حين يتقاعد الوطن من أحلام ساسته

م. معاوية ماجد
ثمة أعمار لا تضيع دفعة واحدة، بل تتسرب بهدوء، سنة وراء سنة، مثل ماء خفيف يجد شقًا صغيرًا في جدار الروح، فيظل يتسلل بصبر حتى يكتشف الإنسان، ذات مساء متأخر، أن نصف عمره قد مضى وهو يركض، وأن كثيرًا من الأشياء التي منحها جهده وقلقه وأيامه لم تكن، في نهاية المطاف، تستحق كل ذلك الاستنزاف.
وربما كانت إحدى المفارقات العجيبة في الحياة أن الحكمة لا تأتي دائمًا من الكتب الكبيرة، ولا من الفلاسفة الذين يكتبون عن معنى الوجود، بل قد تأتي أحيانًا من جملة عابرة يقولها شخص عادي، ثم تستقر في الذهن على نحو غريب، كأنها لم تصل لتوها، بل كانت تنتظرنا منذ زمن طويل.
ذات مرة، حكى رجل عاش سنوات طويلة يعمل في ألمانيا عن ملاحظة بدت بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل شيئًا من الفلسفة الخفية للحياة. قال إن البشر ينقسمون، على نحو تقريبي، إلى نوعين: نوع يرى العمل جزءًا من الحياة، ونوع يرى الحياة جزءًا من العمل.
في البداية بدت الجملة كأنها مجرد مقارنة ثقافية بين شعوب تختلف في علاقتها بالوظيفة والانضباط والإنتاج. غير أن بعض الجمل تملك قدرة نادرة على النمو داخل العقل؛ تبدأ صغيرة، ثم تكشف مع الوقت طبقات أعمق من معناها، حتى تصبح سؤالًا عن العمر نفسه: هل نعيش لكي نعمل، أم نعمل لكي نعيش؟ وهل قيمة الإنسان فيما ينجزه فقط، أم فيما يبقى قادرًا على الاحتفاظ به من حياته وهو ينجز؟
الرجل حكى أيضًا عن موظف ألماني خبير في شركته، يعرف من تفاصيل العمل ما يجعل الجميع يلجأون إليه كلما تعثرت الأنظمة أو ضاعت الملفات أو استعصت الحلول. كان الرجل، بحكم خبرته، يبدو المرشح الطبيعي لأي منصب إداري أعلى، حتى إن زملاءه ومديريه افترضوا تلقائيًا أنه سيسعى يومًا إلى الإدارة.
لكن المفاجأة أنه لم يكن يريد المنصب أصلًا.
وحين سألوه عن السبب، ضحك بهدوء، ثم قال إن الفارق بين راتبه وراتب المدير لا يستحق الفارق في القلق، ولا ذلك الاستنزاف اليومي الذي يلتهم الأعصاب والعمر معًا. ثم أشار إلى مديره، وكانت عيناه مرهقتين على نحو يوحي بأن النوم لم يعد يقيم طويلًا في حياته، وقال جملة بقيت عالقة في الذاكرة:
في النهاية كلانا سيتقاعد، لكنني سأتقاعد من العمل فقط، أما هو فقد يتقاعد من الحياة.
وربما كانت قسوة الجملة هي ما منحها هذا القدر من الصدق.
لأنها لا تتحدث عن وظيفة فحسب، بل عن وهم قديم يرافق البشر في كل زمان: وهم الصعود المستمر، كأن كل قمة تستحق التسلق، وكأن كل ترقية انتصار، وكأن السلطة دائمًا مرادف للنجاح. بينما الحقيقة أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير؛ فليست كل القمم جديرة بما يُدفع لأجلها، وليس كل موقع أعلى يعني حياة أفضل، وبعض المكاسب تأتي أحيانًا على هيئة خسائر مؤجلة لا يكتشفها الإنسان إلا حين يلتفت وراءه فلا يجد من عمره إلا ما تبقى.
وكلما تذكرت تلك الحكاية، وجدت نفسي أفكر في السودان.
