مقالات وآراء

الثورة لا تُستعاد بالنيابة.. دسترة برلمان الشارع كطريق للديمقراطية المباشرة واستكمال أهداف ديسمبر

🔸 مقدمة
إذا كانت الجماهير هي التي صنعت الثورة، فلماذا تُسحب منها السلطة بمجرد انتصارها أو دخولها المرحلة الانتقالية؟
هذا السؤال البسيط في ظاهره، العميق في مضمونه، ظل يطارد جميع الثورات الكبرى في التاريخ السوداني.
فالجماهير تخرج إلى الشوارع، وتواجه القمع، وتقدم الشهداء والجرحى، وتعطل ماكينة الاستبداد، ثم لا تلبث أن تجد نفسها خارج غرف القرار، بينما تنتقل السلطة إلى أحزاب أو نخب أو مؤسسات تتحدث باسمها.
لقد أثبتت التجارب أن الثورة لا تواجه فقط قوى الثورة المضادة، بل تواجه أيضاً خطراً آخر يتمثل في
▪ احتكار السياسة بواسطة فئة صغيرة من المتخصصين في العمل السياسي مهنة سلطة.
وهنا تنشأ المفارقة الكبرى: الشعب يصنع الثورة، لكن غيره يتولى إدارتها وتحديد مصيرها.
ومن هنا يصبح الحديث عن استعادة ثورة ديسمبر ليس مجرد حديث عن استعادة سلطة مدنية أو إسقاط سلطة عسكرية، بل حديث عن إعادة السلطة إلى أصحابها الحقيقيين: الجماهير التي صنعت الثورة.
🔸 أولاً: من يصنع الثورات ومن يحصد ثمارها؟
لم تكن ثورة ديسمبر من صنع حزب واحد أو تيار واحد أو قيادة واحدة.
لقد صنعتها جماهير واسعة من العمال والموظفين والمعلمين والأطباء والمهندسين والطلاب والنساء والشباب والعاطلين عن العمل وسكان الأحياء والمدن والأرياف.
كانت الثورة لحظة انكشاف للقوة الحقيقية الموجودة داخل المجتمع.
ففي الأيام العادية تبدو السلطة في يد الدولة وأجهزتها، لكن في اللحظات الثورية يتضح أن القوة الفعلية تكمن في الناس الذين يديرون الحياة اليومية ويواصلون إنتاج المجتمع.
غير أن التاريخ يعلمنا أيضاً أن الذين يصنعون الثورات ليسوا دائماً هم الذين يقررون مصيرها بعد ذلك.
وهنا تبدأ معركة جديدة: معركة من يمتلك حق القرار بعد سقوط النظام القديم.
🔸 ثانياً: أزمة الديمقراطية التمثيلية في المراحل الثورية
ليست المشكلة في الانتخابات أو المؤسسات التمثيلية في حد ذاتها، وإنما في تحويلها إلى بديل كامل عن الإرادة الشعبية المباشرة.
في الظروف العادية قد تكون الديمقراطية التمثيلية أداة مناسبة لإدارة الدولة، لكن الفترات الانتقالية تختلف عن الأوضاع المستقرة.
ففي هذه المراحل تكون أهداف الثورة نفسها موضع صراع، وتكون مؤسسات الدولة القديمة ما زالت حاضرة ومؤثرة، وتكون الثورة المضادة في حالة نشاط دائم.
عندها يصبح التفويض المفتوح للنخب السياسية أمراً محفوفاً بالمخاطر، لأن الجماهير التي صنعت الثورة تتحول إلى متفرج ينتظر نتائج صراعات تدور فوق رأسه.
