مقالات وآراء

الهوية الرقمية، خطورة عالية في غياب الحوكمة الرشيدة ٢

عمار قاسم حمودة

في حرب الابادة في رواندا، في حالة تفتيش أي فرد، أو في نقاط العبور، كان يكفي فقط النظر إلى خانة (العرق) في بطاقة الهوية، ومن ثم تحديد مصير الشخص بالقتل أو العبور! بما يعني أنه يحمل وثيقة (إدانة) ربما تؤدي به للموت رغما عنه وبغض النظر عن موقفه من الحرب. كان ذلك أيام الهوية المطبوعة على الورق المقوى أو البلاستيك، أما الآن وفي زمن الرقمنة والمعاملات عبر الجوال الذكي فإن التهديد تحول ليكون محمولا على الجوال. فعندما تتحول الهوية الرقمية نفسها إلى مجال تصنيف في أزمنة الحرب، يصبح وجود التطبيق على هواتف المواطنين أمرا مكلفا عند التنقل بين أناكن سيطرة طرفي الحرب، أو في حال تبادل السيطرة على منطقة ما.

فالأحوط مسح التطبيق في مثل تلك الحالات على غرار مسح التطبيقات البنكية عند التنقل أو حالات تبادل السيطرة. هذا في الجانب الفيزيائي البسيط، أما في حال ربط الهوية الرقمية بالتطبيقات الاخرى – وأهمها التطبيقات البنكية ومعاملات التجارة من تسجيل وتداول عقارات – فإن الأمر يجعل المستخدم تحت رحمة من يصادق على هذه المعاملات والذي قد يصنف الفرد تبعا للمنطقة التي يستعمل فيها التطبيق ويقرر ما إذا كان مسموحا له بالخدمة أو هو محظور عن الخدمة. وربما يمتد الحظر ليشمل منطقة كاملة جغرافيا! هذا طبعا إضافة لإمكانية إعداد قوائم لأفراد، بناء على موقفهم السياسي. حدث مثل ذلك قريبا في سوريا من نظام بشار الأسد ولم يتمكن كثيرون من إثبات ملكياتهم لعقاراتهم أو حتى وصولهم للسجلات المدنية من شهادات ميلاد وشهادات مدرسية أو جامعية أو غيرها. وما حدث في سوريا يحدث ايضا بطرق مشابهة في ميانمار وأوكرانيا كمناطق تشهد نزاعات أو سيطرة حكومات عسكرية.

موضوع الهوية الرقمية في حد ذاته ليس أمرا سيئا، بل هو من مطلوبات الدخول في عالم الرقمنة والتحول الرقمي، وهي في ذلك شأنها شأن الخدمات التي بدأت تزحف نحو الرقمنة لتكون بديلا عمليا لتسهيل التعاملات المالية وحركة البيع والشراء بموثوقية معقولة. ولكن تكمن الخطورة في أن تصبح الساحة الرقمية ميدانا للصراع العسكري والصراع التجاري المؤذي للطرف الذي لا يكون متحكما في عمليات المصادقة الرقمية. وما يزيد الوساوس في سوء استعمال الخدمات المدنية هو ظهور مصطلح وكيان (وكالة أو هيئة الأمن السيبراني السودانية) والتي تجعل المواطنون يتوجسون بسبب كلمة (الأمن) والتي تعني في الغالب أمن النظام وليس أمن المواطنين.

بالرغم من التبعية الادارية لهذه الهيئة أو الوكالة لوزارة التحول الرقمي، الا أن ما تحمله من إمكانيات التحكم يجعلها تتقاطع مباشرة مع مهام جهز الأمن والمخابرات والاستخبارات العسكرية، خصوصا في أزمنة الحرب. في السابق وقبل وجود حرب كالتي تدور الآن فإن جهاز الأمن كان يحرص على وجوده بصورة فعالة داخل الهيئة القومية للاتصالات وداخل شركات الاتصالات نفسها بصورة مباشرة. من الواضح أن البوابة الالكترونية المزمع العمل بها ستكون بالأساس هي المدخل الذي يتحكم فيه (ضابط الأمن السيبراني) وعندها سيكون المواطن مكشوفا تماما في كل معاملاته ويسهل التحكم بكل يسر في حجب الخدمات عنه أو اتاحتها بناء على التصنيف العسكري و(الأمني). السودانيون الذين عاشوا في دول تستعمل البوابات الحكومية لضبط الخدمات يعلمون تماما كيف أن الجهات التي تتحكم في المصادقة الرقمية على المعاملات الحكومية قادرة على التحكم التام في السماح أو عدم السماح في انجاز المعاملات التجارية منها والخدمية، وكيف أنه يتم ربط الخدمات بالوضع القانوني، بل ربما امتد الأمر حتى لعدم القدرة على تنزيل كارت رصيد خدمات الاتصال العادي! هذه القدرة العالية، وفي وجود حالة حرب داخلية في السودان، تجعل من الهوية الرقمية سلاحا بالغ التأثير، وتؤثر بشكل مباشر في ترسيخ حالة الانفصال الذي هو حاصل كأمر واقع الآن.

