حين يصبح هدم الأصنام صنماً جديداً: من نقد الرموز إلى محاكمة الذاكرة الإبداعية
عبد العزيز أبو عاقلة

ليست المشكلة في أن نعيد قراءة رموزنا الثقافية، فالأمم التي تثق بنفسها لا تخاف من مراجعة تاريخها، ولا تخشى الاقتراب من الشخصيات التي صنعت أثرًا في وجدانها. بل إن الثقافة الحية لا تعرف القداسة، لأن كل منجز إنساني يبقى مفتوحًا للنقد والمساءلة. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول النقد من تفكيك الأفكار إلى إصدار الأحكام، ومن قراءة التعقيد التاريخي إلى البحث عن إدانة شخصية جاهزة.
فبعض القراءات المعاصرة التي تتناول الطيب صالح لا تكتفي بمناقشة نصوصه أو تحليل مشروعه الروائي، بل تنقل الكاتب من فضاء الأدب إلى قاعة محاكمة سياسية وأخلاقية وشخصية كاملة، وكأن المطلوب ليس فهم تجربة أدبية شديدة التعقيد، وإنما إثبات تهمة مسبقة. وهنا يظهر الخلل المنهجي الأساسي: الخلط بين الكاتب وشخصياته، وبين الرواية والسيرة، وبين الموقف الفردي الشخصي والقيمة الإبداعية.
فالطيب صالح لم يقدم نفسه كمفكر سياسي أيديولوجي يكتب برنامجًا سياسيًا أو بيانًا او يوثق تاريخ وطن ، بل كان روائيًا. والروائي العظيم لا يكتب العالم كما ينبغي أن يكون مثاليا بل كما هو: مليئًا بالتناقضات والهشاشة والضعف والأسئلة المفتوحة. لذلك فإن شخصياته ليست اعترافات شخصية للمؤلف، ولا يمكن التعامل معها كأنها بيانات سياسية موقعة باسمه.
إن مصطفى سعيد، الشخصية الأكثر شهرة في أعماله، ليس بطلًا ناصعًا ولا شيطانًا مكتملًا، بل هو مأزق إنساني كامل: رجل خرج من فضاء استعماري محملًا بلغة المستعمر ومعرفته وسلطته، ثم عاد وهو يحمل جرح تلك العلاقة في داخله. قوته الأدبية ليست في أنه يقدم إجابة سياسية مباشرة، بل في أنه يكشف التمزق الذي تركه الاستعمار داخل الإنسان نفسه.
وهنا يصبح السؤال: هل نقرأ الأدب باعتباره وثيقة إدانة أم باعتباره مساحة تكشف التعقيد؟ لأن تحويل الرواية إلى محكمة يجعلنا نفقد جوهرها. لقد أشرنا من قبل إلى أن الرواية الكبرى تقوم على تعدد الأصوات، وأن الكاتب لا يلغي شخصياته بأحكامه الخاصة، بل يتركها تتكلم وتتصارع. لذلك فإن وجود التناقض داخل النص ليس بالضرورة عيبًا في الكاتب، بل قد يكون دليلًا على عمق العمل.
أما الاستشهاد ببعض المواقف التاريخية للكاتب، فهو أمر مشروع إذا كان الهدف فهم الإنسان في سياقه، لكنه يصبح إشكاليًا عندما يتحول إلى مفتاح وحيد لإلغاء كل ما عدا ذلك. فالإنسان ليس لحظة واحدة من حياته، والمثقف ليس مجموع أخطائه فقط. كما أن الحكم على أي شخصية عامة يحتاج إلى قراءة كاملة للسياق التاريخي والسياسي، لا إلى انتقاء وقائع منفصلة ثم بناء سردية نهائية حولها.
ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين الحقيقة والتأويل. فبعض القصص التي تُتداول حول الشخصيات الثقافيةالعامة تحتاج قبل تحويلها إلى أحكام قاطعة إلى مراجعة دقيقة للمصادر والسياقات. فمثلًا، ربط موقف الكاتب من بعض القضايا الدولية أو الثقافية باستنتاجات أخلاقية كبرى يحتاج إلى إثبات يتجاوز الروايات المتداولة، لأن التاريخ لا يُكتب بالانطباعات، ولا تُبنى الأحكام الكبرى على ظلال الأحداث.
ثم إن مسألة ترجمة الأعمال الأدبية إلى لغات مختلفة تحتاج أيضًا إلى قراءة أكثر تعقيدًا. فالعمل الأدبي عندما ينتقل بين الثقافات لا يصبح بالضرورة موقفًا سياسيًا لصاحبه، وإلا أصبح كل كاتب مسؤولًا عن كل مؤسسة أو جهة أو جمهور تلقى نصه. إن انتشار النص وترجمته ودخوله إلى فضاءات مختلفة قضية لها علاقة بتاريخ الأدب والتلقي، ولا يمكن اختزالها دائمًا في موقف سياسي مباشر.
أما القول إن كاتبًا ما يمثل مركزًا ثقافيًا بعينه، فهو يحتاج إلى تعريف دقيق لمعنى المركز. فالمركز ليس دائمًا جغرافيا ثابتة. فالطيب صالح كروائي او غيره من الكتاب عندما ذهب إلى لندن لم يكن ينتقل من مركز عالمي إلى مركز عالمي، بل كان قادمًا من هامش بل من طرف من أطراف العالم بل المنسي ثقافيا إلى قلب الإمبراطورية السابقة مركز المركز السياسي والثقافي حينذاك وهذه العلاقة نفسها هي التي شكلت جزءًا أساسيًا من أسئلته الأدبية.