لقد رفعت الجماهير شعار السلطة المدنية، لكنها لم تخرج لكي تستبدل وصاية بوصاية أخرى، أو نخبة بأخرى، بل خرجت من أجل أن تصبح شريكاً حقيقياً في صناعة القرار.
🔸 ثالثاً: طريق الشيوعيين لاستعادة ثورة ديسمبر
حين يُطرح سؤال استعادة الثورة، ينصرف الذهن عادة إلى التحالفات الحزبية والاصطفافات السياسية.
لكن السؤال الأعمق هو:
🚩 أين الجماهير نفسها في هذه المعادلة؟
إذا كانت الثورة قد أخرجت ملايين السودانيين إلى المجال العام، فإن استعادتها لا يمكن أن تتم عبر إعادة تدوير النخب أو إعادة إنتاج الصيغ القديمة للعمل السياسي.
إن الطريق الحقيقي لاستعادة الثورة يبدأ بإعادة مركز الثقل السياسي إلى القاعدة الاجتماعية التي صنعتها.
فالعمال الذين ينتجون، والمزارعون الذين يزرعون، والمعلمون الذين يربون الأجيال، والمهنيون الذين يديرون الخدمات، ولجان المقاومة الثورية التي قادت الحراك الشعبي؛ هؤلاء ليسوا مجرد قواعد انتخابية، بل هم أصحاب المصلحة المباشرة في التغيير.
🔸 رابعاً: سلطة الشعب ليست شعاراً بل مؤسسة
كثيراً ما يجري الحديث عن سلطة الشعب كشعار أخلاقي أو سياسي، لكن المشكلة أن الشعارات وحدها لا تحكم الدول.
فالسلطة لكي تصبح حقيقة تحتاج إلى أدوات ومؤسسات وآليات دستورية تحميها وتضمن استمرارها.
إن الاعتراف بأن الشعب مصدر السلطات لا يكفي ما لم توجد مؤسسات تمكنه من ممارسة هذه السلطة بصورة فعلية.
ومن هنا تظهر الحاجة إلى الانتقال من فكرة سلطة الشعب كشعار إلى سلطة الشعب كمؤسسة دستورية.
🔸 خامساً: برلمان الشارع… من حالة ثورية إلى مؤسسة دستورية
في لحظة الثورة يصبح الشارع هو البرلمان الحقيقي للأمة.
هناك تتشكل الإرادة العامة، وهناك تُرفع المطالب، وهناك تُختبر شرعية السلطة.
لكن هذه الطاقة الثورية غالباً ما تُترك لتتبدد بعد انتهاء المواجهة الأولى.
والمطلوب هنا هو تحويل برلمان الشارع من ظاهرة مؤقتة إلى مؤسسة دستورية انتقالية.
أي أن ينص الدستور الانتقالي بصورة واضحة على أن برلمان الشارع يمثل أعلى سلطة شعبية رقابية في القضايا المصيرية المتعلقة بأهداف الثورة والسلام والتحول الديمقراطي والعدالة الانتقالية.
وبذلك لا يعود الشعب مجرد ناخب ينتظر موعد الاقتراع القادم، بل يصبح شريكاً دائماً في توجيه المسار الوطني.
🔸 سادساً: الديمقراطية المباشرة في مواجهة التفويض المفتوح
جوهر الفكرة بسيط:
الثورة لا تمنح أحداً شيكاً على بياض.
فلا الأحزاب ولا الحكومات ولا القيادات الانتقالية يجب أن تحصل على تفويض مفتوح يسمح لها بالتصرف باسم الجماهير دون رقابة.
الديمقراطية المباشرة لا تلغي المؤسسات، لكنها تمنع تحولها إلى مراكز احتكار للسلطة.
إنها تعيد التوازن بين التمثيل والمشاركة، وبين القيادة والرقابة الشعبية.