الهوية الرقمية إذا نظرنا لها بتجرد تقني فهي وسيلة ممتازة لاستبدال الوثائق الثبوتية وبالأخص المتعلقة بالسجل المدني للمواطنين، وهي تمثل (البطاقة القومية، وجواز السفر، والرقم الوطني، وغيرها) لكن في صورة رقمية داخل الهاتف الذكي. وتكون عادة محمية بمستويات أمن سيبراني عالية، ويتم ربطها مع المستخدم عبر بصمة العين او الوجه او حتى بصمة الإصبع مع امكانية طلب رمز سري يتم ارساله في هاتفك كرسالة نصية. تمكن هذه الخدمة المواطنين من استعادة وثائقهم المدنية التي فقدوها في الحرب. والأهم انها ستستخدم كمدخل للتمنع باستعمال الخدمات المصرفية مثل تطبيقي (بنكك) و(فوري). كما يمكن استعمالها لتلقي المساعدات الانسانية وتوزيع الاعانات بصورة عادلة ودون تكرار عند اعتماد الإغاثة الطارئة عبر الدعم المالي المباشر عبر الهواتف الذكية.
مربط الفرس وخطورة الأمر تتجلى تماما في سؤال واحد أساسي، وهو هل تمثل (وكالة الأمن السيبراني السودانية) – المشرف الفعلي على مشروع الهوية الرقمية وبوابتها SudaPass – جهة محايدة تجاه كل السودانيين أم هي أداة بيد أحد طرفي النزاع؟ والإجابة هنا تعطي نتيجتين مختلفتين جدا جدا.
فاذا كانت الاجابة بحيادها، فإن ذلك يجعل الهوية الرقمية السودانية تمثل طوق نجاة لعموم أهل السودان وربما تكون بداية للتعافي الوطني. فإذا تمت حوكمة هذه المنظومة برعاية أو رقابة تقنية من منظمات دولية (مثل الأمم المتحدة) لضمان شموليتها، فسوف تكون أداة عابرة لخطوط القتال تضمن لكل سوداني حقه في الهوية والمال والإغاثة بغض النظر عن موقعه الجغرافي.

وإذا كانت الاجابة بكونها أداة بيد أحد طرفي النزاع، فإن الهوية الرقمية السودانية ستكون ميدان صراعٍ مالي وربما ميدانا يتم فيه تجريد الخصوم من ممتلكاتهم في حال حصر المنظومة جغرافياً أو سياسياً لخدمة مناطق سيطرة طرف واحد، أو إذا استخدمت لـ “فلترة وتصنيف” المواطنين وحرمان سكان المناطق الخاضعة لسيطرة الطرف الآخر من حقوقهم المدنية والمالية. وهي بذلك ستتحول إلى أداة “تقسيم ناعم” للسودان، تكرس لوجود حكومتين وجهازين إداريين، وتدفع نحو الانفصال الفعلي.

