الراب السوداني لغة تبحث عن وطن(١-٢)

ماجد عرمان
في السودان، يأتي الفن من أطراف الصورة، من هوامش حية لم تصغ بعد في خطاب مكتمل، ومن أصوات تبحث عن شكل يسع التجربة. لا تكتمل اللغة، لكنها تواصل بحثها عن هيئة تتسع للتجربة. وبين السجل الرسمي وذاكرة الناس مسافة واسعة، تمتلئ بالمشاعر والحنين والخوف والأمل والأسئلة التي لا تعرف طريقها إلى التقارير والبيانات. لذلك ظل الفن، منذ أقدم الأزمنة، جزءاً من تاريخ الشعوب، ينطوي على ما تعجز الكتابة التاريخية عن احتوائه. ظل الصوت رفيقاً للحياة؛ فالمدائح، والدوبيت، وأغاني العمل، وأغنيات الحقيبة، ثم الأغنية الحديثة، جميعها حفظت شيئاً من صورة المجتمع في كل مرحلة. كان الغناء وسيلة لصون الخبرة الإنسانية، وصياغة العلاقة بين الإنسان ومحيطه، وحفظ أسماء الأمكنة، ولهجات الناس، وإيقاع الحياة اليومية.
وسط هذا الإرث استنهضت تجربة الراب السوداني. كثيرون نظروا إليها في بداياتها على أنها تقليد لموسيقى جاءت من الخارج، بينما رأى آخرون فيها لسان جيل وجد نفسه أمام عالم سريع التقلب، فلم يجد في الأشكال الغنائية الموروثة ما يتسع لأسئلته. ومع مرور الأعوام أخذت هذه التجربة تبتعد عن التقليد، وتقترب من بيئتها، حتى باتت نبرة سودانية واضحة في اللغة والصورة والإيقاع. تاريخ الفنون يقدم شواهد كثيرة على مثل هذه الولادات؛ فالحرب العالمية الأولى دفعت عدداً من الفنانين الأوروبيين إلى مراجعة القيم الجمالية السائدة، فوجدت الدادائية طريقها إلى المشهد الثقافي احتجاجاً على عالم فقد اتزانه. والجاز خرج من التفاعل بين التراث الأفريقي والخبرة التاريخية للسود في الولايات المتحدة، ثم مضى بعيداً حتى آل إلى لغة موسيقية يفهمها العالم كله. وأغنيات الحقيبة في السودان مرت هي الأخرى، بموجات من التحفظ قبل أن تستحيل جزءاً من الوجدان العام. لذلك تبدو الأحكام الأولى على أي فن جديد قليلة الصبر أمام ما يكشفه الزمن.
تنبع فرادة الراب السوداني من الكيفية التي يعيد بها تأويل الحياة اليومية ويصوغ تفاصيلها العابرة في أفق إنساني قابل للتأمل. فالموضوعات التي كانت تمر في كثير من الأحيان من دون التفات شكلت مادة للتأمل؛ من لحظات الحياة الصغيرة، من التخرج من الجامعة إلى انتظار الحافلة، ومن ضيق المعيشة إلى ازدحام الأسواق، ومن الهجرة والبطالة إلى الحنين إلى الحي القديم، وما يتخلل ذلك من صداقة وخيبة وخوف من الغد. هذه التفاصيل الصغيرة ترسم، عند اجتماعها، صورة مجتمع كامل أكثر مما تفعل الشعارات والخطب الطويلة.
وتختزن اللغة جانباً مهماً من هذه الخصوصية. فالكلمات المتداولة في الشوارع والأحياء والأسواق سجل حي للتجربة السودانية. لكل مدينة مفرداتها، ولكل إقليم إيقاعه، ولكل جماعة بشرية طريقتها في تسمية الأشياء. وعندما تدخل هذه المفردات إلى الأغنية، فإنها تحفظ جزءاً من الذاكرة الشعبية، وتخلع على العمل صدقه وقربه من الناس. تاريخ الأدب يبين أن اللغة تنضج أيضاً في الحياة اليومية. كثير من الألفاظ التي ينطقها الناس بعفوية تستبطن قدرة تعبيرية تفوق المفردات المصقولة في بعض النصوص الرسمية. لذلك تبدو اللهجة السودانية، بكل تنوعها، ثروة ثقافية تستحق العناية، لأنها تحمل آثار القرون التي تعايشت خلالها الثقافات واللغات فوق الأرض السودانية.
ويتصل بذلك سؤال الانتماء. فالسودان عرف، عبر تاريخه الطويل تداخلاً بين جماعات متعددة، لكل واحدة منها ذاكرتها وعاداتها وأصواتها. هذه الكثرة كانت مصدراً لغناها. والراب، حين يفسح المجال لهذه الأصوات المختلفة، يقترب من صورة السودان الحقيقية أكثر من اقترابه من أي صورة جاهزة أو مختزلة. وقد استهلت خلال الأعوام الأخيرة أعمال تناولت الحرب والنزوح والهجرة والاغتراب الروحي، مستندة إلى لغة بسيطة وصور مأخوذة من الحياة اليومية. بعض الفنانين كتب عن البيوت التي أغلقت أبوابها، وعن الأحياء التي تغيرت ملامحها، وعن الأصدقاء الذين فرقتهم المنافي، وعن المدن التي بقيت حاضرة في الذاكرة رغم الغياب. مثل هذه الأعمال تمنح المستمع فرصة لرؤية التجربة السودانية بعين أصحابها، بعيداً عن لغة الأرقام والنشرات الإخبارية.
