
أثار مقال د. الوليد آدم مادبو ( تراتيل على فوهة البندقية ) جدلاً واسعاً بتشخيصه استغلال الحرب بوصفها آليةً لإعادة رسم الخريطة السكانية وإحداث تغيير ديمغرافي في البلاد بالاتكاء على الثقل السكاني كمياً ونوعياً في آنٍ معاً في سودان ما بعد الحرب هذا التشخيص جدير بالدراسة والتحليل لما ينطوي عليه من خطورة بالغة على مسار المشهد السياسي ومستقبل البلاد التي تعيش مخاض حقيقي لميلاد جديد كان ينبغي أن تكون اطروحة الوليد مغايرة لذلك علي علي ما يبدو قد انخرط في الصراع وانغمس في براسنه
يزعم الوليد مادبو أن ابناء الهامش يُدفع بهم إلى صراع لا يتحمل كلفته مركز السلطة وهذه جرأة تحسب له اذا استطعنا أن نفرق بين الهامش والمركز في بلاد بفضل الدكتاتوريات صارت كل اجزائها مهمشة وعاصمتها الأكثر تهميشا من بين ولايات السودان فجدلية الهامش والمركز تحتاج لدراسة أعمق من أبناء الهامش الحقيقيين الذين فقدوا بيئة النشأة ونزحوا بفضل الحروب وعوار السلطة وليسوا النخبويين المصنوعين لتقوية نفوذهم في مركز السلطة باسم الهامش والسودان بكامله أصبح مهمشا اقليميا ودوليا رغم موقعه الاستراتيجي والجغرافي وثرواته العملاقة لكن الوليد مادبو يشخص هذا لينفذ الي الدعوة الضمنية او الصريحة احيانا للتخلي عن العقل الوعظي والحسم الأخلاقي لبطئه واحتمالات ورود الهزيمة من خلاله وخطابه هنا موجه للدعم السريع بالطبع تحديدا لأن هذا هو الطرف الذي يناصره ويميل إليه
ويدعم الوليد مادبو فكرته في التخلي عن الأخلاق بنموذج هيروشيما وناغازاكي و هنا يتحول الوليد من مفكر أو محلل سياسي الي داعية للعنف يمنح أنصاره تبرير أخلاقي لاستخدام العنف المطلق بلا سقف اخلاقي وهو بذلك يمنح كل أطراف الصراع مبرراً كافياً لانتهاك الحقوق وسفك دماء المدنيين بدمٍ بارد وهذه نقطة يجب الوقوف عندها بحزم وتحميل الكاتب اتساع دوائر العنف
والسيد مادبو لا يكتفي بتبرير العنف ولكن يوفر له أسباب الاستمرار والبقاء ويخلق له حواضن اجتماعية ليتم استخدامها لاحقا وقودا في الصراع لاستمرار حتي يحقق مراميه في افناء وإبادة الاخر وذلك من خلال ثنائيته المزعومة ( شمالٌ يحكم ولا يموت مقابل هامشٍ يُدفع إلى الموت ) وهذه مقولة يُكذّبها الواقع تاريخياً وديمغرافياً فلم تسلم رقعة من أرجاء وطننا المختلفة من ويلات الحروب منذ معارك كرري إلى اليوم وقد دفع مواطنو الشمال والوسط والشرق والغرب والجنوب القديم والجنوب الجديد ثمن التجنيد القسري والطوعي والموت المجاني علي السواء غير ان السلطة في بلادنا كانت دوماً سلطة نخبوية فاسدة ومستبدة يتقاسمها العسكر والمدنيون المنحدرون من شتى أقاليم السودان وليست سلطة جهوية خالصة وقد نالت أسرته حظها منها قديما وحديثا
أما الكارثة الكبري تبدو واضحة في ماذهب إليه من تصنيف السودانيين إلى ( من يُقتل و من يقرر ) على أساس جغرافي هو تصنيف خبيث لإعادة إنتاج لذات منطق الدولة الشمولية المستبدة التي يزعم الكاتب انه ينتقدها وهو مفتون بعقلها السلطوي البغيض المستبد حيث يفهمها علي أنها تربط المواطنة بالولاء الجهوي القبلي وهو يسير علي ذات خطاها الحافر بالحافر والنعل بالنعل وهذا تناقض غريب في شخصية الوليد فلا يمكن هدم هذا البناء ببناء جهوي مضاد