تثبت التجارب الدولية أن “التكنولوجيا ليست محايدة في أوقات الحروب”؛ فالجهة التي تسيطر على الخادم الرئيسي (Server) وقاعدة البيانات البيومترية تمتلك سلطة “الإعدام المدني” لخصومها عبر ضغطة زر واحدة (حظر حساب بنكي، إلغاء صلاحية جواز السفر، أو تصنيف منطقة بأكملها كمنطقة متمردة رقمياً).
السلطة الممنوحة ل (وكالة الأمن السيبراني السودانية) تمكنها من تجميد حساب الهوية الرقمية الخاص بمواطن معين (بسبب تصنيفه كمعارض، أو للاشتباه في انتمائه للطرف الآخر، أو لمجرد وجوده في منطقة قتال)، وبالتالي فإن نظام البنك سيعتبر هذا المستخدم “مجهول الهوية” أو “غير موثق”. تلقائياً، ستتوقف التطبيقات البنكية عن العمل ولن يتمكن من تحويل أو استقبال أي أموال. وربما زادت الأمر سوءا وجعلت الحظر جغرافيا بأن يربط النظام حظر تفعيل الهوية الرقمية أو تصديق المعاملات البنكية بناءً على الموقع الجغرافي (GPS) أو عنوان الـ IP عبر برمجة النظام بحيث يمنع أي محاولة لتسجيل الدخول أو التحقق من الهوية إذا كانت صادرة من أبراج اتصالات تقع في مناطق سيطرة الطرف الآخر. نتيجة لذلك، يتوقف تطبيق البنك فوراً عن العمل لدى جميع السكان في تلك المناطق.
هناك تفاصيل تقنية أرى انها ضرورية لفهم خطورة الموضوع. اهم ما فيها هو الطريقة التقنية التي يعمل بها مشروع الهوية الرقمية. يعتمد النظام بشكل أساسي على نوعين من المداخل، اولهما والأكثر شمولا هو التسجيل عبر مسار الرقم الوطني، وهذا هو المسار الذي سيكون أكثر شيوعا وأقل تعقيدا، لكنه يضع كامل السجل المدني وتصنيفاته الداخلية مثل مكان الميلاد ومكان الاصدار تحت تصرف الوكالة مما يتيح لها إمكانية (العزل المدني الرقمي) تبعا للتصنيف حسب الاقليم او الولاية.

المسار الثاني هو عبر امتلاك جواز سفر إلكتروني ساري المفعول (وضع خطا تحت “ساري المفعول”) وهاتف حديث يدعم (تقنية الاتصال قريب المدى) الـ NFC Near Field Communication التي تعمل كالآتي:

جواز السفر السوداني الإلكتروني يحتوي على شريحة ذكية مخفية (Microchip) داخل غلافه. هذه الشريحة مخزن عليها كافة بياناتك الحيوية (الصورة الشخصية الرسمية، الاسم الكامل، بصمات الأصابع، ورقم الجواز). عندما تفتح تطبيق الهوية الرقمية على هاتفك، يطلب منك التطبيق لصق الهاتف بظهر جواز السفر؛ في هذه اللحظة تعمل تقنية (الاتصال قريب المدى) في هاتفك كـ “قارئ لاسلكي” يقوم بسحب البيانات المشفرة والموثوقة من شريحة الجواز مباشرة وتحميلها في التطبيق، دون أي تدخل بشري أو كتابة يدوية، مما يضمن للنظام أن الجواز حقيقي وموجود بالفعل في يد صاحبه، وليس مجرد صورة فوتوغرافية أو وثيقة مزورة.
عند التسجيل عبر هذا المسار، فإن التحكم في سريان جواز السفر او الغائه في قاعدة البيانات، يمثل خاصرة رخوة يمكن من خلالها عزل المستخدم عن الخدمات المالية وغيرها، لأنه وفي حالة إبطال أي جواز سفر أو عدم تجديده فإن صاحبه سيكون تلقائيا خارج المنظومة وما يمر عبرها من خدمات مصرفية وغيرها.
جدير بالذكر أنه وخلال هذه الحرب تم التعامل مع الاوراق الثبوتية وخاصة جوازات السفر بتعسف تجاه المعارضين السياسيين. وهناك حديث عن قوائم حظر كبيرة وكثيرة لمدنيين بشبهات حول انتمائهم الجغرافي وانتمائهم السياسي. كل ذلك كان في إطار اكتساب الشرعية المفقودة لطرفي الحرب، وموضوع التعسف في عدم اصدار جوازات للمعارضين ما هي الا استعراض لإمكانية الحاق الضرر والتدليل على السيطرة الرقمية على السجل المدني السوداني. الآن دخول سوداباس SudaPass على الخط يزيد من توسيع الحرمان ليشمل ميادين جديدة أهمها موضوع الخدمات المصرفية واثبات ملكية العقارات والشركات وأمثالها في الجانب المدني.

*خبير ومهندس في مجال الاتصالات وتقانة المعلومات
[email protected]

تعليق واحد

  1. يجب هنا ان تسن قوانين تكفل الحفاظ على حقوق المواطن مثل تقديم شكوى الى جهات محددة في حال تضرر أحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..