إن إدوارد سعيد، الذي كثيرًا ما يُستدعى في نقد علاقة الثقافة بالسلطة، لم يكن يدعو إلى إعدام النصوص بسبب مواقع أصحابها، بل إلى كشف علاقات القوة التي تحيط بإنتاج المعرفة. والفرق كبير بين أن نفهم السياق الذي خرج منه النص، وبين أن نختزل النص كله في ذلك السياق.
المشكلة إذن ليست في نقد الطيب صالح، بل في الطريقة التي يتم بها النقد. فهدم الأصنام قد يكون ضرورة، لكن الخطر أن يتحول هدم الأصنام إلى صنم جديد، وأن نستبدل ثقافة التقديس بثقافة الإدانة. فالذاكرة الوطنية لا تُبنى بإسقاط شخصياتها، بل بإعادة وضعها في حجمها الإنساني الطبيعي: لا ملائكة ولا شياطين، بل تجارب بشرية تحمل القوة والضعف معًا.
إن الطيب صالح يمكن أن يُنتقد، بل يجب أن يُنتقد، لكن النقد العادل لا يحتاج إلى إلغاء أثره الأدبي، ولا إلى تحويله إلى رمز لكل أزمات السودان. فالسودان أكبر من أي كاتب، وأكبر من أي نخبة، وأكبر من أي رواية واحدة. ليست القضية أن نرفع الطيب صالح إلى مرتبة لا تطالها الأسئلة، فكل إنسان ابن زمنه وتناقضاته، وكل تجربة بشرية تحمل مناطق قوة وضعف. لكن القضية الأخطر هي حين يصبح نقد الرموز مشروعًا لإعادة كتابة التاريخ بمنطق المحاكمة لا بمنطق الفهم، وحين تتحول الرغبة في كسر الأصنام إلى صناعة أصنام جديدة بأسماء مختلفة.
فالأمم لا تتحرر من أوهامها بإحلال أسطورة محل أسطورة، ولا تبني وعيها بانتقاء الأخطاء وترك التعقيد جانبًا. التاريخ أكثر تعقيدًا من أن يُختصر في أبطال وقديسين أو في متهمين ومدانين. والكاتب الكبير لا يُقاس بغياب العيوب عنه، بل بقدرته على فتح الأسئلة التي تعيش بعده.
لقد كان الطيب صالح كاتبًا خرج من هامش جغرافي مهشم ليحاور مركزًا عالميًا، وحمل معه أسئلة السودان وتناقضاته إلى لغة العالم. يمكن أن نختلف حول بعض مواقفه، ويمكن أن نعيد قراءة نصوصه بعيون جديدة، لكن اختزال مشروعه كله في محاكمة أخلاقية واحدة هو أيضًا شكل من أشكال الفقر والعطب النقدي.
فالواجب ليس حماية الرموز من النقد، ولا تحطيمها لإرضاء خطاب آخر، بل وضعها في مكانها الصحيح: داخل التاريخ لا فوقه، وفي دائرة النقاش لا خارجها. لأن الحقيقة لا تحتاج إلى تماثيل جديدة، بل تحتاج إلى عقول قادرة على رؤية الإنسان كاملًا؛ بإنجازاته وأخطائه، بعبقريته وحدوده، وبكل ذلك التعقيد الذي يجعل الأدب مرآة للحياة لا قاعة اتهام ومحاكمة.
في النهاية، ليست القضية أن نضع الطيب صالح فوق النقد، فكل تجربة إنسانية تحمل قوتها وحدودها، وكل كاتب هو ابن زمنه وأسئلته وتناقضاته. لكن الخطر يبدأ حين يتحول النقد من محاولة لفهم التاريخ إلى محكمة لإدانته، وحين يصبح البحث عن الأخطاء طريقًا لإلغاء التعقيد الإنساني الذي يجعل الأدب أدبًا.
فالكاتب الكبير لا يُخلَّد لأنه بلا أخطاء، بل لأنه يترك وراءه أسئلة لا تموت. وهذه هي قيمة الأدب الحقيقية: أن يفتح نوافذ للفهم، لا أن يبني جدرانًا للمحاكمة.




كتب وليد مادبو في أحدي مقالاته موضوع هذا المقال
(((((بل إن فقرة واحدة من عالم إبراهيم إسحاق الروائي قد تبدو أكثر كثافةً وصدقًا من عشرات الصفحات التي صنعت شهرة الطيب صالح العربية.)))))
تجربني الشخصية
أول مرة قرأت موسم الهجرة للشمال
وجدت بالصدفة كتابا ممزق الغلاف وأندمجت في قرأءته ولم أدع الكتاب إلا بعد أن قرأته كله
لم أكن أعرف حينها من هو كاتب الرواية ولا هو من أي بقعة في العالم
وبعد ذلك التاريخ قرأت هذه الرواية عشرات المرات وكل مرة أجد فيه متعة أكثر
تلك الرواية هي موسم الهجرة للشمال
ونجي لإبراهيم أسحق
أشتريت كل رواياته دون أن أعرف من أين هو
وحتي تاريخة لم أستطع أكمال أي رواية له
فحكاية أنه الطيب لقي إهتماما لأنه أبن المركز
بينما لم يجد ذلك إبراهيم اسحق حكاية خاطئة تماما
ولا تقدم اي فائدة لمشروع وليد لهدم هيمنة المركز الثقافية
وربما تفت في مصداقيته
وبالمناسبة نقد وليد لهيمنة المركز الثقافية والسياسية
نقد مشروع تماما ونقرأه بتركيز ونتعلم الكثير منه