مقالات وآراء

هل يجدي الإنكار بعد الفضيحة؟!

بقلم: حسن عبد الرضي

أصبحنا كل يوم نطالع المزيد من الإحباط وسط البلابسة وتابعيهم المضلَّلين، ونشهد تناقضات قياداتهم التي استمرت في الكذب واللعب على جميع الحبال، لكن الله يفضحهم ويكشفهم أمام أنفسهم قبل الناس. يقول الحديث الشريف، فيما معناه: «ما يزال المرء يكذب ويتحرّى الكذب حتى يُكتب عند الله كذّابًا». وهذا ما يؤكد ما ظللنا نردده طويلًا: أن البرهان يكذب ويتحرّى الكذب، حتى فضحته الصحافة العالمية عندما أعلن أنه يسعى، عبر وساطة بحرينية، لإعادة العلاقة مع الإمارات؛ تلك الدولة التي ظل يصفها لشعبه، الذي اعتاد التلاعب به وإدمان الكذب عليه، بأنها “دويلة الشر”. لكن ما إن كشّر له أسياده عن أنيابهم حتى سارع إلى نفي التصريح.
وفي السياسة قد يخطئ المسؤول، وقد يتراجع، وقد يبدّل مواقفه تحت ضغط الوقائع أو تغيّر التحالفات. لكن الأخطر من ذلك كله أن يتحول الكذب إلى منهج حكم، وإلى أسلوب دائم في إدارة الدولة وتضليل الشعوب. وهذه بالضبط هي المدرسة التي أتقنتها جماعة الإسلام السياسي في السودان، حتى صار أتباعها يتعاملون مع التناقض الصارخ وكأنه بطولة، ومع الإنكار المكشوف وكأنه دهاء سياسي.
واليوم يعود عبد الفتاح البرهان ليقدّم نموذجًا جديدًا لهذا النهج القديم؛ نهج الإنكار بعد الاعتراف، والتراجع بعد التصريح، والكذب بعد انكشاف الحقيقة.
فالقصة هذه المرة ليست “شائعة” أطلقتها صفحات مجهولة، ولا “تسريبًا” من خصوم سياسيين، بل تقرير نشرته Middle East Eye، أكد فيه محرر الموقع ومراسله أوسكار ريكيت أن البرهان تحدث بالفعل عن وجود وساطة بحرينية لإعادة العلاقات مع أبوظبي، وأن التصريحات جرت عبر مكالمة هاتفية مباشرة مع هيئة التحرير، وبوجود مترجم من مكتب البرهان نفسه.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل أوضح ريكيت أن التصريحات أُعيد إرسالها عبر مترجم البرهان للتحقق منها، وأن فريق البرهان أكد دقتها ووافق على نشرها قبل خروج التقرير إلى العلن. أي أننا لسنا أمام “سوء فهم” أو “تحريف إعلامي”، بل أمام تصريحات موثقة، ومراجعة، ومعتمدة من مكتب البرهان نفسه. ثم ماذا حدث؟
خرجت سلطة بورتسودان لتنفي كل شيء، وكأن الناس بلا ذاكرة، وكأن الصحافة العالمية تُدار بعقلية “قروبات الواتساب” التابعة للجان التعبئة الكيزانية.
هذا النفي الفج لا يفضح الصحيفة، بل يفضح السلطة نفسها. لأن المؤسسة الإعلامية لم تتراجع، بل واجهت النفي بمزيد من التأكيد، وأعلنت بوضوح أن حديث البرهان موثق، وأنها تمتلك ما يثبت صحة التصريحات، وأن تغيير البرهان لموقفه لاحقًا هو مسؤوليته وحده.
وهنا تتجلّى الأزمة الحقيقية: أزمة سلطة اعتادت الكذب حتى ظنت أن بإمكانها إعادة كتابة الوقائع بعد نشرها، فقط عبر بيان مرتبك أو نفي متأخر.
إنها العقلية نفسها التي ربّت أتباعها على الطاعة العمياء، وعلى اعتبار الحقيقة مجرد “وجهة نظر” يمكن تبديلها بحسب المصلحة السياسية. لذلك لا يشعر كثير من أنصار الإسلاميين بأي حرج وهم يدافعون عن النقيضين في الوقت نفسه؛ يهاجمون الإمارات صباحًا، ثم يبررون التقارب معها مساءً، ويرفعون شعارات الكرامة والسيادة، ثم يلهثون خلف الوسطاء لإعادة العلاقات عندما تضيق الخيارات.
والمؤسف أن السودان المنكوب يدفع ثمن هذه السياسة القائمة على الخداع والمناورة. فبلد يعيش حربًا مدمرة، وانهيارًا اقتصاديًا، وكارثة إنسانية، يحتاج إلى قدر من الصدق والمسؤولية، لا إلى إدارة تقوم على الإنكار والتضليل وتبديل الأقنعة.
لقد صار واضحًا أن البرهان لا يتعامل مع الحقيقة باعتبارها قيمة أخلاقية أو مسؤولية وطنية، بل باعتبارها أداة مؤقتة قابلة للاستبدال متى تغيّرت الحسابات. وهذه ليست زلة لسان عابرة، وإنما استمرار طبيعي لثقافة سياسية كاملة تشكلت داخل بيئة الإسلام السياسي السوداني، حيث يصبح الكذب مهارة، والتراجع “تكتيكًا”، والإنكار وسيلة يومية للبقاء.
لكن المشكلة أن الوقائع اليوم لا تختفي بسهولة. فالعالم لم يعد يُدار بمنشورات التعبئة المحلية، والصحافة الدولية ليست منابر تابعة لسلطة بورتسودان. وعندما تؤكد مؤسسة إعلامية محترفة أن التصريحات موثقة ومراجعة ومعتمدة، فإن أي نفي لاحق يتحول إلى إدانة سياسية وأخلاقية لمن أطلقه.
وهكذا يجد البرهان نفسه مرة أخرى أمام صورته الحقيقية: قائد يقول الشيء ونقيضه، وينكر ما قاله بعد توثيقه، ويواصل السير على خطى مدرسة سياسية جعلت الكذب وسيلة حكم، حتى فقدت القدرة على التمييز بين المناورة والحقيقة، وبين السياسة والأخلاق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..