القاعدة العسكرية الروسية فى بورتسودان بيع للسيادة الوطنية..!

د. محمد عطا مدنى
تواصل حكومة الأمر الواقع ببورتسودان تحديها لمشاعر الغالبية الأعم من أفراد الشعب السودانى المطحون والجائع والمشرد، الذى يحلم بأن يتحول وطنه لسلام دائم فى ظل دولة ديموقراطية وتبادل سلمى للسلطة، واستقرار لأفراده بعد طول عناء ولجوء لدول الجوار.
والغريب فى الأمر، أن هذه الحكومة لا تدخر وسعا، للعمل على إجهاض هذا الحلم كلما تضافرت بعض الجهود لإنهاء معاناة الشعب.
وتأتى اتفاقية القاعدة العسكرية لروسيا، كخطوة نهائية للقضاء على سيادة الدولة واستقلالها كدولة بين دول العالم.
وقد بدأت بالفعل إجراءات تنفيد وعد الرئيس المخلوع عمر البشير، بتسليم قطعة من سواحلنا لدولة عظمى لبناء قاعدة عسكرية عليها، وذلك فى غياب برلمان منتخب انتخابا حرا ديموقراطيا، تكون له السلطة الأولى فى التصرف فى أراضى وسواحل وممتلكات الدولة.
وذلك وسط صمت تام من حكومة الأمر الواقع عن نشر تفاصيل الإتفاقية أو حتى نشر أخبارها، وأيضا التعتيم التام من حكومة روسيا، بل والتصريح الكاذب على القناة الروسية، بأن الاتفاق تم على وجود نقطة لوجوستية للتموين بالوقود، وليس قاعدة عسكرية..!
وإذا بعيون العالم مفتوحة على ما تقوم به حكومة الأمر الواقع، وحكومة روسيا، وتحرّت الحقيقة ونشرتها، فكيف تكون نقطة تزويد بالوقود مساحتها 50 كيلومتر مربع قابلة للزيادة بموافقة الطرفين؟
وعليه، قامت عشرات القنوات الفضائية بنشر أسرار هذه الإتفاقية المخجلة لمن وقعوها، والذى يعتبر(عطاء من لا يملك لمن لا يستحق)، فى غياب صاحب الحق الشرعى وهو الشعب، الذى ستلجمه المفاجأة باحتلال روسى لجزء من أرضه دون موافقة ممثلى الشعب فى برلمان منتخب، منتقصا سيادته عليها لمدة ربع قرن، فى مقابل أسلحة وتكنولوجيا عسكرية تعمل على استمرار الحرب وتدمير القليل الذى تبقى من البنيات الأساسية للوطن، وهلاك من بقى أيضا من مواطنيه، بعد موت أكثر من ربع مليون مواطن من المدنيين والعسكريين فى هذه الحرب التى لم تكن هنالك أسباب واقعية لاندلاعها.
فهل يعقل أن توقع اتفاقية مثل هذه، يتخلى فيها الوطن عن سيادته، فى مقابل شحنة سلاح طمعا فى نصر وهمى على فريق سودانى آخر؟
بدلا من اللجوء إلى السلام – وهو الانتصار الحقيقى – للتفرغ لبناء الوطن من آثار هذه الحرب، بدلا من الاستمرار فيها؟
وللأسف، كل تداعيات هذه الحرب اللعينة من خراب للوطن وتشريد للمواطنين، لا يحرك شعرة فى رؤوس المسؤولين عن استمرار الحرب، الذين اختطفوا للوطن منذ 35 عاما، ويستعدون الآن لبيع ماتبقى منه بيعا نهائيا غير مسترد لدولة عظمى، من الصعب تركها قاعدة عسكرية فى هذا المكان الاستراتيجى بالبحر الأحمر..!
وغير بعيد عنا تجربة سوريا فى الدخول فى اتفاقية مماثلة، إذ غرس نظام الأسد البائد قاعدة عسكرية للروس بالقرب من اللاذقية (قاعدتا حميميم وطرسوس) عام 2015، حيث ترسو الاساطيل والغواصات النووية، ويصعب الآن لحكومة الرئيس أحمد الشرع، مجرد الحديث بشأنها، فقد استقر الأسطول الروسى فى البحر المتوسط أمام الأسطول الأمريكى، وليس من مصلحة سوريا فتح موضوع القاعدة مع الروس لعدم جدوى ذلك، فلا يمكن لدولة كبرى – وهى روسيا الإتحادية – تجد نفسها فى منافسة حامية مع أساطيل الولايات المتحدة فى البحر المتوسط الذى يعتبر بؤرة العالم، أن تتنازل عن موقع جيوسياسى مهم مثل موقع هذه القاعدة، مهما كانت الأسباب.
