السودان بين ضغوط المجتمع الدولي واستحقاقات الإرادة الوطنية.. قراءة تحليلية في البيان الدولي الصادر بشأن الانتقال المدني في السودان
زكريا علي عبدالرسول

لم يعد الحديث عن انتقال مدني في السودان مجرد أمنية تتداولها القوى السياسية أو مطلباً ترفعه بعض الأطراف المحلية، بل أصبح اليوم موقفاً دولياً وإقليمياً معلناً تتبناه قوى مؤثرة في النظام الدولي. فقد صدر في الثامن من يونيو 2026م بيان مشترك ضم الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا وبلجيكا وإيطاليا واليونان والنرويج، إلى جانب الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي ومنظمة الإيغاد وجامعة الدول العربية والأمم المتحدة، وذلك في توقيت بالغ الحساسية يتزامن مع تصاعد الجهود السياسية الرامية إلى إنهاء الحرب السودانية والبحث عن مخرج سياسي للأزمة.
ولم يكن اختيار العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، التي ظلت لسنوات مركزاً للمبادرات والتسويات الإقليمية المتعلقة بالسودان، أمراً عابراً أو بروتوكولياً، بل يعكس رغبة واضحة في إعادة تجميع الإرادة الدولية والإقليمية حول رؤية مشتركة لمستقبل السودان، بعد أكثر من ثلاثة أعوام من الحرب التي فشلت فيها جميع الرهانات العسكرية في إنتاج حسم نهائي لصالح أي طرف.
البيان في جوهره يحمل رسالة سياسية واضحة مفادها أن المجتمع الدولي والإقليمي قد حسم موقفه تجاه الحرب الدائرة، وأصبح مقتنعاً بأن الحل العسكري لم يعد خياراً قابلاً للحياة، وأن الطريق الوحيد المقبول دولياً هو الانتقال إلى عملية سياسية شاملة تقود في نهايتها إلى سلطة مدنية مستقلة.
هذه الرسالة ليست جديدة من حيث المبدأ، لكنها تكتسب أهمية استثنائية من حيث التوقيت والجهات التي تقف خلفها. فحين تتفق القوى الغربية الكبرى مع المنظمات الإقليمية والدولية الرئيسية على رؤية موحدة، فإن ذلك يعني أن هناك اتجاهاً دولياً آخذًا في التشكل، وقد يتحول مستقبلاً إلى سياسات وإجراءات عملية تجاه الأطراف السودانية المختلفة.
ومن اللافت أن البيان لم يكتف بالدعوة إلى وقف إطلاق النار أو حماية المدنيين، وهي مطالب أصبحت ثابتة في جميع المبادرات الدولية، وإنما انتقل خطوة أبعد عندما تحدث عن ضرورة قيام سلطة مدنية كاملة ومستقلة عن هيمنة أي طرف واحد، مع التلويح باتخاذ إجراءات ضد من يعرقل هذا المسار.
وهنا تبرز الدلالة السياسية الأهم في البيان.
فالمجتمع الدولي لا يتحدث هذه المرة عن مجرد تسوية مؤقتة أو اتفاق لوقف الحرب، بل عن شكل السلطة التي ينبغي أن تنشأ بعد الحرب. وهذا يعني أن النقاش لم يعد مقتصراً على كيفية إنهاء القتال، وإنما امتد إلى طبيعة النظام السياسي الذي سيحكم السودان في المرحلة المقبلة.
غير أن هذه الرؤية، رغم ما تحمله من إيجابيات تتعلق بإنهاء الحرب واستعادة الحكم المدني، تطرح في المقابل جملة من التساؤلات المشروعة.
فمن هي القوى المدنية التي ستقود هذا الانتقال؟ ومن الذي يملك حق تحديدها؟ وما هي الضمانات التي تكفل ألا يتحول مفهوم “المدنية” إلى أداة لإقصاء قوى سياسية واجتماعية واسعة من المشاركة في رسم مستقبل البلاد؟ والأهم من ذلك كله، كيف يمكن التوفيق بين الدعم الدولي للعملية السياسية وبين حق السودانيين في امتلاك قرارهم الوطني بعيداً عن أي وصاية خارجية؟
إن التجربة السودانية خلال العقود الماضية أثبتت أن الاستقرار لا يتحقق بمجرد الاتفاق على شكل السلطة، وإنما يتحقق عندما يشعر جميع السودانيين بأنهم شركاء حقيقيون في صناعة الدولة. ولذلك فإن أي عملية سياسية لا تعالج جذور الأزمة المتمثلة في اختلال توزيع السلطة والثروة، وأزمة المركز والأطراف، والتهميش التاريخي لبعض الأقاليم، ستظل معرضة للانتكاس مهما حظيت من دعم خارجي.
ومن هذه الزاوية فإن نجاح أي انتقال سياسي قادم يظل مرهوناً بقدرته على بناء مشروع وطني جديد يؤسس لدولة المواطنة والعدالة والشراكة المتوازنة بين جميع مكونات السودان، وليس مجرد إعادة إنتاج النخب القديمة أو استبدال مراكز النفوذ الحالية بمراكز نفوذ جديدة.
كما أن التلويح بالعقوبات ضد معرقلي الانتقال يكشف عن مرحلة جديدة من الضغط الدولي قد تكون أكثر حزماً من المراحل السابقة. غير أن فعالية هذا النهج ستظل مرتبطة بمدى حياد المجتمع الدولي نفسه، وقدرته على التعامل مع جميع الأطراف بمعايير واحدة دون انتقائية أو ازدواجية.
وفي تقديري، فإن الرسالة الأهم التي ينبغي أن يلتقطها السودانيون من هذا البيان ليست التهديد بالعقوبات، ولا حتى الدعم المعلن للحكم المدني، وإنما حقيقة أن العالم بدأ يفقد ثقته في إمكانية الحسم العسكري، ويتجه بصورة متزايدة نحو فرض واقع سياسي جديد يقوم على التسوية والتوافق.
وعليه، فإن المسؤولية الوطنية تقتضي أن يبادر السودانيون أنفسهم إلى صياغة مشروع سلام شامل وحوار وطني حقيقي، قبل أن تتحول المبادرات الخارجية إلى البديل الوحيد المطروح على الطاولة. فمستقبل السودان يجب أن يصنعه السودانيون أولاً، وأن يقتصر دور المجتمع الدولي على الدعم والضمان والمساندة، لا على صناعة القرار نيابة عن أصحاب المصلحة الحقيقيين.
إن البيان الدولي الأخير لا يمثل نهاية الأزمة السودانية، لكنه بلا شك يمثل مؤشراً مهماً على اتجاه الرياح السياسية في المرحلة القادمة، وهي رياح تدفع نحو انتقال مدني وتوافق سياسي شامل. ويبقى السؤال المطروح: هل سيتعامل السودانيون مع هذه المتغيرات باعتبارها فرصة لبناء دولة جديدة، أم سيتركون الآخرين يقررون عنهم شكل المستقبل؟
تحياتي



