مقالات وآراء

الضمير المزعج: حين يصبح نقد الجميع خيانة للجميع

في خضم الحرب الأهلية السودانية، يجد المثقف السوداني نفسه محشوراً في ممر ضيق. ليس لأنه غائب عن المشهد، بل لأنه حاضر فيه، ويحاول جاهداً أن يظل صادقاً مع قناعاته الإنسانية ومعاداة جرائم الحرب بجميع أنواعها. إلا أن بنية الخطاب السائد في زمن الحرب، وما يفرضه من انقسامات حادة، تجعل من هذا الحضور بمثابة “ضمير مزعج” للجميع، بدلاً من أن يكون طرفاً فاعلاً في بناء سلام عادل.
فخ الاستقطاب: “إما معنا أو متواطئ”
تُسيطر على الساحة السودانية ثلاثة أقطاب رئيسية: تحالف قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، وتحالف قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي”، والتيار الديمقراطي المدني. الأولان في حالة حرب، بينما يحاول الثالث التمسك بثوابت الديمقراطية.
لكن المشكلة تكمن في الطريقة التي تُصاغ بها المواقف. فبدلاً من طرح سؤال المساءلة القانونية والأخلاقية الصرف: من الجاني؟ وكيف نحقق العدالة؟، يُعاد صياغة كل جريمة كخيار وجودي: “إما أن تكون معنا ضد الجاني، وإما أنك متواطئ مع الجريمة”.
وهكذا، يصبح نقد تجاوزات الجيش دعماً للدعم السريع، ونقد جرائم الدعم السريع تأييداً للجيش. هذا التفريغ للسياسة من مضمونها وتحويلها إلى حروب هوية هو أولى عوائق الحل.
خلقت الجرائم البشعة التي ارتكبتها مليشيا الدعم السريع في حق المدنيين السودانيين —من قتل وتهجير وانتهاكات واسعة— أزمة شرعية حادة للمكون المدني المعارض. إذ لم تُدان هذه الانتهاكات من قبل قوى الحرية والتغيير “قحت” وغالبية الداعين للحكم المدني بالحزم المطلوب، ما أدى إلى تشويه صورة المدنية في أعين قطاعات واسعة من الشعب.
وقد فعلت قحت هذا عن عمد؛ لأنها طلما اعتبرت الدعم السريع بمثابة الذراع العسكري لها. وبذلك تحولت الدعوة للديمقراطية في هذا السياق إلى انحياز مُفترض لصالح طرف مسلح على حساب آخر، بدلاً من أن تكون مطلباً وطنياً جامعاً.
هذا الانحياز المُدرك أو غير المُدرك أفرغ المشروع المدني من مصداقيته، وصنف —خطأً وظلماً— كل من يدعو إلى الديمقراطية في صف الدعم السريع، في انقسام ثنائي مُقحم يُغيب التعقيدات السياسية والموقف المستقل.
الخطاب التكتيكي: “لا تنتقد في زمن الحرب”
في زمن الحرب، يُصبح أي نقد للجيش النظامي “طعناً في الظهر”، وأي نقد للميليشيا “انحيازاً للجيش”. يُستخدم هذا الشعار كحاجز ضد أي أصوات ناقدة.
المثقف الذي يريد الدعوة لديمقراطية حقيقية، وليس مجرد شعارات، يجد نفسه مضطراً إما للصمت، أو للوقوف في صف أحد طرفي الحرب تحت شعار “الضرورة”. هذه المعضلة هي ما يسعى هذا المقال إلى تفكيكها وتقديم مخرج منها.
كيف يتجنب المثقف هذا الفخ؟
المهمة شاقة لكنها ليست مستحيلة. المثقف الذي يريد أن يظل صادقاً مع مبادئه معاداة كل جرائم الحرب، والدفاع عن المدنيين ورفض الديكتاتورية، يمكنه استخدام استراتيجيات واضحة. الضمير المزعج لا يصمت ولا ينحاز الا للحق، بل يتحول إلى مصدر إزعاج أخلاقي للجميع.
أولاً: رفض صفقة الاانحياز الاعمى
الفخ يقول: نحن في حرب وجود مع ميليشيا إرهابية وهذا هو الواقع فعلا، فإما أن تقف معنا أو تكون ضدنا. المطالبة بالديمقراطية الآن هي ترف.