ورغم تجربة القاعدة العسكرية فى سوريا وتداعياتها على نظام الحكم وعلى الشعب فى سوريا، لم يتم الاستفادة من دروسها من قبل حكومة الأمر الواقع، وبدأت في تنفيذ وعد الرئيس الأسبق عمرالبشير للروس فى منحهم قاعدة عسكرية فى بورسودان، سيعسكر بها 300 جندى وضابط روسى، و4 بوارج عسكرية ضخمة تعمل بالوقود النووي، وبها 24 مربطا للزوارق والطرادات البحرية، وتحتوى على أجهزة دفاع جوى، ومركز للمخابرات الروسية، وقاعدة لإطلاق الصواريخ، ومطارات لمقاتلات سلاح الجو الروسى.
وقد بدأ الآن جسر بحرى روسى لنقل معدات إنشاء القاعدة، من قاعدة (حمميم) بجوار اللاذقية، وينص الاتفاق على أن تُمنح روسيا حق استخراج المعادن الثمينة من السودان، وتوريد أسلحة وتجهيزات عسكرية لحكومة الأمر الواقع.
وحتى لا يأخذ البعض هذا الخبر دون اهتمام كبير، أرجو أن أوضح خطورة هذا الاتفاق والتى تتمثل فى الآتى:
1/ وضع قاعدة عسكرية فى مكان ما، هو بداية فعلية لعمليات عسكرية قتالية، ومعناها اشتراك السودان فى قتال على أرضه دون رضى شعبه، مما يعنى فقد السيادة الوطنية على قطعة من أرض الوطن.
2/ بمجرد التوقيع على الاتفاقية أصبح السودان فى حلف عسكرى يدور حول روسيا والعراق وإيران والصين وكوريا الشمالية، مما يخالف توجهاته منذ الاستقلال كدولة مؤسسة لمجموعة دول عدم الإنحياز، وبهذا ينقطع تعامله مع العالم الخارجى إلا مع هذا المحور الذى يقدم السلاح فقط ، ولا يقدم الدعم المادى للمساعدة على تطوير الوطن مدنيا.
3/ خسارة كل الوعود الأوروبية التى اجتهد رئيس الوزراء الشرعى د. عبد الله حمدوك وفريق صمود فى بنائها بزياراتهم الأخيرة لدول أوروبا، التى وعدتهم بالمشاركة فى نهضة السودان وإعادة إعماره.
4/ فقد التواصل، بل العداء السافر بين السودان والولايات المتحدة، ودول أوروبا، واليابان، وكوريا الجنوبية، والخليج العربى.
5/ المساعدة على اشتعال نار الحرب من جديد فى السودان، ووأد كل الخطوات السلمية التى اتخذت لوقف الحرب، وبالتالى توقع استمرارها، وفقد أعداد كبيرة جديدة من المواطنين، يضافوا لربع مليون مدنى وعسكرى قتلوا في السنوات الثلاث الماضية حسب تقديرات منظمات الأمم المتحدة.
6/ خطورة هذا الاتفاق تتضح فى وجود بند فى الاتفاقية يوضح أن الإتفاقية (خارج الولاية القضائية للسودان أى لا يجوز مقاضاتها أمام القضاء السودانى)، ومن الخطأ البيّن إجراء أمثال هذه الاتفاقات لعدم وجود برلمان منتخب انتخابا حرا ديموقراطيا، يناقش بحرية سلبيات وإيجابيات هذه الإتفاقية الخطيرة.
7/ تنص الإتفاقية على وجود منصات لإطلاق الصواريخ ومدمرات ودبابات لحراسة القاعدة، ومطار لمقاتلات سلاح الجو الروسى، مما يهيىء المنطقة لحدوث اشتباكات أو قتال مع المحور الغربى الذى تقوده الولايات المتحدة، وبهذا ستكون أرض السودان ميدانا للمعارك بين الدول الكبرى.
8/ من العجيب أن القاعدة الممنوحة لروسيا والتى تبلغ مساحتها 50 كيلومتر مربع، منحت لمدة 25 عاما بدون إيجار سنوى، (هكذا أوردت المحطات الإخبارية العربية)، فى مقابل (أسلحة) و(معدات عسكرية أليكرونية)، والأكثر غرابة أن استيراد الأسلحة سيكون عن طريق بروتوكول منفصل عن اتفاق القاعدة، بمعنى أنه إذا توقفت روسيا – لأى سبب من الأسباب – عن توريد المعدات العسكرية للسودان، لن يؤثر ذلك على استمرارية القاعدة.
ويعتبر موافقة حكومة الأمر الواقع بالسودان على اتفاقية إنشاء قاعدة بحرية لروسيا فى السودان تحولًا جيوسياسيًا مهمًا في منطقة البحر الأحمر، باعتباره أحد المؤشرات على وجود فصل جديد في التوسع الاستراتيجي لموسكو في قارة أفريقيا، بعدما توصل الطرفان إلى اتفاق بشأن إنشاء أول موطئ قدم بحري لروسيا على الساحل الشرقي الأفريقي، لا سيما في ظل تصاعد التنافس الدولي في أفريقيا والشرق الأوسط.
ويُنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها وسيلة لتأمين الممرات البحرية الحيوية، وتوفير نقطة انطلاق للعمليات الروسية في أفريقيا، وهو ما يجعل من القاعدة أداة متعددة الوظائف ذات أبعاد سياسية وأمنية واقتصادية مهمة لروسيا، ومزعجة للغاية للسودان، نتيجة التحول الدراماتيكى من مجموعة عدم الانحياز إلى حلف من الأحلاف الكبرى فى العالم، مما يضع السودان وموارده وشعبه فى مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها من الدول الأوروبية والأسيوية.
ولا أظن أن شخصا عاقلا ووطنيا، يمكن أن يوقع مثل هذه الاتفاقية، التى تتضخم فوئدها غير المحدودة لروسيا الإتحادية بشكل يصعب حصره الآن، نظرا للتكتم على بنودها، مثل التكتم على معظم الاتفاقيات المعقودة مع دول أخرى فى العقود الثلاثة الماضية.
ولكن المعلومات المتاحة حتى الآن تبرز التعاون الروسي في قطاعات التعدين والزراعة، لا سيما من خلال شركات مثل (M Invest) و(Meroe Gold)، التي نسجت شراكات مباشرة مع قوات الدعم السريع، وهو ما منح موسكو نفوذًا فعليًا على الأرض السودانية، خاصة في مناطق الذهب.
وفي المقابل، حصلت هذه الشركات على امتيازات واسعة التي يُنظر إليها باعتبارها متنفسًا اقتصاديًا لروسيا في ظل العقوبات الغربية.
ومع دخول عام 2023، توسع الوجود الروسي في السودان من خلال شحنات وقود ومشاريع لوجستية، وشهد تنسيقًا مع كيانات أمنية محلية مثل شركة (أسوار) المرتبطة بالمخابرات السودانية، بما عزز الأنشطة الروسية ميدانيًا.
وفي المقابل، ماذا سيستفيد السودان وشعبه من هذه الاتفاقية، التى تميل لصالح دولة كبرى بكل تفاصيلها الظاهرة والمخفية.
وفي نفس الوقت، لا فائدة تعود على الشعب من مثل هذه الاتفاقيات، سوى أن تجر علينا مخاطر عالمية جمة، اقتصادية وسياسية لا حدود لها، ولا قبل لنا بها، كدولة هشة وذات بنيان اقتصادى وسياسى ضعيف، ونحن نحاول البدء فى تكوين وبناء الدولة من الصفر، حيث يحارب الشعب – بكل جموعه المدنية- كل العوائق التى توضع أمامه لمحاولة بدء مسيرة الدولة المدنية الديموقراطية، ولملمة شتات شعبه الذى يعيش لاجئا مشردا فى الدول المجاورة، كى يعود ويعيش على أرضه.
ولكن القوى المعادية لثورة الشعب المجيدة، تحاول بكل قواها أن يظل السودان فى ذلك المربع المخيف (مربع اللادولة)، حتى تستمر هذه القوى المعادية لأحلام الشعب وآماله، فى استثمار موارده لنفسها ولجماعتها، وحرمان عموم الشعب السودانى من أبسط حقوقه، وهو حق الحياة بكرامة.
وأخيرا، أتوجه إلى قضاة ومحاميى السودان، لكى يقوموا بدورهم فى الدفاع عن هذا الشعب المسكين- تضامنا مع جهود (صمود) – فى المحافل الأممية والدولية، لمحاولة رفع معاناة أهل السودان، وطلب (العون الأممى) بعد فشل كل الجهود الدولية لإيقاف الحرب.
كما يجب أن يُبذل النُصح لحكومة الأمر الواقع بسلبيات وخطورة هذه الاتفاقية، وطلب التوقف عن إتمامها، وإلا حاسبهم الشعب على ذلك فى يوم من الأيام حسابا عسيرا.
والتوجه لحكومة روسيا الإتحادية لإقناعها بخطورة عقد هذه المعاهدة، وأن الشعب غير راض عنها، وسيقاومها بكل السبل الممكنة، وأن مؤسسات الشعب الدستورية -عند تكوينها – لن تعترف بهذه الاتفاقية.
وعلى جماهير الشعب السودانى قاطبة، أن تقف ضد هذه الإتفاقية بالمسيرات السلمية، وتوصيل رسالة لحكومة بورتسودان، تتضمن معارضة هذه الاتفاقية شكلا وموضوعا، بكل السبل الممكنة.
ألا هل بلغت، اللهم فاشهد..!



