مقالات وآراء

في ذكراها ال(٣٧) وبالتفاصيل الدقيقة: كيف وقع انقلاب ٣٠ يونيو ١٩٨٩ في السودان؟!!

بكري الصائغ

مقدمة:-

في يوم الثلاثاء ٣٠/ يونيو ٢٠٢٦م، تجي الذكرى السابعة والثلاثين عام علي انقلاب الجبهة الاسلامية الذي وقع في يوم الجمعة ٣٠/ يونيو ١٩٨٩م، وأهدي هذا المقال اليوم -بصورة خاصة- الى أبناء وبنات الجيل الجديد الذين لم يعاصروا وقتها أحداث هذا الانقلاب المشؤوم، وشاء حظهم العاثر أن يولدوا في سنوات ما بعد الانقلاب، في زمن الفقر، والجوع، والامراض، والتصفيات الجسدية، التي جاءت بعد هذا الانقلاب الإسلامي.

ويعتبر هذا الانقلاب الإسلامي هو الثالث في سلسلة الانقلابات الناجحة التي وقعت خلال الفترة من عام ١٩٥٨م وحتي اكتوبر ٢٠٢١م، وسأقوم في هذا المقال بشرح وافي وبالتفاصيل الدقيقة عن هذا الانقلاب منذ لحظة الإعداد له وحتى سقوطه في أبريل ٢٠١٩.

المدخل الاول/-

شغل الصادق المهدي في عام ١٩٨٩ منصب رئيس الوزراء، وحدث ان وصلته معلومات اكيدة من جهاز الأمن القومي بأن هنالك «هناك ترتيباتٌ تَجرِي لتنفيذ انقلابٍ عسكري لتَغيير السلطة الديمقراطيَّة»!!، وسال الصادق المهدي بكل برود وعدم اكتراث ضابط الأمن الذي اوصل له رسالة جهاز الأمن «تفتكر مُمكن ضابط يغامر ويهِدد الشرعيَّة الدُستورِيَّة؟!»”.

ولم يتحرك الصادق باتخاذ أي اجراءات لحماية النظام الديمقراطي الذي ائتمنه عليه الشعب، ولم يقم بالتحقيق حول صحة معلومة جهاز الأمن.

المدخل الثاني/-

في يوم الجمعة ٣٠/ يونيو ١٩٨٩، وقع الانقلاب المشؤوم، برئاسة العميد/ عمر البشير -(أحد كوادر الجبهة الإسلامية القومية المنشقة عن جماعة الإخوان المسلمين في القوات المسلحة)-، أطاح بالحكومة الديمقراطية المنتخبة التي كان يترأس مجلس وزرائها الصادق المهدي، ويترأس مجلس رأس الدولة وقتها السيد/ أحمد الميرغني.

ورأيت بهذه المناسبة الانقلابية في ذكراها السابعة والثلاثين، ان أنقل الى القراء الكرام اعترافات خطيرة أدلى بها العقيد أركان حرب/ فيصل ابو صالح حول قصة وقائع الانقلاب، وكيف وقعت؟!! ومن كانوا خلفها؟!!

كان العقيد اركان حرب فيصل ابو صالح عضوا في (المجلس العسكري العالي لثورة الانقاذ)، أيضا واحد من الضباط الذين شاركوا مشاركة كبيرة وفعالة في انجاح الانقلاب. وبعد نجاح الانقلاب، شغل العقيد/ فيصل ابوصالح منصب وزير الداخلية.

بعد أن شغل العقيد أركان حرب/ فيصل مهام وزارة الداخلية، تعرض لمضايقات كثيرة وتدخلات من بعض زملائه اعضاء (المجلس العسكري العالي لثورة الانقاذ) في شؤون وزارته بصور سافرة، واتخذوا ضده قرارات كبيرة تمس صلاحياته دون اذنه، فقام بتقديم استقالته للعميد عمر البشير، الا ان البشير رفض قبول الاستقالة وارجائها فترة من الزمن، ثم صدر بعدها قرار بعزله، وكان هدف البشير ان تاتي الاقالة من عنده لا استقالة من العقيد فيصل!! وهو نفس الأسلوب الذي كان يتبعه دائما الرئيس الراحل نميري الذي يقول: (ماعندي زول بقدم استقالة … انا بس بطرد)!!