والمعركة الحقيقية ليست بين شمال و هامش ( فالشمال مثل بقية اقاليم السودان حتي اليوم لم يخرج من دائرة التهميش بمعناه الحقيقي ) بل بين قوي تفضل منطق الدولة وفق تعريفات القانون الدولي والإنساني – القائم على مسؤولية حماية الأمن والاستقرار والحقوق والرعاية والالتزام بالقانون والوفاء بالعهود الدولية – وبين من يسندون منطق الميليشيا القائم على حالة اللادولة والإفراط في العنف وخرق القانون الدولي والإنساني
غير أن الوليد يعلم أن بالجيش مقاتلون من دارفور والنيل الأزرق وجبال النوبة وفي الدعم السريع قيادات من الوسط والشمال فهل يريد الوليد بمزاعمه هذه أن يخدم السلطة المستبدة التي يزعم انه يريد هدمها بلا سقوف أخلاقية حتي يحسم الصراع في اعجل ما تيسر؟
أما وقوع الوليد في فخ جريمة هيروشيما وتقديسه للعنف بمنطق الإبادة الجماعية تعتبر أخطر فقرات المقال حيث الاستشهاد بالقنبلة النووية حجةً لحسم الصراع بأي ثمن مع التباس الامر عليه حيث يبدو عدم إدراكه لطبيعة الصراع في السودان فهو صراع أهلي متداخل لأن العدو هنا أخيك او جارك او ابن عمك أما في اليابان فكانت حرب بين دولتين واستخدام القنبلة النووية فعلٌ مدانٌ بكل القيم الإنسانية التي عرفتها الحضارة العريقة والمعاصرة عانت منه البشرية ولا تزال تعاني تبعاته حتى اليوم وما انهي اليابان حتما سيفتت السودان
والوليد بعقله السلطوي لا اعتقد انه يدرى ان الحسم الأمني بلا أخلاق الذي يدعو له قد طبقه البشير في دارفور وجبال النوبة بأيادي الدعم السريع التي يواليها السيد مادبو وهي ذات الأيدي الآثمة التي يتودد إليها اليوم ويرشدها إلى طريق العنف واللا أخلاق
العنف يولد عنف والافراط فيه جريمة حرب ولا يحقق سلام بل قد يؤدي الي تفكيك الدولة ذات نفسها وخلق جيل جديد همه الثأر لا العدل ومنهجه العنف لا السلمية فالقوة المفرطة في الحروب الأهلية لا تحسمها بل تؤجلها لعقد قادم بثمن دموي أعلى
فالقوة العسكرية بلا إطار أخلاقي وقانوني تتحول إلى جريمة حرب والفرق الجوهري بين الدولة والميليشيا أن الأولى تقاتل وهي مقيدة بالقانون الدولي والإنساني والثانية تقاتل بلا قيود ولا سقوف أخلاقية
ينتقد مادبو داعية العنف والحسم بلا أخلاق تردد قيادة الدعم السريع ويطالبه بالتخلي عن العقل الوعظي وهنا كأنه يريد أن يستغفلنا وهو يعلم علم اليقين أنه لا يوجد رصيد أخلاقي لدى الدعم السريع ( الجنجويد ) ليتخلى عنه إطلاقا
فقد وثّقت تقارير أممية ومحلية متعددة جرائمه منذ فض اعتصام القيادة في 2019م وحتى حرب 2023م و وقد شملت القتل الجماعي في القرى والأرياف والعنف الجنسي ومعسكرات الاغتصاب و بيع النساء والفتيات كأنهم رقيق وحصار المدن وتجويع المواطنين وقهرهم والإخفاء القسري والتهجير ونهب الممتلكات والتصرف فيها بوصفها أنها غنائم
وعليه فإن المعضلة ليست في تردد أخلاقي بل في غياب روح المسؤولية والتخلّق بأخلاق الدولة وقيم الديمقراطية وثقافتها التي يزعم انه يقاتل لجلبها هذه الممارسات الفاشية هي التي أضعفت قدرته على الحسم واهدرت فرصه في النصر وبالتالي أي دعوة إلى الحسم بلا أخلاق لن تجلب نصراً بل ستوسّع الدائرة الدموية وتكرر دائرة الإفلات من العقاب والتي لن يسمح شعبنا بها فقد تجاوزت أطراف الصراع حد المعقول في الانتهاكات والجرائم الغريبة عن مجتمعاتنا ومورثاتنا الثقافية والاجتماعية وحتي الدينية