وفي المقابل، تمضي أعمال أخرى في طريق مختلف، معتمدة على النقل المباشر من نماذج أجنبية، سواء في طريقة الأداء أو بناء النص أو الصورة الموسيقية. هذه المحاولات تعري مقدار التأثير الذي تمارسه الثقافة العالمية، لكنها تضيء أيضاً حاجة الفنان إلى مسافة تسمح له بالعثور على صوته الخاص. فالفن يعيش طويلاً حين يتحدث بلسان المكان الذي ولد فيه، ويضعف أثره كلما فقد صلته بتجربة الناس. ولا يخلو المشهد من أعمال تراهن على الصدمة اللفظية أو العبارات الخشنة اعتقاداً بأن الجرأة تكفي لصنع عمل فني مؤثر. غير أن التاريخ الأدبي يقدم درساً مختلفاً، فالنص الذي يبقى في الذاكرة يعتمد على قوة الفكرة، ودقة الصورة، وقدرة اللغة على ملامسة الوجدان. الكلمات الصاخبة قد تجذب الانتباه لحظة، أما النص العميق فيجد طريقه إلى الذاكرة ويقيم فيها زمناً أطول.
يمكن النظر إلى الراب السوداني باعتباره تجربة ما تزال تكتب صفحاتها الأولى. وفي كل تجربة وليدة تتقاطع الأعمال الناضجة مع المحاولات المتعثرة، ويحاذي الاجتهاد التقليد، وتلتقي الموهبة بالرغبة في الشهرة السريعة. غير أن الزمن يبقى الناقد الأكثر إنصافاً، فهو الذي يفرز ما يستحق البقاء، ويترك ما عداه في هامش الذاكرة الثقافية. إذا كان لكل فن امتحانه الخاص، فإن امتحان الراب السوداني يبدأ من الجودة. كثرة الإنتاج لا تعني بالضرورة ازدهاراً فنياً، كما أن الانتشار الواسع لا يكفي لإثبات القيمة. التاريخ يحتفظ بالأعمال التي نجحت في الجمع بين الفكرة واللغة والإيقاع، بينما تتراجع الأعمال التي اكتفت بملاحقة الذوق العابر أو الشهرة السريعة.
تستشف العناية بالنص مسألة أساسية، فالكلمة هي قلب التجربة كلها. وكلما ازداد النص ثراء بالصور والإيحاءات، ازدادت قدرة الأغنية على مقاومة الزمن. أما الإفراط في التكرار، أو الاعتماد على مفردات مستهلكة، أو الاكتفاء بالعبارات المباشرة، فيقود إلى نص يفقد أثره بعد انتهاء لحظة الاستماع. وتتصل بهذا الجانب طبيعة الجمهور. فما يزال الراب يجد حضوره الأكبر بين الشباب، في حين يقف كثير من أبناء الأجيال السابقة على مسافة منه. يعود ذلك إلى اختلاف العادات السمعية، وإلى صورة تشكلت في أذهان بعضهم منذ البدايات، حين ارتبط الراب في نظرهم بالتقليد أو الصخب أو اللغة النافذة. ومع مرور الوقت أخذت هذه الصورة تتغير، وإن كان التغيير يسير بخطوات هادئة.
وليس مطلوباً من أي فن أن يرضي الجميع، فاختلاف الأذواق جزء من الحياة الثقافية. غير أن قدرة العمل على مخاطبة شرائح متنوعة تمنحه عمراً أطول، لأن التجربة الإنسانية التي يحملها تؤول إلى أن تكون قابلة للفهم خارج حدود الجيل الذي ولدت فيه. وكل فنان ينجح في تحقيق هذا الاتساع يضيف إلى رصيده الفني أكثر مما تضيفه أرقام المشاهدات.
وأدخلت المنصات الرقمية معايير جديدة إلى صناعة الموسيقى. فقد أتيح نشر الأغنية من دون شركات إنتاج أو مؤسسات إعلامية، وهو تطور أتاح الفرصة لأصوات كثيرة كانت ستظل بعيدة عن الجمهور في الماضي. غير أن هذه الحرية صاحبتها معادلة أخرى، إذ صارت الخوارزميات شريكاً غير مرئي في تحديد ما يصل إلى الناس. وبات الإيقاع السريع، والعنوان اللافت، والمشهد القادر على جذب الانتباه خلال ثوان قليلة، عناصر مؤثرة في فرص الانتشار. هذا الواقع يضع الفنان أمام خيارين: أحدهما يساير منطق المنصة في كل تفاصيله، والآخر يحاول الحفاظ على استقلال العمل الفني، مع إدراك أن طريقه إلى الجمهور قد يكون أبطأ…. يتبع