المدخل الثالث/-

بعد أن خرج العقيد فيصل من (المجلس العسكري العالي) مطرودا بمهانة شديدة، ايضا من وزارة الداخلية وأصبح مواطن عادي، فكر في كتابة مقال طويل يشرح فيها بالتفاصيل الدقيقة خفايا واسرار انقلاب يونيو ١٩٨٩م منذ لحظة أن كانت مجرد فكرة إلى تنسيق وتدبير مع الضباط الاخرين، الى مراحل التجهيزات والاستعدادات، ثم القيام بالانقلاب واستلام السلطات بالكامل، وانتهاءا باذاعة البيان العسكري رقم واحد.

قرر فيصل ان يكتب عن من هم اصلآ الذين قاموا بالانقلاب؟!! وما هي هوياتهم?!! وكيف التقوا واتفقوا علي الانقلاب ضد الوضع الديمقراطي?!! وكيف اتفقوا على أن يكون عمر البشير رئيسآ لهم?!!

المدخل الرابع/:-

بعد ان قام العقيد/ فيصل بكتابة موضوع وانتهي من اخر اوراقها، قام باخراجها سرآ من السودان لتصل إلى جريدة (العالم اليوم) المصرية، التي قامت بنشر المقالة- بتاريخ (السبت 25 محرم 1413 هجرية- الموافق يوم 25 يوليو 1992- العدد رقم 312).

وكتبت الجريدة في بداية نشرها للمقال: “أن العقيد أركان حرب/ فيصل ابوصالح قد بذل جهدا لاخراج هذه الاوراق من السودان، واعلن انه يتحمل كافة تبعات كل ماجاء فيها من معلومات، وانه لم ينس ان يوجه شكره لكل من ساعده في اخراجها، اما هو (فيصل) فقد فضل البقاء داخل السودان ليواجه الظلم”.

ونشرت الجريدة أيضا: “ونظرآ لأهمية المعلومات التي تتضمنها هذه الأوراق ننشر نص اعترافات العقيد أركان حرب فيصل علي ابوصالح” تماما كما وصلت من عنده، بدون أي حذف أو اضافات وتعديل.

العناوين التي جاءت في الصفحة الخاصة بنشر اعترافات كانت علي النحو التالي:

  • اعترافات وزير الداخلية السابق

  • هذه هـي القصـة الحقيقية لانقلاب البشيـر

  • اختلفت مع مجلس قيادة الثورة وتلك هي الأسباب

  • خطة بديلة للاستيلاء على السلطة بقيادة سوار الدهب.

ملحوظة من كاتب المقال: ساقوم بنقل ما نشر في الجريدة، تمامآ كما ورد فيها بدون اي اضافات او حذف او شطب أو تعديل من عندي.

المدخل الخامس/:-

يقول العقيد فيصل في المقال: ”كنا نحن الضباط المنضوين تحت (لواء التنظيم الاسلامي) اربعة أشخاص فقط في محافظة الاستوائية وهم: كمال علي مختار، وانا، وعبدالقيوم محمد احمد الحاج، ويونس محمود. وكان هناك عدد آخر من الضباط المقربين من التنظيم ممن نطلق عليهم (المؤلفة قلوبهم)، وهم التجاني ادم الطاهر، وفيصل مدني، وصلاح عبدالله عظيمة”.

وبناء علي توجيه منا، زار علي عثمان المنطقة العسكرية الاستوائية بصفته زعيم المعارضة بالجمعية، وكانت هذه الزيارة اولى خطوط الاعداد، وانفرد بنا علي عثمان وابلغنا بضرورة وجودنا بالخرطوم، وان التنظيم سيرتب ذلك.

وبالفعل في اقل من شهر نقلت انا الى اللواء (20) مشاة، ونقل عبدالقيوم بالكلية الحربية، ويونس للتوجية المعنوي بالخرطوم، وبقي كما محسوب وكان على اتصال بنا مستخدما جهاز لاسلكي شركة نقل جوي ملكها احد الاسلاميين وهو نفس الجهاز الذي استغل أكثر من مرة لمحادثة عمر البشير في ملكال وميوم.”