الرد: أنا مع الشعب السوداني ومع قواته المسلحة التى هى تاج راسنا في حماية المدنيين و الحفاظ على وحدة البلاد، لكني ضد توظيف الحرب لإدامة فترة انتقالية ايا كانت الاسباب. و مع المطالبة بآلية مدنية لضمان عدم استخدام الجيش للسلطة بعد الحرب هو واجب وطني، لا خيانة.
التاريخ يعلمنا أن الأنظمة العسكرية التي تقود حروباً غالباً ما تخرج منها أقوى وأكثر تشبثاً بالسلطة، كما حدث مع الرئيس السابق عمر البشير بعد الحرب الأهلية.
ثانياً: الفصل الحاسم بين إدانة الجريمة وتبني اى طرف
المبدأ هو القدرة على إدانة انتهاكات أي طرف دون أن يترتب على ذلك تلقائياً تبرئة الطرف الآخر أو تبني موقف سياسي شامل لصالحه.
فالمثقف المبدئي يعلن أن إدانته لانتهاك معين لا تعني انحيازه للخصم، تماماً كما أن إدانته لجريمة أخرى لا تستلزم التخفيف من وطأة انتهاكات الطرف الأول.
التطبيق العملي: في كل منشور أو تحليل يتناول جريمة ارتكبها أي طرف من أطراف النزاع، يُشترط أن يُصرَّح – في السياق نفسه – بأن الموقف الثابت هو معاداة كافة انتهاكات حقوق الإنسان، مهما كان مصدرها، ومن أي جهة صدرت. هذا الفصل المنهجي يحول دون استغلال إدانة طرف لتبرئة الآخر، ويحافظ على استقلالية الضمير النقدي.
ثالثاً: بناء خطاب العدالة الانتقالية
بدلاً من السؤال “من بدأ الحرب؟” الذي يُستخدم لتبرئة طرف وإدانة آخر، يجب أن نتبنى لغة العدالة الانتقالية ومحاسبة كل المجرمين.
السؤال الصحيح هو: “ما هي الآليات التي تضمن محاسبة كل من ارتكب جريمة بحق المدنيين؟”
هذا الخطاب يضع المثقف في موقع الخصم لكل الأطراف.
خلاصة: الضمير المزعج لا فريق ثالث
باختصار، لا يمكن تجنب فخ الاستقطاب بالهروب منه، بل بالوقوف فيه وإعلان أن الإجابة على “من الجاني؟” ليست حصرية.
الجواب:
كل من آذى المدنيين وسرق حريتهم واموالهم هو جاني. والانتقال إلى الديمقراطية لا يكون إلا بسلطة مدنية خالصة، بعد ترتيبات الفترة الانتقالية القادمة باذن الله ومحاسبة كل المعتدين، وإعادة هيكلة الجيش ليكون وطنياً، لا أداة لحكم فرد أو فئة.
المثقف السوداني، إذا ما أراد أن ينجو من هذا المأزق، فعليه أن يتحول إلى “ضمير مزعج” يضايق الجميع.
يزعج مؤيدي الديكتاتوريات العسكرية ويطالب بضمانات لرحيل العسكر.
يزعج مؤيدي الدعم السريع لأنه يفضح جرائمهم ومخططاتهم المدعومة خارجياً بدقة، ويطالب بمحاكمتهم دولياً.
يزعج حتى الديمقراطيين الذين يريدون ألا ينتقدوا، وعلى وجه الخصوص بشان صمتهم المخزي على جرائم الدعم السريع في حق الشعب السوداني؛ لأنه يذكرهم بأن الديمقراطية ليست مجرد شعار، بل هي مؤسسات ومساءلة وحرية.
ليست هذه المهمة مستحيلة، لكنها تتطلب شجاعة أخلاقية نادرة في زمن تتداعى فيه كل القيم. لكنه الخيار الوحيد أمام من يريد ألا يكون شاهداً على اتفتت وحدة وطنه.
عوض النقر بابكر محمد- السعودية- الرياض

‫2 تعليقات

  1. إنقلاب البرهان حرم السودان من فرصة تاريخية للتعافي و فتح ابواب الشر و الدمار. اي ورجغة في تبعات الجريمة دي يا اما مخك تعبان او صاحب هوى و مغفل

  2. عرفت د.النقر فى الخرطوم الثانوية القديمة لا ادرى ان ذهب ذاك الجيل الشريف النضيف اقول لكم كلهم خارج السودان جمال الشلالى مهند عرفات امثال هؤلاء لا يستطيعون العيش فى بيئة قذرة ببساطة لان ضمائرهم مزعجة لكم الشكر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..