مقالات وآراء

رحلتي إلى النيل الأبيض.. جمال الطبيعة وسماحة الإنسان السوداني

زكريا علي عبد الرسول

في الطريق إلى ربك، كانت الرحلة، أشبه بمدخلٍ إلى مشهدٍ إنساني واسع، تتدرج فيه المدن والقرى  من القطينة ،الدويم إلى الكوة — كأنها شريط واحد من الدفء الاجتماعي الممتد على ضفاف النيل الأبيض. هناك، لا تبدو الجغرافيا مجرد مسافات تُقطع، بل فضاءً مفتوحاً تتجلى فيه أرقى صور التآلف الإنساني، حيث تختلط الوجوه والقصص والظروف في نسيج واحد، عنوانه البساطة والكرم وسماحة المعشر.
وفي مدينة ربك على وجه الخصوص، يتأكد للزائر أن ما يراه ليس مجرد استضافة عابرة لظرف استثنائي، بل ثقافة راسخة من الاحتواء والتعايش، تجعل من الإنسان قيمة مركزية تتقدم على كل اعتبار. إنها مشاهد لا تحتاج إلى كثير شرح، بقدر ما تحتاج إلى إنصات عميق لنبض مجتمع ما زال يحتفظ بقدر كبير من نقاء العلاقات وصدقها، حتى في أحلك اللحظات.
وفي ظل الحرب التي دفعت آلاف السودانيين إلى النزوح القسري، برزت مدن ولاية النيل الأبيض، وعلى وجه الخصوص كوستي وربك، كفضاء إنساني مفتوح احتضن موجات النزوح بروح اجتماعية لافتة، أعادت تشكيل العلاقة بين الوافدين والمجتمع المحلي على أساس من التضامن والتكافل أكثر من كونه مجرد استضافة مؤقتة.
الانطباعات الأولى التي يحملها النازحون من تلك المدن تكاد تتشابه في جوهرها، رغم اختلاف التجارب الفردية؛ إذ يصف كثيرون طبيعة الاستقبال بأنها اتسمت بالدفء والبساطة والقبول غير المشروط. لم يكن القادمون غرباء بالمعنى الاجتماعي الحاد، بل وجدوا أنفسهم في فضاء اجتماعي مفتوح، يتقاسم معهم السكان المحليون ما توفر من ضروريات الحياة، في وقت شحّت فيه الموارد وضاقت فيه سبل العيش على الجميع.
في كوستي وربك، لم يتوقف الأمر عند حدود الإيواء أو المساعدة الطارئة، بل تجاوز ذلك إلى صور متعددة من التكافل اليومي: تقاسم الطعام، إتاحة السكن، والمشاركة في الأعباء المعيشية. هذه الممارسات لم تكن منظمة بالضرورة، لكنها انبثقت من بنية اجتماعية راسخة تقوم على قيم الجيرة والمروءة وإدراك معنى الشدائد المشتركة.
ومع مرور الوقت، بدأ يتحول هذا الاحتكاك الإنساني إلى حالة من الاندماج الاجتماعي التدريجي، حيث تلاشت كثير من الفواصل النفسية بين “النازح” و“المقيم”. فالحياة اليومية، بمتطلباتها وضغوطها، خلقت نوعاً من التعايش الذي خفف من وطأة الغربة، وقلل من الإحساس بالعزلة الذي يصاحب عادة تجارب النزوح.
الأهم من ذلك أن هذه التجربة أعادت تعريف مفهوم الانتماء في لحظة استثنائية من تاريخ البلاد؛ إذ لم يعد الانتماء مرتبطاً بالمكان الأصلي فقط، بل أصبح أيضاً مرتبطاً بالمكان الذي يمنح الأمان ويصون الكرامة ويشاركك تفاصيل الحياة اليومية. وهكذا، وجد كثير من النازحين في كوستي وربك امتداداً إنسانياً لوطنهم، لا بديلاً عنه، بل جزءاً منه في صورته الأكثر بساطة وصدقاً.
ما لفت نظري أيضاً في مدينة الكوة كان ذلك التفصيل البسيط في ظاهره، العميق في دلالته؛ عنوان بارز لمحل تجاري كُتب عليه بخط عريض: “أبو جلدي”. اسمٌ لا يبدو للوهلة الأولى سوى تسمية محلية عابرة، لكنه سرعان ما يفتح باباً واسعاً للذاكرة والأسئلة.
فهذا الاسم يحيل إلى قرية في أقصى غرب السودان، “أبو جلدي”، المرتبطة في الذاكرة الاجتماعية برمزية خاصة، إذ تحتضن مرقد الميرم كلتومة نونو، والدة السلطان علي دينار، بما تحمله من حضور تاريخي وروحي في وجدان دارفور وذاكرتها الجمعية.
أن يظهر هذا الاسم في الكوة، في قلب النيل الأبيض، كان مشهداً لافتاً ومثيراً للتأمل؛ كأن الجغرافيا السودانية، رغم اتساعها، تعيد وصل أطرافها عبر الذاكرة الشعبية وحركة الناس وامتداداتهم الاجتماعية غير المرئية.
وهو ما يؤكد في جوهره معنىً عميقاً ظلّ حاضراً في التجربة السودانية عبر الزمان؛ أن السوداني أينما حلّ وارتحل يظل سفيراً حياً لمنطقة منشئه، يحمل ملامحها الثقافية وطباعها الاجتماعية وذاكرتها الجمعية، ويعيد إنتاج صورتها في المكان الجديد عبر سلوكه اليومي وعلاقاته مع الآخرين.
فلا يغادر الإنسان بيئته بمعناها الرمزي حتى وإن ابتعد عنها جغرافياً، بل يظل ممتداً إليها بقدر ما يحمله من قيمها وتقاليدها وطرائقها في التعامل مع الحياة. وهكذا تتحول الأسماء والعادات وحتى أبسط التفاصيل إلى جسور غير مرئية تربط بين أطراف البلاد، وتؤكد أن التنوع السوداني ليس تشتتاً، بل شبكة من الامتدادات الإنسانية المتداخلة.
إنسان النيل الأبيض، في مدنه وأريافه، يظل نموذجاً لافتاً في القدرة على تحويل الأزمة إلى مساحة للتكافل، وعلى إعادة إنتاج المعنى الإنساني في أوقات الانكسار، في مشهد يعكس تماسكاً اجتماعياً نادراً في ظل ظروف اقتصادية وأمنية ضاغطة.
وفي المحصلة، يمكن القول إن ما جرى في ولاية النيل الأبيض لم يكن مجرد استجابة ظرفية لأزمة نزوح، بل كان اختباراً عملياً لصلابة النسيج الاجتماعي السوداني، الذي رغم كل ما يمر به من ضغوط، ما زال قادراً على إنتاج مساحات واسعة من التعاطف الإنساني وإعادة ترميم الشعور بالانتماء في أصعب اللحظات.
تحياتي