بلاد كاملة تبدو، منذ عقود، وكأنها عالقة داخل سباق طويل لا ينتهي، غير أن المشكلة ليست فقط في طول السباق، بل في طبيعته أيضًا. إذ يبدو أحيانًا أن كثيرًا من المتنافسين لا يركضون نحو المستقبل بقدر ما يركضون نحو المواقع التي تخول لهم امتيازات أكبر، فيما يظل الوطن نفسه، بما يحمله من تعب الناس وأحلامهم، واقفًا بعيدًا في الخلفية، ينتظر أن يلتفت إليه أحد.
في بلدان كثيرة، يبدو السؤال الذي يوجه إلى السياسي سؤالًا مباشرًا وبديهيًا: ماذا ستفعل لوطنك؟ أما عندنا، فكثيرًا ما يشعر المرء أن هناك سؤالًا خفيًا يتحرك تحت الطاولة السياسية، لا يقال بصوت مرتفع لكنه يحكم السلوك كله: ماذا سنأخذ نحن من الوطن؟
ومن هنا تبدأ الحكاية المؤلمة.
فالسياسة، التي يفترض أن تكون عبئًا أخلاقيًا ومسؤولية عامة ثقيلة، تحولت عند كثيرين إلى طريق مختصر نحو الامتيازات. لا بوصفها أداة لخدمة الناس، أو مساحة لبناء المؤسسات، أو وسيلة لصناعة مستقبل أكثر استقرارًا، بل باعتبارها سلّمًا للصعود الشخصي؛ تكبر معه السيارات، وتتسع الحراسة، وتكثر الامتيازات، وتُفتح الأبواب المغلقة، وتتسع شبكة المصالح كلما اقترب المرء من مركز القوة.
وهنا يحدث التحول الأخطر.
إذ يصبح الوطن، في لحظة يصعب تحديدها، مجرد خلفية بعيدة للصورة؛ شيء يشبه اللافتة الكبيرة المعلقة خلف الطامحين، لا الغاية التي خرجوا من أجلها أصلًا. وتتحول اللغة الوطنية الكبرى إلى نوع من الغطاء البلاغي الذي يسبق التفاوض الحقيقي حول النفوذ والمواقع وتقاسم المكاسب.
ولهذا، حين تنعقد الاجتماعات الكبيرة حول السودان، تبدأ الكلمات دائمًا واسعة ونبيلة: السلام، العدالة، وقف الحرب، الانتقال، إنقاذ الدولة، إعادة البناء، حماية المدنيين، صناعة المستقبل.
لكن شيئًا غريبًا يحدث بعد ذلك.
يتسرب المعنى ببطء.
يتحول السؤال شيئًا فشيئًا من: كيف ننقذ السودان؟
إلى: من يترأس؟ ومن يضمن موقعه في المرحلة القادمة؟ ومن يمتلك النفوذ الأكبر؟ ومن يخرج بالنصيب الأوسع من الكعكة السياسية؟
وهكذا نجد أنفسنا، مرة بعد أخرى، أمام المشهد ذاته: وطن ينتظر عند الباب، بينما أبناؤه يتجادلون طويلًا حول توزيع المقاعد.
هنا تحديدًا عادت إلى ذهني صورة الموظف الألماني.
ذلك الرجل خاف أن يستهلك المنصب ما تبقى من عمره، بينما يبدو بعض ساستنا، أحيانًا، مستعدين لاستهلاك أعمار شعوب كاملة في سبيل الاقتراب من الكرسي. الفرق أن الرجل طرح على نفسه سؤالًا شجاعًا: وإذا صعدت، ماذا سأفعل هناك؟ أما كثير من السياسيين عندنا، فيبدون وكأن السؤال الوحيد هو: كيف أصل؟
ولو كان الطريق مزدحمًا بأحلام الناس المكسورة.
لكن الإنصاف يقتضي أن نقول إن المشكلة لم تعد مجرد أخطاء أفراد، ولا يمكن اختزالها في فساد هذا السياسي أو جشع ذلك الحزب، لأنها مع الوقت تحولت إلى ثقافة سياسية كاملة، ترى السلطة غنيمة أكثر مما تراها مسؤولية، وترى الدولة موردًا للتقسيم أكثر مما تراها مشروعًا للبناء.
