مقالات وآراء

العلم والإيمان: هل يلتقيان؟ (٢-٢)

لقد شكّل النص المقدس الذي استُخدم في تفسير حركة الكون حجر عثرة أمام أفكار كوبرنيكوس، رغم أنه كان محقاً في استنتاجه بأن الأرض تدور حول الشمس، وليس العكس كما كان سائداً في التصور البطلمي.
ويشبه ذلك بعض التصورات القديمة التي نشأت من الملاحظة المباشرة، مثل الاعتقاد بأن الشمس تتحرك حول الأرض لأنها تبدو كذلك للعين المجردة.
والمدهش أن الفلكي البولندي نيكولاس كوبرنيكوس لم يسعَ إلى تقويض الإيمان الديني، بل كان هدفه الأساسي إظهار عظمة الخالق من خلال الكشف عن النظام الدقيق للكون.
وقد أمضى أكثر من ثلاثة عقود في دراسة فرضياته الرياضية والتأكد من صحتها، مدركاً في الوقت نفسه أنه يواجه منظومة فكرية راسخة تقوم على فلك بطليموس ومنطق أرسطو، وهي منظومة هيمنت على العالم القديم لقرون طويلة وقدّمت تفسيرات تتوافق مع ما يراه الإنسان مباشرة، ثم اكتسبت مع الزمن هالة من القداسة.
وفي عام 1542 أصيب كوبرنيكوس بسكتة دماغية أفقدته القدرة على الدفاع عن أفكاره.
وعندما نُشر كتابه الشهير «حول دوران الأجرام السماوية»، أضيفت إليه مقدمة من أحد رجال الدين توحي للقارئ بأن ما ورد فيه مجرد فرضيات رياضية تهدف إلى تحسين الحسابات الفلكية والتقويم، لا إلى وصف الواقع الفعلي للكون.
وقد ساهم ذلك، إلى جانب معارضة المؤسسات الدينية، في تأخير انتشار أفكاره لعقود طويلة.
ولم يقتصر الرفض على الكنيسة الكاثوليكية، بل امتد إلى بعض رموز الإصلاح البروتستانتي، مثل مارتن لوثر وجون كالفن، اللذين اعتبرا نظريته خروجاً على المألوف الديني.
ويبدو أن تردد كوبرنيكوس في نشر اكتشافاته خوفاً من ردود الفعل الدينية ساهم هو الآخر في تأخير الاعتراف بأهمية إنجازه العلمي.
غير أن المفارقة تظهر بصورة مختلفة مع تشارلز داروين، الذي تأخر بدوره سنوات طويلة قبل نشر أفكاره حول التطور.
فقد منح هذا التأخير خصومه فرصة واسعة لمهاجمة نظريته، لكنهم لم يستطيعوا التشكيك في نزاهته العلمية أو في صحة الملاحظات والعينات التي جمعها خلال رحلته على متن السفينة “بيغل”، لأن المجتمع الإنجليزي كان يعرف مكانته العلمية والاجتماعية وانحداره من أسرة محترمة و”متدينة”، حتى وإن رفض كثيرون استنتاجاته بشأن أصل الأنواع.
وهناك مفارقة أخرى أكثر أهمية بالنسبة لنا في العالم الإسلامي، تتعلق بقدرة التنوير الأوروبي على تجاوز هيمنة المنطق الأرسطي الذي سيطر على الفكر الإنساني قروناً طويلة.
فقد جاء الفيلسوف الإنجليزي فرانسيس بيكون، بعد كوبرنيكوس بنحو قرن من الزمان، ليطرح في كتابه «الأورغانون الجديد» (Novum Organum) نقداً جذرياً للمنهج الأرسطي القائم على الاستنباط deductions من الكليات والبديهيات إلى الجزئيات.
رأى بيكون أن المعرفة لا ينبغي أن تُبنى على القياس المنطقي وحده، بل على الملاحظة الدقيقة والتجربة المتكررة واستخلاص القواعد العامة من الوقائع الجزئية.
ومن هنا دعا إلى منهج الاستقراء inductions، أي الانتقال من الخاص إلى العام، مع إخضاع النتائج للاختبار والتحقق المستمر.
وقد أسهم هذا التحول المنهجي في وضع الأساس الذي قامت عليه العلوم الحديثة.
أما في العالم الإسلامي، فقد ترسخ المنطق الأرسطي بعد ترجمة مؤلفات أرسطو، وأصبح جزءاً من البنية المعرفية لكثير من المدارس الفقهية والكلامية.
ورغم ما قدمه من أدوات مهمة للتفكير، فإن هيمنته الطويلة حدّت أحياناً كثيرة من تطور المناهج التجريبية والقدرة على التفكير والتأمل والشك بدلا عن بدهية اليقين، وهو أثر ما تزال بعض مظاهره حاضرة في الثقافة الفكرية حتى اليوم.

