ثورة ديسمبر بريئة براءة الذئب من دم بن يعقوب..!

احمد بطران عبد القادر
هنالك أقلامٌ مأجورة وأصواتٌ موتورة تعمد إلى تزوير الواقع وترتكب مغالطة تاريخية وأخلاقية فادحة حين تربط ربطاً مباشراً بين ثورة ديسمبر 2018م والانهيار الإنساني والاقتصادي الذي يعصف بالسودان اليوم تنطلق هذه الأقلام بدافع تغبيش الوعي وتكذيب الحقيقة لتزعم أن الثورة هي من فجّر أزمة الدولة السودانية وهذا ادعاءٌ باطل ومغالطة منهجية مغرضة تتجاهل عن عمد جذور الأزمة البنيوية الممتدة لعقود والتي رسّخها نظام الإنقاذ بسلطته الاستبدادية التي كانت الفاعل الأبرز في إفشال المرحلة الانتقالية تلك المرحلة التي كان المأمول منها أن تؤسس لعهد مدني جديد يستأنف مسار الحياة الدستورية وفق ( دستور التأسيس ) الذي قُضي عليه بانقلاب العسكر في نوفمبر 1958م
لا يجادل عاقل في فداحة الكلفة الإنسانية للحرب التي اندلعت في١٥ أبريل 2023م آلاف القتلى والجرحى من الأبرياء وتدمير ممنهج للحياة المدنية وأعمق كارثة إنسانية يشهدها العالم المعاصر من نزوح ولجوء لملايين السودانيين داخل الوطن وخارجه وانهيار شبه كامل للبنية التحتية والقطاع الصحي والاقتصاد الكلي
لكن الربط السببي المباشر بين ( ثورة ديسمبر 2018م ) وهذه المآلات هو خطأ مقصود في الاستدلال يتحاشى الطعن في ( الفيل) ويكتفي بطعن ( ظله ) إنه هروب من مساءلة الفاعل الحقيقي وتحميل الضحية وزر الجلاد
اندلعت ثورة ديسمبر 2018 ضد نظام حكم شمولي متجبر حكم 30 عاماً وانتهى إلى خرابٍ شامل في كافة مناحي الحياة
– اقتصاد منهار وتضخم مفرط وعجز عن توفير أبسط مقومات الحياة الكريمة
– عزلة دولية خانقة وديون متراكمة
– حروب أهلية مزمنة وإبادات جماعية وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان شوّهت صورة السودان أمام العالم
تحت حكم هذا النظام السلطوي تحوّلت الدولة إلى سلطة شمولية قابضة تتحكم فيها أجهزة أمنية قمعية وفساد مؤسسي محمي بأوامر السلطان أما علاقاته الخارجية فلم تراعِ مصلحة الوطن بل نفّذت أجندة قوى ظلامية عملت على تقسيم الدولة وإذلال شعبها وحصاره بسلاح الجوع والمنع من أي سبيل للنهضة والتغيير
الحرب الحالية ليست إفرازاً للحراك المدني السلمي الذي نادى بدولة العدل والحرية والحقوق والمواطنة والكرامة بل هي محصلة لصراعٍ سلطوي بائس بين قوى معادية للثورة ومشروع التغيير. لجأت هذه القوى المهيمنة على أدوات العنف في الدولة إلى السلاح لحسم صراعها في أقصر وقت مستندة إلى دعمٍ خارجي من قوى لها مصلحة في تقسيم السودان وتفتيت وحدته
هذه القوى المتصارعة سيطرت على السلاح واعتمدت منهج العنف بعد أن تم إنتاجها وتقويتها قبل الثورة وخلال الفترة الانتقالية بمعاونة بقايا النظام البائد لذا فإن التفسير العلمي الدقيق للدمار الراهن هو العمل الممنهج لإفشال إدارة الانتقال الديمقراطي ورفض تفكيك بنية الاستبداد والسلطة العسكرية الأمنية القابضة التي كانت للميليشيات الكلمة العليا فيها هذه القوى الظلامية هي من غلّبت منطق الصراع على السلطة على منطق بناء الدولة واستكمال مشروع التغيير وإقامة دولة مدنية ديمقراطية راشدة
التنافس الإقليمي والدولي على السودان ليس وليد الثورة بل ظاهرة تاريخية قديمة ازدادت حدة بفعل الموقع الاستراتيجي على البحر الأحمر والثروات من الذهب واليورانيوم والمعادن الثورة لم تخترع هذا التنافس المحموم على موارد السودان بل كشفته للعلن وحاولت التحرر منه
فقد بلغ هذا التنافس ذروته في عهد نظام البشير الانقلابي الذي تناوب على التحالف مع محاور متضادة مثلا السعودية والإمارات و قطر وتركيا و إيران ومن ثم التطبيع مع إسرائيل في المقابل كان الشعار المركزي للثوار هو ( سيادة وطنية خالصة وقرار سياسي مستقل ) أي محاولة جادة للخروج من دائرة التبعية المحورية وعليه فإن تحميل الثورة وزر التنافس المحوري هو قلبٌ فاضح للأسباب والنتائج
أما الاستشهاد بأثر الحسن البصري الفتنة إذا أقبلت… فهو استشهاد خارج سياقه كان العلماء الأوائل يحذرون من الفتنة بمعنى الخروج المسلح العشوائي على السلطان الذي يجر إلى إراقة الدماء وازهاق الأرواح بلا مشروع سياسي بديل ولا ضوابط شرعية
لكن ثورة ديسمبر كانت أنموذجاً فريداً للحراك السلمي المدني المنضبط رفع شعاراً سياسياً واضحاً هو حرية و سلام وعدالة واستمرت سنة كاملة سلمية حتى بلوغ غايتها بإسقاط نظام الإنقاذ الشمولي المستبد في 11 أبريل 2019م
وبإعمال المنطق المقاصدي ذاته الذي استشهد به البعض ورد الحجة عليهم فإن العلماء كانوا سيحذرون من كسر المسار الانتقالي المدني الديمقراطي بالانقلاب العسكري في 25 أكتوبر 2021م ومن تغليب السلاح على السياسة في 15 أبريل 2023م
فالفتنة الحقيقية بدأت بانقلاب على المسار المدني وليس ببداية الحراك الثوري السلمي الذي أسقط دكتاتورية متمكنة هتكت النسيج الاجتماعي وأثارت الفتن والمؤامرات بين مكونات شعبنا المحب للحرية متدثرة بثوب الإسلام والإسلام منها براء
ثورة ديسمبر لم تكن سبب الأزمة بل كانت محاولة جراحية لاستئصال المرض المزمن الذي أنهك الدولة السودانية و من يحمّل الثورة وزر الدمار إنما يحاول تبرئة الاستبداد وإعادة إنتاج ذات الدائرة التي أوصلتنا إلى الهاوية
إن التاريخ لا يرحم من يزوّر وقائعه والشعوب لا تنسى من يبيعها الوهم فثورة ديسمبر لم تكن بداية الخراب لكنها كانت صرخة الميلاد ضد خرابٍ استدام ثلاثين عاماً ومن يحاول اليوم أن يلصق بالثورة تهمة الدمار إنما يريد أن يبرئ ساحة الجلاد ويعيد إنتاج ذات الاستبداد بثوبٍ جديد فالسودان لن ينهض بجلد أبنائه الذين خرجوا سلماً يطلبون العدل بل بمحاكمة من أشعلوا الحرب وأجهضوا الحلم فالحق أبلج والباطل لجلج وسيكتب التاريخ أن الذين قالوا حرية و سلام و عدالة كانوا أطباء الأمة و ليس داءها.
[email protected]



