وزارة التربية بالجزيرة… إدارة التعليم بالارتجال لا بالتخطيط

حسن عبد الرضي الشيخ
مرةً أخرى تؤكد وزارة التربية والتعليم بولاية الجزيرة أنها لا تدير العملية التعليمية وفق رؤية واضحة وخطة مدروسة، وإنما وفق ردود الأفعال والقرارات المرتجلة التي تُصدر اليوم ثم تُسحب غدًا، وكأن أمر التعليم ومستقبل مئات الآلاف من التلاميذ والطلاب حقل تجارب مفتوح لا تحكمه أسس التخطيط والإدارة الرشيدة.
فقد أعلنت الوزارة هذه الأيام تأجيل بداية العام الدراسي التعويضي إلى الرابع عشر من يونيو، بعد أن كانت قد أصدرت قرارًا سابقًا ببداية الدراسة في موعد آخر. واللافت أن مبررات التأجيل نفسها تكشف حجم الخلل الذي ظللنا نحذر منه منذ وقت مبكر. فالوزارة تقول إن التأجيل جاء استجابة لمناشدات أولياء الأمور، وإتاحةً للمزيد من الوقت لاستكمال تصحيح الامتحانات. وهنا يبرز السؤال البديهي: ألم تكن هذه الحقائق معلومة للوزارة قبل إصدار قرارها الأول؟ وهل اكتشفت فجأة أن التصحيح لم يكتمل؟ أم أنها لم تجرِ أصلًا أي تقدير واقعي للظروف قبل أن تعلن موعد الدراسة؟
إن الإدارة الرشيدة لا تقوم على إصدار القرارات ثم انتظار ردود الأفعال لمعرفة مدى قابليتها للتنفيذ. الإدارة الحقيقية تبدأ بدراسة الواقع أولًا، ثم إصدار القرار بناءً على معطيات دقيقة. أما أن يتحول القرار إلى مجرد إعلان تجريبي يُختبر على الناس، ثم يُعدل ويُلغى ويُستبدل بعد أيام، فذلك يبعث برسالة خطيرة مفادها أن المؤسسة نفسها لا تعرف على وجه اليقين ما الذي تفعله.
والأدهى من ذلك أن الوزارة تتحدث عن “تهيئة البيئة المناسبة لانطلاقة العام الدراسي”. وهذا حديث جميل في ظاهره، لكنه يصطدم بالواقع المرير الذي يعرفه كل معلم وولي أمر في ولاية الجزيرة. فأين هي البيئة المهيأة؟ وأين المعالجات الجادة لمشكلات المدارس؟ وأين الترتيبات الخاصة بالمعلمين الذين ما زالوا يرزحون تحت أوضاع معيشية بالغة القسوة؟ وأين الخطة الواضحة التي تضمن استقرار العام الدراسي وعدم تحوله إلى سلسلة جديدة من التأجيلات والارتباكات؟
لقد ظل كثيرون ينبهون منذ البداية إلى أن القرارات الصادرة من الوزارة لا تنطلق من قراءة حقيقية للواقع، وإنما من رغبة في صناعة انطباع إعلامي بأن الأمور تحت السيطرة. غير أن الواقع كان يكذب هذه الصورة كل مرة. وها هو الواقع يعود من جديد ليفرض كلمته، فتضطر الوزارة إلى التراجع عن قرارها السابق وسحبه عمليًا، وإن حاولت أن تقدم الأمر في صورة “استجابة لمناشدات أولياء الأمور”. والحقيقة أن المشكلة ليست في تأجيل الدراسة في حد ذاته. فالتأجيل قد يكون مطلوبًا إذا كانت الظروف لا تسمح ببداية جادة ومنظمة. المشكلة الحقيقية هي في إصدار قرارات غير مدروسة منذ البداية، ثم العودة للتراجع عنها بعد أن تُربك الأسر والمعلمين والإدارات المدرسية، وتزرع مزيدًا من الشك في قدرة الوزارة على إدارة الملف التعليمي بكفاءة.
إن التعليم ليس ساحة للاستعراض الإداري، ولا منصة لإطلاق التصريحات المتفائلة. إنه مسؤولية ضخمة تتعلق بمستقبل جيل كامل. ولذلك فإن ما تحتاجه ولاية الجزيرة اليوم ليس مزيدًا من البيانات الإنشائية والوعود العامة، وإنما قيادة تعليمية تمتلك الكفاءة والخبرة والقدرة على التخطيط الواقعي، فتقول ما تستطيع فعله، وتفعل ما تقوله.
أما استمرار سياسة القرارات المرتجلة والتراجعات المتكررة، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة وفقدان الثقة في المؤسسة التعليمية، وهي ثقة تضررت كثيرًا خلال السنوات الماضية، ولم تعد تحتمل مزيدًا من العبث والارتباك. إن الوقائع أصبحت تتحدث بنفسها، وكل قرار يُسحب بعد أيام من صدوره يضيف شاهدًا جديدًا على أن الأزمة ليست في المواطنين الذين يعترضون أو يناشدون، وإنما في طريقة إدارة الملف التعليمي نفسها.



