مقالات وآراء

كيف تفقد المدن قلوبها؟

م. معاوية ماجد

ليست الحروب مجرد تبادل للعنف بين الجيوش، ولا مجرد انهيار في البنى التحتية أو تبدل في موازين السلطة، بل هي – في وجهها الأعمق والأشد قسوة – زلزال يصيب العلاقة الخفية بين الإنسان والمكان. فالمكان ليس حجارة وأسقفا وشوارع فحسب، بل ذاكرة حية، ومستودع طمأنينة، وامتداد نفسي وروحي للإنسان. وحين تضرب الحرب مدينة، فإن أول ما يتصدع – قبل الجدران أحيانا – هو ذلك الخيط الحميم الذي كان يجعل الإنسان يشعر بأن هذا الركن من الأرض يشبهه، ويعرفه، ويمنحه شيئا من السكينة.
في السودان، لم تكن الحرب الأخيرة مجرد مواجهة مسلحة أحرقت المدن وبددت العمران، بل كانت حدثا وجوديا عنيفا أعاد تشكيل معنى المكان نفسه. فالإنسان السوداني الذي خرج من بيته تحت وقع الرصاص، أو فر من حيه مذعورا، أو أغلق الباب للمرة الأخيرة دون يقين بالعودة، لم يكن يغادر جدرانا فقط، بل كان يغادر جزءا من ذاته. ولهذا بدا النزوح، في كثير من حالاته، أشبه باقتلاع بطيء للروح من تربتها القديمة.
لقد كانت البيوت السودانية، على بساطتها، تحمل معنى يتجاوز السكن. كانت فضاء للألفة، ورائحة للذكريات، ومسرحا لتفاصيل الحياة الصغيرة التي تصنع شعور الإنسان بالاستقرار. وكانت الأحياء أكثر من تجمعات عمرانية؛ كانت شبكة علاقات اجتماعية كثيفة، يعرف فيها الناس بعضهم بعضا، ويتقاسمون الخبز والخبر والحزن والفرح. ولهذا لم يكن الخراب الذي أصاب المدن خرابا بصريا فقط، بل خرابا نفسيا واجتماعيا عميقا.
فالحرب حين تدخل مدينة، لا تغير شكلها وحده، بل تغير “طاقتها” أيضا. الشوارع التي كانت تنبض بالحياة تصير مساحات موحشة، والبيوت المأهولة تتحول إلى أشباح، والمدارس تفقد أصوات الأطفال، والأسواق تفقد ضجيجها المألوف، وحتى الأشجار تبدو كأنها صارت شاهدة صامتة على فاجعة لا تعرف كيف ترويها. في لحظة ما، يصبح المكان مألوفا وغريبا في آن واحد؛ تعرفه العين، لكن القلب يتردد في الاعتراف به.
ولهذا فإن سؤال العودة إلى المدن بعد الحرب ليس سؤالا عمرانيا فحسب: هل البيت قائم أم مهدّم؟ وهل الماء والكهرباء متوفران؟ بل هو سؤال نفسي وإنساني أشد تعقيدا: هل ما يزال المكان قادرا على احتضاننا؟ وهل بقيت فيه أسباب الود التي تجعل الإنسان يطمئن إليه؟ أم أن الحرب زرعت فيه ما يكفي من الخوف والنفور ليصبح مجرد مساحة اضطرارية للعيش؟
في تجارب الشعوب الخارجة من الحروب، كثيرا ما تكون الصدمة الأولى عميقة إلى درجة تجعل الناس يخشون العودة حتى بعد توقف المعارك. فالمكان المصاب يحتفظ بندوبه النفسية كما يحتفظ الإنسان بندوبه. البيت الذي شهد موتا أو نهبا أو اقتحاما لا يعود بيتا بسهولة، والحي الذي تحولت شوارعه إلى مسرح للرعب لا يستعيد روحه بمجرد توقف إطلاق النار. فالأمكنة، مثل البشر، تحتاج إلى وقت كي تتعافى.
لكن مأساة السودان تبدو أكثر تعقيدا؛ لأن كثيرا من العائدين لا يعودون بدافع الحنين وحده، بل بدافع الضرورة. فالمدن التي نزحوا إليها ضاقت بأهلها وضيوفها، واللجوء طال أكثر مما يحتمل الاقتصاد والنفس معا، وموارد الحياة تقلصت، حتى أصبحت العودة – عند كثيرين – أقرب إلى قرار إجباري منها إلى اختيار حر. إنهم يعودون أحيانا لأن البدائل انتهت، لا لأن الخوف انتهى.