وربما لهذا تبدو خلافاتنا بلا نهاية.
فمن يختلف حول فكرة يمكنه، في لحظة عقلانية ما، أن يصل إلى تسوية. أما من يختلف حول الغنيمة، فإن الاتفاق نفسه يصبح مؤقتًا بطبيعته، لأن الخوف من الخسارة يظل حاضرًا داخل كل تحالف، والشك يسبق الثقة، والمصلحة تسبق الرؤية، حتى تبدو المصافحة نفسها محمولة على قلق مؤجل.
ولهذا ظل السودان، لسنوات طويلة، يدور داخل الحلقة ذاتها: وعود كبيرة، آمال واسعة، لحظة قصيرة من التفاؤل، ثم خيبة جديدة تعيد الجميع إلى نقطة البداية.
كأن البلاد تعيش على جهاز إنعاش سياسي لا يُطفأ أبدًا.
غير أن المشكلة لا تسكن النخب وحدها.
فنحن أيضًا، كمجتمع، لم نكن دائمًا أبرياء من إعادة إنتاج هذا الوهم الكبير. فقد صفّقنا طويلًا للقريب من السلطة أكثر مما احتفينا بخادم الناس، وربطنا النجاح أحيانًا بالنفوذ لا بالأثر، حتى صار المنصب، في المخيال العام، دليل قيمة اجتماعية، لا مجرد وظيفة عامة مؤقتة تُقاس بما تتركه من أثر في حياة الناس.
ولهذا فإن الحل لا يبدأ فقط بتبديل الوجوه، لأن تبديل اللاعبين داخل الفكرة القديمة لا يصنع لعبة جديدة.
الحل يبدأ حين تتغير الفكرة نفسها.
حين تصبح السياسة بابًا للخدمة لا للامتياز، وحين يصبح الخوف من السلطة فضيلة لا ضعفًا، وحين يسأل السياسي نفسه، قبل أن يسأل عن موقعه: ماذا سيبقى للبلاد بعدي؟ لا: ماذا سأخرج أنا به؟
فنحن لا نحتاج إلى رجال يعشقون الكراسي بقدر ما نحتاج إلى رجال يخشون ثقلها، ولا إلى من يطارد الضوء باستمرار، بل إلى من يستطيع أن يعمل بصمت، وأن يترك أثرًا أكبر من صورته.
فالبلاد، في نهاية الأمر، لا ينقذها دائمًا الأكثر ضجيجًا.
بل الأكثر صدقًا.
وكلما تأملت حال السودان، شعرت أحيانًا أن مأساته الكبرى ليست فقط في الحروب، ولا في الانقسامات، ولا حتى في الفقر الذي أثقل الناس وأتعب أرواحهم، بل في ذلك الركض الطويل خلف سراب الامتيازات؛ ركض لا يتعب أصحابه بقدر ما أتعب وطنًا كاملًا، حتى بدا المشهد كله مؤلمًا على نحو يصعب وصفه:
ساسة يركضون بلا توقف…
ووطن يقف في آخر الطريق، متعبًا، يلتفت وراءه بين حين وآخر، كمن يسأل بصوت خافت:
أما آن لأحد أن يختارني أنا هذه المرة؟
م. معاوية ماجد
Sent from صحيفة الراكوبة




ساسة يركضون خلف الامتيازات او لا، المشكلة في من اوكلت لهم الأمانة… أمانة حفظ القانون :
وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ ۚ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ ۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (92)
مصحف المدينة
https://madinaquran.com/d.html
بعد الثورة الوثيقة بعد غزلها… من اتخذ ايمانه دخلا و حنث باليمين!! من غدر و خدع من عاهدهم ليستبدل من عاهد باخرين؟ النتيجة: ان سقطتم في الاختبار بينما امركم وفاء بما عاهدتم. تأمل النتيجة بعد نقض الغزل انكاثا !!!!!!!
ان لم تجدوا لفرض و احترام القانون سبيلا فلا تحدثني عن شيئا اخر