تعليق واحد

  1. اقتباس :
    (في كوستي وربك، لم يتوقف الأمر عند حدود الإيواء أو المساعدة الطارئة، بل تجاوز ذلك إلى صور متعددة من التكافل اليومي: تقاسم الطعام، إتاحة السكن، والمشاركة في الأعباء المعيشية. هذه الممارسات لم تكن منظمة بالضرورة، لكنها انبثقت من بنية اجتماعية راسخة تقوم على قيم الجيرة والمروءة وإدراك معنى الشدائد المشتركة.).. نهاية الاقتباس.
    …… ……. …… ….
    يا تري لو تغير الحال واستجار مواطني النيل الابيض،من كوستي،ربك، الكوة بدارفور ،بلدا وشعبا، كيف سيكون استقبالهم في ابوجلدي، كرنوي،الطينة، الضعين،كتم، عدالغنم،المجلد ،نيالا،،؟؟.
    الاجابة معروفة للجميع..

    دارفور خالية تماما من شعوب بلاد النيلين، تم افراغها منهم عن طريق العنف، والابتزاز، أي جلابي في دارفور يعتبر غنمية ،يتم خطفه وابتزاز اهله لدفع المبالغ الطائلة لاطلاق سراحه

    استاذ زكريا الفجوة الحضارية بين بلاد النيلين،ودارفور هوة سحيقة لا يمكن رتقها، شعوب بلاد النيلين لها ارث عريق وحضارة ضاربة في جذور التاريخ ،مقارنة بالمجتمعات الدارفورية،الرعوية،الممعنه في البداوة و القبلية، والتي تتصارع في كل شيء الحواكير ،الانعام،الماء ،الكلأ،الكل يأخذ حقه وحق غيره بقوة السلاح، لعلعة الرصاص فوق صوت القانون.

    …يبدو ان ترلة دارفور المعطوبة تسعي وبكل قوة الي جر بلاد النيلين الي مستنقع الجهل والتخلف،الذي تقبع فيه منذ بدء الخلق،وهذا الرابط الهلامي بين بلاد النيلين، ودارفور لابد من قطعه، ليمضي كل منا في حاله،

    ويبقي خيار تقسيم السودان هو الخيار الذي لا بديل له.

    واخر دعوانا للدارفوريين( اذهبوا فأنتم الطلقاء).

    ….. التقسيم. سمح… . ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..