مقالات وآراء

الابتزاز المتبادل بين الحركات المسلحة والبرهان.. حين تحكم المصالح لا المبادئ من ينجح في فرض شروطه على الآخر؟

أواب عزام البوشي

في السودان، لا يمكن فهم الحرب الجارية بمعزل عن السياق الذي سبقها، ولا يمكن قراءتها باعتبارها صراعًا تقليديًا بين جيش ودعم سريع. ما يحدث اليوم هو امتداد مباشر لبنية سياسية وعسكرية تشكلت عبر عقود من حكم الإسلاميين، حيث تداخلت الدولة مع السلاح، وتحولت السلطة إلى شبكة مصالح، وأصبح معيار البقاء هو القدرة على المناورة لا الالتزام بالمبادئ.

منذ اللحظة الأولى لانفجار الحرب، لم يكن أي طرف يمتلك مشروعًا وطنيًا متماسكًا، بل تحرك الجميع داخل مساحة واسعة من الحسابات الأمنية والسياسية، التي تحكمها موازين القوة لا اعتبارات الدولة.

بداية الحرب.. حذر الحركات وارتباك الجيش

عند اندلاع القتال في أبريل 2023، اتخذت الحركات المسلحة موقفًا حذرًا، وفضّلت التريث وعدم الانخراط المباشر في المواجهات، مكتفية بمراقبة تطورات المشهد وانتظار اتضاح اتجاه الحرب.

في تلك المرحلة، كان الجيش في وضع عسكري معقد داخل الخرطوم، بينما كانت قوات الدعم السريع تتمركز داخل العاصمة وتمتلك زمام المبادرة الميدانية في عدد من المواقع. هذا الوضع خلق حالة من الضغط الكبير على القيادة العسكرية، ودفعها للبحث عن توسيع دائرة التحالفات بسرعة.

التحالف تحت الضغط.. دخول الحركات مقابل الثمن

في ظل هذا التوازن المختل، تواصلت قيادة الجيش مع عدد من الحركات المسلحة وطلبت منها الدخول في القتال إلى جانبها. لم يكن القرار ناتجًا عن رؤية استراتيجية لبناء دولة، بل عن حاجة ميدانية عاجلة لكسر الضغط العسكري.

الحركات المسلحة وافقت على المشاركة في القتال، لكن وفق معادلة واضحة منذ البداية: مشاركة عسكرية مقابل مكاسب سياسية ومالية داخل الدولة.

وبذلك نشأت شراكة قائمة على التبادل :
الدم في الجبهات مقابل النفوذ في السلطة، والميدان مقابل الوزارات، والسلاح مقابل مواقع القرار .

كما لم يكن العامل المالي غائبًا عن هذه المعادلة، حيث ارتبطت المشاركة في العمليات العسكرية بترتيبات دعم وإسناد عززت من طبيعة العلاقة القائمة على المصالح المتبادلة أكثر من كونها شراكة وطنية.

بعد تغير موازين الحرب.. إعادة ترتيب المشهد

مع تطور الحرب وانسحاب قوات الدعم السريع من الخرطوم وعدد من المناطق، ثم تمركزها في دارفور، بدأت موازين القوة تتغير تدريجيًا على الأرض.

في المقابل، أعاد البرهان تموضعه في بورتسودان، وشرع في إعادة ترتيب المشهد العسكري والسياسي داخل الدولة، مستفيدًا من التحولات الميدانية.

لكن هذا التحول فتح الباب أمام مرحلة جديدة من التوتر داخل معسكر السلطة نفسه، حيث بدأت تظهر الخلافات حول شكل إدارة الدولة وتوزيع النفوذ بين الشركاء.

الوزارات السيادية.. نقطة تفجر الخلاف

أحد أبرز نقاط التوتر تمثل في ملف الوزارات ذات الطابع السيادي والاقتصادي. فالحركات المسلحة تتمسك باستمرار نفوذها داخل الحكومة، خصوصًا في الوزارات المرتبطة بالمال والموارد والخدمات، باعتبارها جزءًا من التفاهمات التي دخلت بها الحرب.

في المقابل، بدأ البرهان الدفع باتجاه إعادة توزيع السلطة التنفيذية، وتقليص الدور التنفيذي المباشر للحركات، مع طرح فكرة تحويل بعض المواقع إلى مناصب رمزية أو تشريفية.

هذا التحول قوبل برفض واضح من الحركات المسلحة، التي اعتبرت أن ذلك يمثل إعادة صياغة غير متفق عليها لمعادلة الشراكة.

البرهان وإعادة ضبط مراكز القوة داخل الدولة

بالتوازي مع الخلاف السياسي، تشير تقديرات سياسية إلى أن البرهان بدأ في إعادة هندسة مراكز القوة داخل المؤسسة العسكرية، عبر تقليص نفوذ بعض التيارات داخل الجيش وإعادة ترتيب القيادات بما يضمن له مركز قرار أكثر إحكامًا.

هذه الخطوات تُقرأ باعتبارها محاولة لتجميع السلطة التنفيذية والعسكرية في يد مركز واحد، في ظل غياب مؤسسات مدنية قادرة على ضبط التوازنات.

لكنها في الوقت ذاته تعكس استمرار نفس المنطق الذي حكم الدولة لعقود: إدارة السلطة عبر السيطرة لا عبر المؤسسات.

الحركات المسلحة.. من الشراكة إلى الضغط

في المقابل، لم تخرج الحركات المسلحة عن نفس دائرة المنطق القائم على النفوذ. فهي تتمسك بمواقعها داخل الدولة ليس باعتبارها جزءًا من مشروع إصلاح سياسي، بل باعتبارها مكاسب تم الحصول عليها عبر المشاركة في الحرب.

ومع كل محاولة لإعادة الترتيب، تتحول هذه المواقع إلى أوراق ضغط في مواجهة الدولة، ما يعمّق حالة التوتر داخل معسكر السلطة ذاته.

الفوضى المؤسسة.. أصل الأزمة المستمرة

ما يجمع كل الأطراف اليوم هو أنهم يتحركون داخل نفس البنية التي أنتجت الأزمة منذ البداية. فالدولة التي تم تفكيك مؤسساتها لصالح شبكات السلاح والتحالفات المؤقتة خلال عقود الإسلاميين، لا تزال حتى اليوم تعمل بنفس الأدوات القديمة.

ولهذا، فإن ما يبدو صراعًا بين أطراف متنافسة، هو في جوهره إعادة إنتاج لنفس النظام، ولكن بوجوه مختلفة وتوازنات متغيرة.

من يفرض شروطه في النهاية؟

في ظل هذا الواقع، لا يبدو أن أي طرف قادر على فرض شروطه بشكل كامل. فالبرهان يحاول توسيع نطاق سيطرته على القرار التنفيذي والعسكري، بينما تتمسك الحركات المسلحة بنفوذها داخل الدولة، وكلاهما يستخدم أدوات القوة المتاحة له.

لكن الحقيقة الأعمق أن الطرفين محكومان ببنية واحدة، تجعل الصراع بينهما أقرب إلى إدارة تناقضات داخل نظام واحد، لا مواجهة بين مشروعين متباعدين.

وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا:
من الذي يمكنه أن يفرض شروطه على الاخر؟ أم أن الفوضى التي صنعتها هذه البنية ستظل هي التي تفرض شروطها على الجميع؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..