حكاية (مان قولونق).. حين يرتدي الشر قناع الضحية..!

(خطرفات ذاتية)
بقلم: سايمون دينق
في الموروث الشعبي لدى بعض بطون الدينكا، وخاصة دينكا ريك وملوال، تتناقل الأجيال حكاية كائن أسطوري يدعى “مان قولونق”. تصفه الروايات بأنه مخلوق شديد القبح، وبلا أطراف، لا تعرف الرحمة قلبه، ولا يتورع عن إيذاء الناس. والأغرب من ذلك أنه يمتلك قدرة خارقة على تقمص دور الضحية، حتى يكاد يقنع ضحاياه ببراءته، وهو غارق حتى أذنيه في الإجرام والمكر.
ولكن ثمة مفارقة غريبة أيضا في اسم الكائن نفسه (مان قولونق)؛ فالدينكا عادة يطلقون لفظ “ما” على الأم، ولفظ “وا” على الأب، و”قولونق” يطلق على أي شيء مدردم يتدحرج على الارض مثل الكرة، ما يجعل معنى الاسم حرفيا هو “أم المتدحرج”، في حين تؤكد الرواية أن هذا الكائن كان ذكرا وليس أنثى. ولا ندري لماذا لم يسمى “وون قولونق” (أبو المتدحرج) وفقا للقاعدة اللغوية؟… هذا السؤال ظل لغزا عندي دون جواب حتى هذه اللحظة.
أما القصة، فتبدأ برجل خرج في سفر طويل برفقة أسرته الصغيرة، المكونة من زوجة غاية في الجمال، وابن وبنت. كانوا يشقون طريقهم سيرا على الأقدام عبر أدغال ممتدة، حتى أثقلهم التعب وأضناهم طول المشوار، فقرروا التوقف قليلا على جانب الطريق ليستعيدوا أنفاسهم.
وبينما كانوا يستريحون، انتبهت الزوجة إلى صوت تسلل إلى أذنيها… أنين خافت، متقطع، يشبه نهيق حيوان يحتضر.
فسألت زوجها:
هل هناك أحد في الجانب الآخر من الطريق؟ لقد سمعت صوتا غريبا.
نهض الرجل متوجسا، وتبعته الزوجة. وما إن اقتربا من مصدر الصوت حتى فوجئا بمشهد لم يألفاه من قبل… مخلوق ملقى على الأرض، بلا ذراعين، وهو يئن من شدة الوهن. بدت عليه آثار الجوع والعطش، وكان وجهه المنحوت أقرب إلى وجه القردة.
تقدم الرجل وسأله:
من تكون؟
أجاب بصوت مبحوح:
اسمي “مان قولونق”. أنا من بلاد بعيدة، خلف المكان الذي تغيب فيه الشمس.
سأله الرجل مجددا:
وكيف وصلت إلى هنا وأنت بلا أطراف تساعدك على التنقل؟
صمت المخلوق قليلا قبل أن يقول:
في الواقع، كنت مسافرا أنا أيضا برفقة أسرتي، تماما مثلك. الفرق فقط بيننا أن أولادي كانوا رجالا، لا أطفالا، وزوجتي هي الأخرى لا تضاهي زوجتك التي أراها أمامي جمالا. كان أبنائي يحملونني على ظهورهم، قبل أن يقرروا، لسبب أجهله، أن يتركوني ملقى على هذا الطريق ويمضوا مع والدتهم، ومنذ يومين وأنا أنتظر هنا مصيري المحتوم.
تأثر الرجل بما سمعه، ومال قلبه إلى الشفقة، فطلب من زوجته أن تحضر الماء والطعام، وجلس بنفسه يطعم ذلك المخلوق.
وحين قررا العودة إلى حيث الأطفال، ارتفع صوت “مان قولونق” متوسلا:
لا تتركوني هنا. خذوني معكم إلى أقرب بلدة من هنا، وسأبقى هناك لأتدبر شأني. لا تفعلوا هذا، أرجوكم!
توقف الرجل ونظر إلى المخلوق بعين الشفقة، ثم التفت إلى زوجته وقال:
صحيح، إن تركناه هنا قد نموت نحن من تأنيب الضمير أكثر مما يموت هو من العطش والجوع.
لكن الزوجة لم تكن مطمئنة أبدا، فقالت بحزم:
لا يمكن الوثوق بكائن مجهول لا نعرف أصله ولا فصله. فلا هو إنسان، ولا يشبه أي مخلوق آخر مألوف لدينا.
اشتد التوتر داخل العائلة، وحتى الطفلان، رغم صغرهما، كانا يشعران أيضا بأن في الأمر شيئا غير طبيعي. وغير ان الأب، مدفوعا بإنسانيته، كان قد اتخذ قراره؛ حمل “مان قولونق” على ظهره، وبدأت الرحلة.
كان الطريق شاقا، وزاد وجود مخلوق محمول على الظهر من صعوبته. ولم يعثروا على أي بلدة قريبة إلا في مساء اليوم التالي.
وعند الصباح، في سوق البلدة، أنزل الرجل المخلوق من ظهره حسب الاتفاق، ثم ودعه مقررا الرحيل هو وباقي أفراد أسرته.