🔸 سابعاً: من القاعدة إلى القمة… قلب الهرم السلطوي
ظل البناء السياسي التقليدي قائماً على هرم مقلوب الإرادة؛ حيث تصعد السلطة إلى الأعلى بينما تتراجع الجماهير إلى الأسفل.
أما الثورة الحقيقية فتسعى إلى قلب هذا الهرم.
الحي قبل الوزارة.
المنتج قبل البيروقراطي.
القاعدة قبل القمة.
وتصبح لجان المقاومة الثورية والنقابات واتحادات المنتجين والمجالس المحلية هي نقطة البداية التي تنطلق منها السلطة، لا مجرد مؤسسات هامشية تستدعى عند الأزمات.
🔸 ثامناً: سلطة المنتجين والخروج من احتكار السياسة
لا يمكن الحديث عن سلطة الشعب دون الحديث عن السلطة الاقتصادية.
🔥 فمن ينتج الخيرات المادية للمجتمع يجب أن يكون له دور أساسي في توجيه السياسات الاقتصادية والتنموية.
لقد ظلت السياسة في كثير من الأحيان منفصلة عن عالم الإنتاج الحقيقي.
لكن الديمقراطية المباشرة تفتح الباب أمام مشاركة المنتجين أنفسهم في رسم أولويات الاقتصاد الوطني.
وبذلك لا تصبح الديمقراطية مجرد تداول للسلطة السياسية، بل مشاركة فعلية في إدارة الموارد والثروة والتنمية.
🔸 تاسعاً: من حراسة الثورة إلى صناعة المستقبل
برلمان الشارع ليس مجرد آلية لحماية أهداف ديسمبر من الالتفاف أو المصادرة.
إنه أيضاً مشروع لبناء ثقافة سياسية جديدة.
ثقافة تقوم على المشاركة بدلاً من الوصاية.
وعلى الرقابة الشعبية بدلاً من الاحتكار.
وعلى الفعل الجماعي بدلاً من انتظار المنقذين.
إنه انتقال من الدفاع عن الثورة إلى تطوير أدواتها واستكمال مشروعها التاريخي.
🔸 عاشراً: الثورة التي تحكم نفسها
ربما كان الدرس الأكبر الذي تقدمه الثورات هو أن الشعوب قادرة على صناعة المعجزات عندما تتحرك.
لكن التحدي الحقيقي يبدأ بعد ذلك: كيف تحافظ الشعوب على سلطتها؟
إن الثورة لا تبلغ غايتها الكاملة عندما تسقط نظاماً قديماً فحسب، بل عندما تنجح في بناء مؤسسات تجعل الجماهير حاضرة في القرار كما كانت حاضرة في الميدان.
وعندها فقط لا تكون الديمقراطية مجرد حق في اختيار الحكام، بل حقاً دائماً في مراقبتهم وتوجيههم ومحاسبتهم.
وعندها فقط لا تُستعاد الثورة بالنيابة.
بل تستعيد الجماهير سلطتها بنفسها.
نفتح المقال ليكتبه الجميع.
لتطوير الجانب العملي للمقترح: كيف يُنتخب برلمان الشارع؟
سؤال سيتبادر طبيعي في ناس بتفكر منطقة التمثيل.
مامكن كل الجماهير تكون موجودة وحاضره في ميادين مدنها وقراها وهنالك ثورة المعلومات والاتصال.
إذا كانت الحقيقة ستقتلهم، فسيقتلونا ولكن الشعوب لاتموت.
وما هي صلاحياته؟
وكيف يرتبط بلجان المقاومة الثورية والنقابات واتحادات المنتجين؟
بحيث يتحول المقال من إطار فكري إلى مشروع دستوري متكامل.