والوليد حتي يستغفلنا أكثر ويسد الآفاق أمام اي حلول تجانب منطقه يحصر إنهاء الصراع في ( حسم عنيف أو تردد وعظي ) و هذه ثنائية زائفة تتجاهل الخيارات الاخري مثل الحسم المنضبط الذي انتهجته القوات المسلحة ضغط عسكري واسع النطاق استطاع إخراج الدعم السريع من ولايات كثيرة سنار والجزيرة والخرطوم الخ مما شكل حماية للمدنيين رغم وجود تجاوزات خطيرة يندى لها الجبين كذلك هنالك مسار التفاوض السياسي الجاد والذي تعززه حرب المسيرات حيث لم تعد السيطرة علي الأرض كافية لفرض الشروط علي أن تلتزم فيه كل الأطراف بالعدالة الانتقالية ثم التوافق علي مشروع جامع لإعادة بناء الدولة السودانية أسس العدل والحرية والسلام
فيا دكتور وليد الحسم الأخلاقي ليس ضعفاً بل هو تعريف الدولة الحديثة إذا تخلى أي طرف عن الأخلاق كما تطلب في مقالك هذا فبأي حجة بعدها ستطالب بدولة مدنية؟ الميليشيا التي تقتل مدنييها لتثبت قوتها تخسر شرعية الحكم قبل أن تصل إليه
والأزمة الحقيقية ليست أخلاقية حتي ندعو المليشيا للالتزام الأخلاقي أو مجافاته وغض الطرف عنه لكنها أزمة سياسية حقيقية تتمثل في غياب مشروع وطني واضح يتجاوز شعار إسقاط الخصم أو العدو واستمرار الارتهان لمراكز قرار خارجية وعدم تفكيك البنية القبلية داخل التشكيلات العسكرية فالقوة العسكرية بدون مشروع دولة مدنية ديمقراطية ستكرر تجربة ( الإنقاذ ) لان اي انتصار عسكري بلا سقوف أخلاقية وقيم اجتماعية معقولة ومقبولة يتحول إلى استبداد جديد فقد دفع الشعب السوداني ثمن “الحسم بلا أخلاق 30 عاماً من الإقصاء والاستبداد والنتيجة كانت خراباً شاملاً لقيم وثوابت ومرتكزات الدولة السودانية التي نشأت مدنية ديمقراطية انحرفوا بها عن مسار إكمال مهام الاستقلال و مشروع التأسيس في الدستور الدائم
ولئن كانت الحرب العبثية التي يدور رحاها في بلادنا من أجل البقاء فإن الالتزام بالقيم الأخلاقية من شروط الانتصار فيها علما بأن شعبنا مل من الحروب الأهلية و أصبحت شهيته لا تستصيغها فكان الجدير بوليد مادبو أن يكون داعية سلام وأن يتبني تأسيس تحالف ضد الحرب عابر للصراعات منتصر لقيم العدل والحرية والحقوق والمواطنة والكرامة الإنسانية يحافظ علي وحدة البلاد أرضا وشعبا فالسودان لن يحكم بسلاح احد الطرفين وأن انتصر عسكريا علي الآخر السودان سيحكمه جيل جديد مؤمن بالحرية والعدل ملتزم بالديموقراطية ممسك لمعاول الهدم والبناء سيهدم كل معوقات النهضة والبقاء متحدا ويبني صروح المجد عاليا ترفرف فيها اعلام السلام فالدول لا تُصان بالمواعظ والخطب و لا تُبنى بالعنف والمجازر تتقيد بالأخلاق التي تمنحها شرعية البقاء والانتصار
فيا عزيزي وليد المطلوب الآن وقف استهداف المدنيين و فتح مسارات الإغاثة والالتزام بالقانون الدولي الإنساني والسعي الي السلام والتفاوض بجدية وتقديم مشروع دولة مدنية ديمقراطية بعد الحرب لا مشروع انتقام ما بعد النصر



