسيراً لعدم تمكّني من الالتقاء بصلاح على أيامي اللندنية ، إلا -ربما- لقناعة لديه مثلما عند العديد من السودانيين طالبي اللجوء في بريطانيا، من ميلهم لتجنب السفارة السودانية ، و العاملين فيها ، بحسبانها سفارة نظام الانقاذ الحاكم في السودان. أسلوب إدارتنا للسفارة السودانية – أنا بصفتي السفير الثاني المساعد للسفير الأول المعتمد رسميا: الدكتور حسن عابدين، قصدنا باسلوبنا تطبيع العلاقة مع السودانيين جميعهم، طالبي لجوء أو مبعوثين ، أو مقيمين إقامة عادية . واجهنا ترددا في بداية أيامنا ، لكن سرعان ما حققنا نجاحات ، وفتحنا أبواب السفارة لجميع السودانيين المقيمين ، ومنحنا حق امتلاك جواز السفر السوداني للجميع: للاجئين أو لسواهم. كنت أتصور أن صديقنا صلاح سيتذكرني خلال إقامتي في لندن ، أو يسمع بالتغييرات التي حدثت في تعامل السفارة السودانية مع جاليتها. غير أن صلاح لم يكن ممن اقتنع بما سمع عن السفارة فيما بدا لي ، فآثر تجنب الاقتراب منها ومن العاملين فيها، حتى وإن كان بينهم الشقيق الأكبر لصديقه الحميم : عبدالله بيكاسو…
(3)
حين رحل شقيقي “عبدالله بيكاسو”، والذي كتبت في رثائي له أنه توأم روحي وذلك أكثر من أن يٌحسب شقيقا لي. ولقد مضيت في سرديتي عن شقيقي الرّاحل، فأشرتُ للعلاقة الحميمة التي جمعت ثلاثتنا ذات عام في سبعينات القرن العشرين. لم أنس أن أشير لجلساتنا في تلكم الأيام، وجئت إلى ذكر أغنية المطرب الأمدرماني عبدالدافع عثمان فزع، تلك التي جمعت ثلاثتنا وبيننا عود أوتاره بين أصابع صلاح والأداء منطلقا من صوت شقيقي “عبدالله بيكاسو”.
تصوَّرتُ أنَّ مقالي في رثائي لشقيقي “عبدالله بيكاسو”، وقد بثثته في مواقع وصحف إلكترونية عديدة قد يصل إلى عيون صديقنا الأديب صلاح حسن أحمد. للأسف بدا لي أنّ مقالي لم يصل . حزنتُ لأني كنت أعرف أنَّ ما كتبته قد تدمع معه عيون الغائب عنَّا: صلاح.
إنّ رحيل شقيقي قد خلف من الحزن ، ما لا يمكن تصوره، لكن نحن من خلق رب العالمين وله الأمر من قبل ومن بعد ، وما لنا غير القبول ..
رحم الله شقيقي عبد الله ، وردَّ الله إلى ذاكرة صديقنا الغائب ، تلك الحميمية التي جمعتنا ذات لحظات قبل نحو خمسين عاما. . ٌ

١٨ مايو ٢٠٢٦

تعليق واحد

  1. لك حسن العزاء سعادة السفير انا لله وانا اليه راجعون. لكن معليش بعد كل هذه المودة تجاه صديقك صلاح لماذا لم تسع انت الى الذهاب اليه في داره وخاصة انه كان في لندن أو ضواخيها؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..