تعليق واحد

  1. استاذي الفاضل ارجو المساهمة بالرؤية ادناه لمحاولة مأسسة ودسترة برلمان الشارع وآمل ان تجد منكم مراجعة وتطوير للاسهام في اعادة بناء النظام السياسي في السودان وتجاوز التشظي والاستقطاب

    انتزاع “الدسترة” لبرلمان الشارع وسلطة القاعدة هو المحك العملي الحقيقي؛ فالتاريخ يعلمنا أن النخب (سواء كانت عسكرية أو مدنية تقليدية) لن تتنازل عن احتكارها للسلطة والتشريع طواعية، ولن تمنح الجماهير صكاً دستورياً يلغي امتيازاتها بمجرد إعجابها بالفكرة.

    بناءً على أدبيات الثورات التغييرية الجارية وتجارب “سلطة القاعدة”، فإن الدسترة لا تُمنح كمنحة فوقية من لجان صياغة الدستور، بل تُنتزع عبر فرض “الأمر الواقع (De Facto) وتحويله لاحقاً إلى قانون (De Jure). إليك إستراتيجية انتزاع الدسترة عبر ثلاثة مسارات متوازية:

    1. التأسيس الذاتي وفرض الأمر الواقع (The Self-Institutionalization)

    الخطأ التاريخي الذي تقع فيه الحركات الجماهيرية هو انتظار “الاعتراف القانوني” من السلطة القائمة لبدء العمل. انتزاع الدسترة يبدأ بالعكس:

    الممارسة قبل النص: تبدأ لجان المقاومة، النقابات، واتحادات المنتجين في بناء “برلمان الشارع” على الأرض وتفعيل آلياته (المجالس القاعدية، التصعيد، التفويض المقيد) دون انتظار إذن دستوري.

    إدارة الحياة اليومية: عندما يبدأ برلمان الشارع في حل النزاعات المحلية، تنظيم السلع والخدمات، حماية الأحياء، والإشراف على الأسواق، فإنه يكتسب الشرعية الأدائية (Performance Legitimacy).

    سحب الاعتراف الشعبي: بمجرد أن يرى المواطن أن برلمان الشارع هو الذي يحل مشاكله الحقيقية بينما المؤسسات الرسمية غارقة في الصراعات، يسقط الاعتراف الفعلي بالدولة التقليدية وتنتقل الشرعية تلقائياً للقاعدة.

    2. استخدام “الفيتو الجماهيري” كأداة ضغط سياسي

    الشارع يمتلك أدوات تعطيل قوية، لكنها غالباً ما تُستخدم بشكل دفاعي (إسقاط نظام، رفض مرسوم). لانتزاع الدسترة، يجب تحويل هذه الأدوات إلى **أدوات هجومية لبناء البديل:

    الإضراب السياسي والعصيان المشروط: لا يكون الإضراب لمجرد الاحتجاج، بل يُرفع شعار واضح: لا عودة للعمل، ولا فتح للمرافق الحيوية إلا بتوقيع مرسوم دستوري يعترف بمجالس المنتجين والنقابات كأعلى سلطة رقابية وتشريعية في البلاد.

    الشرعية الموازية: إعلان برلمان الشارع لنفسه كـ “سلطة تأسيسية مؤقتة” نابعة من الشرعية الثورية، وإصدار “إعلانات دستورية شعبية” تُفرض على مؤسسات الدولة القائمة عبر الحشد والضغط الميداني.

    3. اختراق وتفكيك “الكتلة التاريخية” السائدة

    النخب التقليدية تستند على تحالف (عسكري، بيروقراطي، مالي، ودولي). لانتزاع الدسترة، يجب على برلمان الشارع تفكيك هذا التحالف عبر:

    ربط النقابات بالإنتاج: التحكم في شريان الحياة الاقتصادي (الموانئ، السكة الحديد، الاتصالات، البنوك، الحقول). إذا انحازت نقابات هذه القطاعات لبرلمان الشارع، تصبح السلطة التنفيذية مجرد حبر على ورق لا تملك أدوات لتنفيذ قراراتها.
    * **خطاب موجه للقواعد العسكرية والأمنية:** الثورات لا تنتصر بمواجهة السلاح بالسلاح، بل بجعل حامل السلاح يرفض توجيهه لصدور أبناء حيه أو طبقتها الاجتماعية. التأكيد على أن برلمان الشارع يمثل “حقوق الجنود وصغار الضباط” في العيش الكريم والعدالة يضعف قدرة النخبة العسكرية على استخدام القمع لتعطيل الدسترة.

    النخبة الحاكمة لن تبصم على دستور يمنح الشارع السلطة إلا في حالة واحدة: **عندما تدرك أن تكلفة رفض “برلمان الشارع” هي الانهيار الكامل لامتيازاتها، وأن قبولها به كشريك دستوري هو الخيار الوحيد لبقائها على قيد الحياة السياسية.**

    الدسترة إذن، هي توثيق قانوني لمعركة موازين قوى تم حسمها مسبقاً على الأرض لصالح الجماهير والمنتجين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..