
زكريا ادم علي عبدالرسول
في خطابه بمناسبة عيد الأضحى المبارك، طرح رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان دعوة جديدة لعقد مؤتمر حوار سوداني شامل، في خطوة أعادت إلى الواجهة سؤال التسوية السياسية ومستقبل الدولة السودانية في ظل الحرب المستمرة وتعقيدات المشهد الوطني.
الخطاب جاء محمّلاً برسائل متعددة، بعضها سياسي، وبعضها يحمل طابعاً معنوياً يرتبط بخصوصية المناسبة الدينية، حيث حاول البرهان أن يربط بين “العيد” بوصفه رمزاً للتسامح والتقارب، وبين الحاجة إلى حوار يفتح الباب أمام السودانيين للاتفاق حول مستقبل بلادهم.
لكن القراءة السياسية للخطاب لا تقف عند حدود الدعوة نفسها، بل تتجاوزها إلى توقيتها ودلالاتها.
فالسودان يعيش مرحلة شديدة الحساسية؛ حرب ممتدة، واقع إنساني مأساوي، انقسامات سياسية واجتماعية عميقة، وضغوط إقليمية ودولية تبحث عن أي نافذة يمكن أن تقود إلى تهدئة أو تسوية.
ومن هنا، فإن دعوة البرهان يمكن فهمها في عدة اتجاهات:
أولاً، تبدو الدعوة محاولة لإعادة تقديم المؤسسة الحاكمة باعتبارها منفتحة على الحلول السياسية، لا مكتفية بالخيار العسكري وحده.
وثانياً، تحمل مؤشراً إلى إدراك متزايد بأن الحرب مهما طالت لن تُنتج استقراراً دائماً دون مسار سياسي جامع.
أما ثالثاً، فهي محاولة لالتقاط المبادرة السياسية داخلياً، وإظهار أن أي تسوية مستقبلية يجب أن تمر عبر “حوار سوداني ـ سوداني” لا عبر إملاءات خارجية.
غير أن نجاح أي دعوة للحوار لا يرتبط فقط بإعلانها، وإنما بالبيئة التي تُحيط بها.
فالشارع السوداني الذي أنهكته الحرب، أصبح أكثر حذراً تجاه الخطابات السياسية، وأكثر ميلاً للحكم على المبادرات من خلال النتائج لا الشعارات.
كما أن التحدي الأكبر أمام أي مؤتمر حوار يتمثل في سؤال الثقة:
من سيشارك؟
وما هي الضمانات؟
وهل سيكون الحوار شاملاً بالفعل أم موجهاً ضمن سقوف سياسية محددة؟
وهل يمكن للحرب أن تتراجع لصالح طاولة السياسة، أم أن لغة السلاح ما تزال هي الأقوى على الأرض؟
اللافت أيضاً أن الخطاب حاول تقديم فكرة “الوحدة الوطنية” باعتبارها مخرجاً من الأزمة، وهي نقطة مهمة في ظل تصاعد خطابات الكراهية والانقسام والعنصرية خلال فترة الحرب. فالسودان اليوم لا يواجه فقط أزمة سلطة، بل يواجه كذلك أزمة تماسك اجتماعي تهدد فكرة الوطن نفسه.
إن الدعوة إلى الحوار، من حيث المبدأ، تظل خطوة إيجابية إذا ارتبطت بإرادة حقيقية لوقف الحرب وفتح المجال أمام توافق وطني واسع. لكن التاريخ السياسي السوداني يجعل الناس أكثر ميلاً للتريث، لأن البلاد شهدت عبر سنوات طويلة حوارات واتفاقات كثيرة، انتهى بعضها دون أن يحقق التحول المطلوب.
وبين رمزية العيد، ومرارة الحرب، تبقى دعوة البرهان أمام اختبار حقيقي:
هل تتحول إلى مشروع لإنقاذ السودان، أم تبقى مجرد خطاب سياسي عابر تبتلعه تعقيدات الواقع؟
الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة.
،،،سروري مع خالص تحياتي ،،،
وكل عام وانتم بخير ……….
[email protected]
كاتب ومحلل سياسي
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°