لم تمض سوى لحظات، حتى دوى صوت “مان قولونق” في أرجاء السوق، وهو يصيح: النجدة!.. النجدة يا أهل المروءة!
وخلال دقائق، التف الناس حوله.
فقال لهم:
هل ترون ذلك الرجل الذي يبتعد رفقة تلك العائلة؟ تلك المرأة زوجتي، والطفلان هما أطفالي. أما هذا الرجل، فهو دخيل يريد أن يسلبني أسرتي. لقد أغوى زوجتي، وحرضها ضدي، وأقنع أطفالي كذلك بالتخلي عني. وهو الآن يخطط للهرب بهم.
وقف الرجل من بعيد مذهولا من هول الافتراء الذي يسمع، ثم صاح بأعلى صوته:
هذا المخلوق يكذب! هذه زوجتي، وهؤلاء أطفالي. لقد وجدناه في الأدغال وأشفقنا عليه.
أمر الحاضرون الأسرة بالعودة إلى المكان، ثم سأل أحدهم الزوجة وهو يشير بإصبعه إلى “مان قولونق”:
هل هذا زوجك؟
قالت دون تردد:
قطعا لا. لقد وجدناه وحيدا في الطريق، فساعدناه ليس إلا.
لكن “مان قولونق” زاد في كذبه، وقد أتقن دور المظلوم الذي يجيده، فصاح:
ألم أقل لكم إن هذا الرجل خطير وقد أغوى زوجتي؟ لقد سلبني حتى ولاء أسرتي، إنهم جميعا تحت تأثيره الآن.
تزايدت الحيرة، وبلغ الأمر سلطان البلدة. استمع إلى الجميع، لكنه لم يصدر حكما متسرعا بشأن من ستؤول إليه ملكية الأسرة المتنازع عليها، بل أمر بإيداع كل فرد في زنزانة منفصلة، ثم أسند مهمة التحقيق إلى ضابط عرف عنه الحنكة ورجاحة العقل، وقال له:
أريدك أن تتجسس عليهم جميعا عند منتصف الليل. استمع لما يقوله كل واحد منهم حين يظنون أن لا أحد يسمعهم داخل الزنازين، ثم ائتني بتقرير مفصل فور الانتهاء.
في الصباح، عاد الجندي إلى السلطان وقال له:
سمعت المرأة تبكي وهي تحدث نفسها: “لقد حذرت زوجي من هذا المخلوق، لكنه لم يسمع نصيحتي ولا نصيحة أطفاله. ترى ماذا سيحدث لنا غدا؟ وهل سيسلمني السلطان إلى ذلك الكائن؟”
وأضاف:وسمعت الرجل يلوم نفسه هو الآخر قائلا: “ليتني أصغيت إلى زوجتي وأطفالي. لقد جلبت المصيبة إلى بيتي بيدي.”
أما “مان قولونق”، فقد سمعته يضحك، والفرحة لا تسعه داخل الزنزانة، ويقول: أخيرا حصلت على المرأة التي تمنيت مثلها وعلى اطفال لم انجبهم.. فها هم الجميعا هنا يظنونني مسكينا وضعيفا، لكنهم سيدركون متأخرين من أكون حقا. فلتشرق شمس الغد.
في نهاية التقرير الشفاهي، أعطى السلطان أوامره للجنود بإخراج “مان قولونق” من الزنزانة لتنفيذ حكم الإعدام فيه، مع إطلاق سراح الأسرة.
وحين بزغ أول خيط من الضوء في الصباح، شعر “مان قولونق” بأن الأمور لا تسير كما خطط لها. فقد لاحظ أن حراسته أصبحت مشددة، وان جنود مسلحون أخرجوه إلى ساحة مفتوحة…. عندها قطع شكه باليقن أن أمره قد انكشف، وأن الموت يقترب.
أطلق صرخته الأخيرة، ثم بدأ يتدحرج على الأرض ككرة ضخمة، منطلقا نحو الأدغال بسرعة خارقة، حتى عجز الجنود عن إصابته بالرصاص، وتوارى عن الأنظار.
وصارت القصة مضربا للمثل إلى يومنا هذا، إذ يقولون عن كل من يجلب إلى حياته شخصا لا يعرف حقيقته، ثم ينقلب ذلك الشخص عليه:
“لقد جلب مان قولونق إلى نفسه.”
وفي الحقيقة، كم من “مان قولونق” يعيش بيننا اليوم في جنوب السودان؟
الفرق فقط أنهم لا يبدون مخيفين كما تصفهم الأسطورة، ولا تكشف وجوههم ما يضمرونه في صدورهم. إنهم يشبهون البشر تماما، لكنهم يتفوقون على ذلك المخلوق في قدرتهم على الكذب، والتلاعب بالعواطف، وارتداء هيئة الضحية وهم مجرمون. وحين تُكتشف حقيقتهم، يكون الأوان قد فات.
فهل سيأتي يوم يفر فيه “مان قولونق المعاصر” في بلادنا كما فر سلفه إلى الأدغال؟ أم أن الحكمة التي أنقذت تلك الأسرة ستجد طريقها إلينا قبل فوات الأوان؟
لله درنا…
وألقاكم




رائع جداً أخي سايمون
قصص التراث لها الكثير ممن يستسيغونها و يستمتعون بها .حتى و على المستوى العالمي