
د. صلاح احمد الحبو
في خضم الحرب، ينشغل السودانيون بسؤال السلام. لكن سؤال المستقبل أكثر إلحاحاً: هل ننتظر توقف الحرب حتى نفكر في بناء السودان، أم أن بناء صورة واضحة للمستقبل هو نفسه الطريق الأقصر إلى إيقاف الحرب؟
هذه ليست مفارقة سياسية، بل معادلة اقتصادية. فالتاريخ يؤكد أن المجتمعات لا تخرج من الصراعات فقط عندما تتعب من الحرب، بل عندما تقتنع بأن السلام أكثر ربحية من النزاع، وأن المستقبل يحمل فرصاً أكبر من مكاسب السلاح.
من هنا تبرز أهمية ما يمكن تسميته بـ “رأسمال السلام المستقبلي”؛ أي الرصيد الاقتصادي والمعنوي الذي تولده الرؤية الوطنية المشتركة قبل تحقق السلام نفسه. فعندما يرى المواطن والمستثمر وصانع القرار ملامح دولة منتجة ومستقرة وقادرة على النمو، يصبح السلام مشروعاً اقتصادياً لا مجرد تسوية سياسية.
وفي المقابل، يدفع السودان ثمناً باهظاً لما يمكن وصفه بـ “اقتصاد ما بعد الحرب المؤجلة”؛ أي تأجيل التفكير في المستقبل إلى حين انتهاء الحرب. فكل يوم يمر دون رؤية وطنية متوافق عليها يضيف خسائر جديدة إلى فاتورة التنمية، ويزيد تكلفة إعادة الإعمار، ويؤجل عودة الاستثمار والكفاءات الوطنية.
إن أكبر خسائر السودان ليست ما دمرته الحرب فقط، بل ما عطلته من فرص. فالبلاد تمتلك موارد زراعية ومعدنية وبشرية تؤهلها لتكون قوة اقتصادية إقليمية، لكن تكلفة الفرص الضائعة ظلت أكبر من قيمة الموارد المستغلة. وهنا تكمن المفارقة: فالأمم لا تدفع ثمن أخطائها فحسب، بل تدفع أيضاً ثمن الفرص التي لم تحسن اغتنامها.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: كم سيكلف بناء السودان بعد الحرب؟ بل: كم ستكلفنا مواصلة تأجيل مشروع المستقبل؟ فالتخطيط ليس مرحلة تلي السلام، بل أحد شروط إنتاجه. والرؤية ليست نتيجة للاستقرار، بل أداة من أدوات صناعته.
إن استشراف المستقبل السوداني يقتضي الانتقال من إدارة الأزمة إلى إدارة الفرصة، ومن اقتصاد البقاء إلى اقتصاد البناء، ومن سؤال الحرب إلى سؤال الدولة التي يريد السودانيون أن يورثوها لأبنائهم.
وعندما يصبح المستقبل مشروعاً وطنياً مشتركاً، يتحول السلام من مطلب سياسي إلى ضرورة اقتصادية، ومن أمنية أخلاقية إلى استثمار استراتيجي. عندها فقط لن يكون السلام نهاية الطريق، بل بداية رحلة السودان نحو اقتصاد الغد.
هامش مفاهيم
• رأسمال السلام المستقبلي: القيمة الاقتصادية والاجتماعية المتوقعة من بناء رؤية وطنية جاذبة تجعل السلام خياراً عقلانياً ومربحاً للجميع.
• اقتصاد ما بعد الحرب المؤجلة: الخسائر المتراكمة الناتجة عن تأجيل التخطيط للمستقبل وربط التنمية بانتهاء الحرب أولاً.
[email protected]
————————
مراجع استرشادية
1. تقارير وبرامج إعادة الإعمار والتنمية الصادرة عن United Nations Development Programme.
2. أدبيات التنمية ما بعد النزاعات الصادرة عن World Bank.
3. دراسات اقتصاد السلام وبناء الدولة الصادرة عن Organisation for Economic Co-operation and Development.
4. تقارير التنمية البشرية العربية الصادرة عن United Nations Development Programme.
5. أدبيات استشراف المستقبل والتنمية المستدامة الصادرة عن United