وهنا يظهر السؤال الكبير الذي ينبغي أن يشغل العقل السوداني كله: هل صارت الأمكنة تمتلك أدوات الجذب للعودة إليها؟
والإجابة المؤلمة أن كثيرا من الأماكن لا تزال تفتقد ذلك. فالمكان لا يجذب الإنسان بالجدران وحدها، بل بالأمان، وبالإحساس بالكرامة، وبإمكانية استئناف الحياة الطبيعية. فالمدينة التي لا مدارس فيها، ولا خدمات، ولا فرص عمل، ولا ذاكرة اجتماعية آمنة، تصبح مكانا للسكن المؤقت لا للحياة. والبيت الذي يعاد ترميمه دون ترميم شعور صاحبه بالأمان يظل ناقص المعنى.
ولذلك فإن إعادة إعمار السودان لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها عملية هندسية تقوم على الأسمنت والطوب والطرقات فحسب. إن أخطر خطأ يمكن أن نرتكبه هو أن نتعامل مع الأزمة باعتبارها مجرد ملف بنية تحتية؛ فالحقيقة أن ما تهدم في السودان أكبر من المباني: لقد تهدمت العلاقة بين الإنسان والمكان.
إن المطلوب اليوم مشروع وطني لإعادة الألفة، لا لإعادة الإعمار وحدها.
مشروع يبدأ من الاعتراف بأن الإنسان السوداني خرج من الحرب مثقلا بالصدمة، وأن المكان نفسه خرج مجروحا. وهذا يتطلب إعادة بناء الأحياء بوصفها مجتمعات لا كتلا إسمنتية، وإحياء الأسواق والمدارس والمساجد والحدائق باعتبارها فضاءات لاستعادة الإحساس بالحياة، وخلق برامج للدعم النفسي والمصالحة المجتمعية، لأن المكان لا يتعافى إذا ظل الناس يحملون خوفهم داخله.
كما أن العودة الحقيقية لا تصنعها الخطابات السياسية ولا النداءات العاطفية، بل تصنعها أسباب البقاء. فالإنسان لا يحب مكانا يشعر فيه بالإهانة أو الخوف أو العجز. وحين يجد الماء والكهرباء، والمدرسة والمستشفى، وفرصة الرزق، ويشعر بأن جاره ما يزال جاره، وأن الحي يستعيد إيقاعه القديم، تبدأ طاقة المكان في العودة ببطء، كأن الروح تسري في الجسد من جديد.
ربما لا تخاف المدن من الخراب بقدر ما تخاف من النسيان. فالبيوت المهدمة يمكن ترميمها، والطرقات يمكن أن تعود كما كانت، لكن الأصعب من إعمار الحجر هو ترميم الصورة التي انكسرت في قلب الإنسان عن مكانه. فالحرب لا تسرق الأشياء وحدها، بل تترك بين المرء ومدينته مسافة خفية من الخوف والارتياب.
ومع ذلك، لا تموت الأمكنة تماما. تظل، مثل الأمهات المتعبات، واقفة عند باب الذاكرة، تحفظ أسماء الغائبين، وتنتظر وقع خطاهم القديمة. لا لتستعيدهم كما كانوا – فقد غيرتهم الحرب، وغيرتها هي أيضا – بل لتبدأ معهم حياة جديدة أكثر حكمة، وأقل غرورا، وأكثر معرفة بمعنى الفقد.
ولعل خلاص السودان لن يبدأ يوم يعود الناس إلى بيوتهم فقط، بل يوم يعود الود بين الإنسان ومكانه؛ حين يفتح أحدهم بابا أغلقته الحرب طويلا، ثم يشعر – للمرة الأولى – أنه لم يعد غريبا في قلب مدينته.

تعليق واحد

  1. من أجمل ما كتب عن الحرب والمدن والمكان والإنسان
    وعي جديد يتشكل
    يقينا سيكون هو علاجنا مما سببته الحرب
    سدد الله خطاك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..