‫3 تعليقات

  1. الكاتب يشكر علي اجتهاده لتثقيف القاريء وتسليط الضوء علي موضوع علمي مهم ولكنه انتهي بإطلاق احكام جزائية بغير تروي او حذر ودقة علمية….الطريقة العلمية scientific method المحايدة والمعتمدة علي قواعد المشاهدة والقياس والتكرار مؤسسها باتفاق معظم المؤرخين هو العالم الإسلامي ابن الهيثم الذي وضع لها قواعد دقيقة في كتابه المشهور المناظير، الذي بين فيه ان العين يصلها انعكاس الضوء لتري وأنها لا تطلق إشعاع الضوء كما كان سائدا (نسبة للفكر الشائع وقتها عن الإنسان والأرض مركز الكون كما أشار اليه كاتب المقال الذي رغم اجتهاده، يعاب عليه عدم استخدام الطريقة العلمية في البحث قبل إصدار الأحكام التاريخية)!!
    وابن الهيثم كان ناقدا لافكار بطليموس وله كتاب مشهور اسمه التشكيك في بطليموس!! المفكر روجر باكون Roger Bacon تاثر به كثيرا من فترة طويلة قبل فرانسيس باكون Francis Bacon الذي ذكره كاتب المقال! وكذلك تاثر كبلر Kepler بافكار ابن الهيثم في ارساء اسس الطربقة العلمية، و كبلر Kepler هو سابق لكوبرنيكوس Copernicus الذي ذكره كاتب المقال حتي في مجال الفلك! و كبلر Kepler و كوبرنيكوس Copernicus وحتي نيوتن Newton لاحقا اعتمدوا علي قياسات علماء المسلمين الاوائل الفلكية الدقيقة لحركة الكون والنجوم علي مدي عقود طويلة…واختراعات مثل الاسطرلاب الذي كان كمبيوتر عهده لإجراء الحسابات الفلكية الدقيقة بغرض البحث العلمي ولأغراض معرفة أوقات الصلاة والصيام بدقة! ولذلك قال نيوتن مقولته المشهورة “نري بعيدا لأننا نقف علي اكتاف عمالقة”!
    كاتب المقال يسقط سيطرة الكنيسة في القرون الوسطي علي أوروبا الشمالية ومحاربتها للعلم واتهامات الشعوذة والسحر لجاليلو Galileo Galleli وغيره علي العالم الأسلامي وقتها، بينما كانت الحضارة الإسلامية في أوروبا الجنوبية تضع الأسس الفلسفية للعلوم الحديثة بعمالقة مثل ابن رشد وابن سينا والفارابي في الأندلس، وفي بغداد تنشئ دار الحكمة وتشجع العلوم والفلسفة والجبر والرياضيات التجريدية الحديثة!!
    لا ادري من اين استقي كاتب المقال خلاصاته الفطيرة عن عدم تطور العلوم في عهد النهضة الاسلامية الإنسانية، وإسقاطه التبسيطي (لعصور الظلام والإضطهاد الديني الأوروبية) الجزافي عليها، بأسلوب يخالف اسس الطريقة العلمية التي يتحدث عنها بكل ثقة وبجهل واضح بكيفية تطبيقها عمليا!!! هذا الرد ليس الغرض منه تعظيم ثقافة او تصغير اخري، ولكن النظر الي تاريخ تطور العلوم والطريقة العلمية بنظرة محايدة (وبمنهج علمي)، عكس النظرة الغربية الحديثة الضيقة التي تعظم من دور علماء أوروبيين وتربطهم بآخرين من فلاسفة وعلماء الاغاريق القدماء ولكن بتهميش الدور المحوري والمساهمة الضخمة للحضارة والعلماء المسلمين، الذين نشأوا في ثقافة وفي ظل دين مشجع للعلوم والقراءة والتفكير!