المدخل السادس/-

“وصلت مساء يوم 2 /1 /1988م الى مقر اللواء العشرين بمنطقة اركويت جنوبي الخرطوم، وعلمت من احد مصادرنا في شئون الضباط بالقيادة العامة، أن هناك كشف احالة للمعاش تجري هيئة القيادة اعداده الآن ومن ضمن الاسماء المرشحة العميد عمر البشير. ويبدو ان الظهور الاعلامي لعمر البشير في التلفزيون عقب عملية معسكر ميوم لم يجد القبول الحسن لدى هيئة القيادة، وربما شـكـت هيئة القيادة ان وراءه حزبا سياسيا معين لذا قررت إحالته للمعاش. ويبدو أن هذا الاستنتاج كان صحيحآ، وطلبت من أحد الضباط إبلاغ عمر البشير حتي لا يفاجأ بذلك، فقال ان اول ما يفكر فيه الآن هو حذف اسم عمر من ذلك الكشف، واضاف على كل ان عمر سيكون في الخرطوم الأسبوع القادم يوم الثلاثاء على الأكثر في مهمة روتينية”.

“وبالفعل وصل عمر البشير في اليوم المحدد وكنت اخر مرة التقيت به في الخرطوم عام 1984م خلال إحدى الدورات بالمركز الافريقي الاسلامي، ولكن كانت اخبارنا متواصلة لكلانا، وبعد التحايا وجدت انه يعلم بالامر وقال ان لديه محاولة اخيرة اذا لم تنجح فإنه يفوض امره لله وهو يثق في بقية الإخوان سيقومون باللازم. وبالفعل نجحت مساعيه اذ أجرى ترتيبا خاصا مستغلا علاقته باللواء عبدالرحمن سعد شقيق الوزير بالقصر احمد سعد عمر، فاجرى هذا الأخير اتصالات كللت بالنجاح ولم يحل عمر بالمعاش”.

المدخل السابع/-

كتب فيصل في المقال: “كان الجو العام داخل الجيش ينذر بشيئ ما خصوصآ وان كل اخبار مناطق العمليات محبطة، فمدينة واو تحت الحصار التام، وقوات البشاري أخلت مدينة كويتا واستولى المتمردون على توريت، وهناك مناوشات على الكرمك وقيسان والقيادة السياسية بقيت عاجزة تمامآ وهيئة القيادة العامة تتخبط يمينآ وشمالآ والروح المعنوية تحت الصفر. وكان لابد من عمل شيئ، كان هذا هو الشعور العام لدى ضباط التنظيم حتى تلقينا الضوء الاخضر من مجلس الشوري، بعد سقوط مشروع القانون الجنائي، وبدأ الإعداد الحقيقي للتغيير، ومن ثم اخطار كافة الضباط من رتبة مقدم فما فوق للتحرك في الوقت المناسب”.

ولم يكن عمر البشير وقتها في الخرطوم فقد عاد الي ملكال وتم استعراض عدد من الاسماء لقيادة التحرك، وتم استبعاد هذه الاسماء بسبب الحساسيات، ولم يبق من العمداء غير عمر البشير، وكان لابد من حضوره للخرطوم اولآ لان افراد سلاح الطيران يعرفونه تمامآ، وثانيآ انه يمكن ان ينسق بيننا وبين بعض الافرع التي لاوجود لنا بينها او وجودنا قليل وغير مؤثر. واكتملت عناصر الخطة عدا وصول عمر البشير فلم نترك شيئآ للظروف فقد اقنعنا العميد محمد عثمان محمد سعيد انه في حالة عدم وصول العميد عمر عليه أن يأخذ القيادة فوافق على مضـض”.

