مقالات وآراء

العلم والإيمان: هل يلتقيان؟

طلعت محمد الطيب

رفض الإمام الغزالي في كتاب تهافت الفلاسفة فكرة الضرورة السببية كما قال بها الفلاسفة المسلمون، مثل ابن سينا والفارابي، واعتمد بدلاً منها على مفهوم “الاقتران بالعادة”. ويمكن تلخيص موقفه في ثلاث نقاط رئيسية:
الله هو الفاعل الحقيقي الوحيد في الكون، أما ما نراه من أسباب ومسببات فليس سوى اقتران يخلقه الله باستمرار.
العلاقة بين السبب والنتيجة ليست ضرورية في ذاتها، إذ يستطيع الله أن يخلق الاحتراق دون نار أو الشبع دون طعام.
انتظام الظواهر الطبيعية يرجع إلى “عادة إلهية” جرت بها السنن الكونية، وليس إلى قوى ذاتية كامنة في الأشياء.
وقد أثارت هذه النظرية جدلاً واسعاً، كان أبرز ردودها ما قدمه الفيلسوف ابن رشد في كتاب تهافت التهافت، حيث دافع عن مبدأ السببية ورأى أن إنكارها يقوض أسس المعرفة العلمية ويجعل انتظام الكون أمراً غير قابل للفهم.
ومع كامل الاحترام والتقدير لمساهمة الشهيد محمود محمد طه في نقل وإحياء جانب مهم من التراث الصوفي الإسلامي، فإن تأويل بعض المعجزات القرآنية باعتبارها دليلاً على انتفاء العلاقة السببية يثير إشكالاً معرفياً يتمثل في الخلط بين مجال الإيمان ومجال العلم.
فالإيمان يطرح أسئلة من قبيل: لماذا خلق الكون؟ ولماذا وُجد الإنسان؟ وهي أسئلة تتعلق بالمعنى والغاية والقيمة. أما العلم فينشغل بأسئلة مختلفة: كيف نشأ الكون؟ وكيف تعمل الظواهر الطبيعية؟ وما الآليات التي تحكمها؟ ولذلك يعتمد العلم على مبدأ السببية وقابلية الظواهر للملاحظة والاختبار والتفسير.
وعندما يحاول العلم الإجابة عن سؤال “لماذا” بالمعنى الغائي أو النهائي، فإنه يتجاوز مجاله الطبيعي. وفي المقابل، عندما يحاول الإيمان تقديم إجابات تفصيلية عن “كيف” تعمل الطبيعة، فإنه يدخل مجالاً هو من اختصاص البحث العلمي.
ويُستشهد أحياناً بموقف ألبرت أينشتاين الذي أعلن رفضه لفكرة الإله الشخصي في الديانات الإبراهيمية، وتحدث بدلاً من ذلك عن إعجابه بالنظام الكامن في الطبيعة، وهو موقف قريب مما عُرف تاريخياً بإله الفيلسوف باروخ سبينوزا. غير أن أينشتاين نفسه دخل في خلاف شهير مع رواد ميكانيكا الكم، إذ لم يتقبل الطبيعة الاحتمالية للعالم الذري، معبراً عن ذلك بعبارته الشهيرة: “إن الله لا يلعب النرد”.
لكن تطور فيزياء الكم أظهر أن كثيراً من الظواهر على المستوى الذري لا يمكن وصفها بالحتمية الكلاسيكية التي تصورها نيوتن وأينشتاين. وتجربة الشقين المزدوجين تعد من أشهر الأمثلة على ذلك، حيث تُظهر الجسيمات المجهرية سلوكاً موجياً واحتمالياً لا ينسجم مع التصورات التقليدية للسببية الميكانيكية.
ومع ذلك، لا تعني ميكانيكا الكم غياب القوانين أو انتفاء السببية، بل تعني أن القوانين نفسها تأخذ شكلاً احتمالياً بدلاً من الشكل الحتمي الذي ساد في الفيزياء الكلاسيكية.
الإيمان يمنح الإنسان شعوراً بالمعنى والطمأنينة، ويجيب عن أسئلة الوجود الكبرى. أما العلم فيوفر أدوات لفهم العالم الطبيعي واختبار الفرضيات وتصحيح الأخطاء. والمشكلة لا تنشأ من وجود الإيمان أو العلم، بل من الخلط بين المجالين ومحاولة أحدهما القيام بوظيفة الآخر.
إن تاريخ الحضارة الإنسانية يشير إلى أن التقدم العلمي يبدأ من الشك المنهجي والسؤال المستمر والتحقق من الادعاءات، بينما يقوم الإيمان على اليقين والثقة في معانٍ تتجاوز حدود الاختبار التجريبي. ولهذا فإن العلاقة الصحية بينهما ليست علاقة صراع أو تطابق كامل، بل علاقة تمييز بين مجالين مختلفين من مجالات المعرفة الإنسانية.
طلعت محمد الطيب
ملاحظة فلسفية: كثير من فلاسفة العلم المعاصرين لا يرون أن الإيمان بالضرورة يغلق باب العلم. فعدد كبير من مؤسسي العلم الحديث كانوا مؤمنين، لكنهم فصلوا بين التفسير الديني للمعنى والغاية وبين التفسير العلمي للظواهر الطبيعية. لذا فإن النقاش الحقيقي ربما لا يكون بين “العلم والإيمان”، بل بين التفسير العلمي والتفسير غير العلمي للظواهر الطبيعية.

طلعت محمد الطيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..