  2. تاريخ الطريقة العلمية:
    نفس الدفاع المكرر عن ما يسمى بالحضارة الاسلامية ،،ناسيا عدم وجود حضارة دينية اصلا ولو وجدت حقا حضارة اسلاميا لراينا مكة والمدينة تناطحان باريس فرنسا ولندن بريطانيا وبرلين المانيا ،، ونذكر هذا الاسلامي النزعة ان الاسلام دمر حضارات هائلة وضخمة ممتدة من فارس مرورا ببيزنطا وانتهاء بالحضارة الفرعونية والنوبية والامازيغية،، ومن ذكرتهم من المسلمين كانو نتاج هذه الحضارات الضخمة ولم تكن لهم صلة باسلام غار حراء ،،الاسلام كدين هو بالضرورة ضد العلم فكل هؤلاء الذين ذكرتهم من العلماء بفخر اسلامي كانو مصطهدين حتى قبورهم ،، الدين والعلم نقيضان لا يجتمعان ،، الايمان هو التصديق دون ادلة ،، والعلم لا يمكن ممارسته الا بالادلة ،، عندما تناقش العلم سيسمو بك العالم وتكتسب من الفخر والجوائز ما تشاء وعندما تناقش الدين سيخسف بك الارض وقد تقتل حدا

  3. الموضوع ما فخر او زعل وهلال مريخ، كيزان وشيوعيين، ودعم سريع وجيش واك ويك…ارتقي بالحوار شوية…أنا ذكرت اسماء ووقائع واضحة وبمنهج علمي منطقي واضح، مساهمة الحضارة الإسلامية والتسامح الديني وتشجيع العلم والعلماء في الأندلس وبغداد دي حقائق، الموضوع عن التاريخ وتطور الطريقة العلمية ومن كان خلفها ومن مؤسسيها…وتأثير الدين علي مسار التطور…ده موضوع المقال الأصلي..نقطتي ببساطة انه السياق التاريخي في أوروبا في ظل سيطرة الكنيسة تاريخيا في القرون الوسطي مختلف عن السياق في الدول الإسلامية في ذلك الوقت..فلو امكن اذكر وقائع تاريخية تنفي محورية المساهمات العلمية لعلماء مسلمين أرسو قواعد معظم العلوم والرياضيات والطب والفلسفة الحديثة! كونه الوضع اتغير في العصر الحديث لا يغير الحقائق التاريخية (هو أصلا اسمه تاريخ، ما حاضر!). يعني حسب منطقكك مصر مثلا ليس لها اي تاريخ او مساهمة حضارية لانها لا تستطيع مناطحة (ما فهمت ديل تيران ولا شنو) لندن وباريس!! لو عايز اكتب مقال عن تدهور الفكر في الدول الاسلامية من تلك المكانة العالية تاريخيا، واشرح الاسباب بدعومات تاريخية عشان الناس تستفيد بدل التجريف الاشتر ده!
    بالمناسبة لندن دي أنا عايش فيها وبدرس طلبتها وببحث في جامعاتها وبمارس الطريقة العلمية في المعمل يوميا…فاهدأ شوية وخلي نقاشك علمي!! المفارقة انه طريقة نقاشك وتفكيرك من تعليقك واضح انها مغرقة في الطريقة المنغلقة السائدة حاليا في الدول الانت بتنتقدها وانت خير ممثل لها عمليا! (الكيزان مثالا…وملحدي السودان لا يختلفون عنهم كثيرا في الغوغائية والاستعلاء الأجوف…وجهان لعملة دوغمائية واحدة)…!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..