المدخل الثامن/-

قال فيصل “كانت الخطة بسيطة جـدآ”، وتمت علي النحو التالي: ١/- تحرك من المدرعات يقوده الرائد ابراهيم شمس الدين وله علاقة مع مدرعات مطار الخرطوم حيث يقودها احد الضباط من دفعته يدعي جعفر ابوالقاسم. ٢/- تؤمن القيادة العامة بواسطة ضابط عظيم هو محمد الأمين خليفة. ٣/- ويؤمن مبنى جهاز الأمن بضابط عظيم هو عبدالعظيم محمد بكري. ٤/- والتحرك الاساسي من سلاح المظلات يقوده اما عمر البشير او محمد عثمان. ٥/- وكان علي (العقيد أركان حرب فيصل) تأمين الخرطوم من الجنوب إلى منطقة سوبا. ٦/- ومنطقة امدرمان والوادي تحت اشراف عبدالرحيم محمد حسين وعبدالقيوم محمد احمد. ٧/- ضباط السلاح الشعبي دورهم اعتقالات السياسيين وشاغلي الوظائف. ٨/- وكانت هناك خطة أخرى اسميناها الخطة (ب)، وتنفذ في الثالثة مساء من نفس اليوم المحدد عندما يتم التأكد أن الحركة فشلت، وسيقوم بتنفيذ هذه الخطة (ب) جماعة النافع، وتتضمن تصفية بعض السياسيين وخلق جو من الفوضى يعقبه تدخل من شخصيات عسكرية بارزة مثل المشير سوار الدهب، تاج الدين عبدالله فضلآ للاستيلاء على السلطة”.

المدخل التاسع/-

قال فيصل: “وصل عمر البشير الخرطوم في السابع والعشرين من يونيو 1989م بعد ان دبرت له قيادة التنظيم بعثة دراسية للقاهرة، وكانت في القطار الذي وصل به الى الخرطوم، وتحدد يوم 30 يونيو الساعة 1،30 صباحآ ساعة الصفر. وبقية القصة معروفة، ولم يشارك كمال علي مختار في التحرك الاخير”…

انتهي الجزء الاول من اعترافات العقيد أركان حرب/ فيصل علي أبو صالح، والتي نشرت في جريدة (العالم اليوم) المصرية.

المدخل العاشر/-

قام العميد عمر البشير في صبيحة الجمعة ٣٠/ يونيو ١٩٨٩م باذاعة البيان رقم واحد وجاء فيها:

أيها الشعب السوداني الكريم، إن قواتكم المسلحة المنتشرة في طول البلاد وعرضها ظلت تقدم النفس والنفيس حماية للتراب السوداني وصونا للعرض والكرامة . وترقب بكل أسى وحرقة التدهور المريع الذي تعيشه البلاد في شتى أوجه الحياة ، وقد كان من ابرز صوره فشل الأحزاب السياسية في قيادة الأمة لتحقيق ادني تطلعاتها في صون الأرض والعيش الكريم والاستقرار السياسي ، حيث عبرت علي البلاد عدة حكومات خلال فترة وجيزة ما يكاد وزراء الحكومة يؤدون القسم حتى تهتز وتسقط من شدة ضعفها وهكذا تعرضت البلاد لمسلسل من الهزات السياسية زلزل الاستقرار وضيعوا هيبة الحكم والقانون والنظام.

إيها المواطنون الكرام، لقد عشنا في الفترة السابقة ديمقراطية مزيفة ومؤسسات حكم رسمية ودستورية فاشلة ، وإرادة المواطنين قد تم تزيفها بشعارات براقة مضللة وشراء الذمم والتهريج السياسي ، ومؤسسات حكم الرسمية لم تكن إلا مسرحا لإخراج قرارات السادة ، ومشهد ا للصراعات والفوضى اما رئيس الوزراء فقد أضاع وقت البلاد وبدد طاقاتها في كثرة الكلام والتردد في المواقف حتى فقد مصداقيته.

أيها المواطنون الشرفاء، إن الشعب بانحياز قوات المسلحة قد أسس الديمقراطية في نضال ثورته في سبيل الوحدة والحرية ولكن العبث السياسي قد افشل الحرية والديمقراطية وأضاع الوحدة الوطنية بإثارته النعرات العنصرية والقبلية في حمل أبناء الوطن الواحد السلاح ضد إخوانهم في دارفور وجنوب كردفان علاوة على ما يجري في الجنوب في مأساة وطنية وسياسية.

مواطني الأوفياء، إن عداوات القائمين على الأمر في البلاد في الفترة المنصرمة جعلتهم يهملون عن قصد إعدادها لكي تقوم بواجبها في حماية البلاد ولقد ظلت قواتكم المسلحة تقدم ارتالا من الشهداء كل يوم دون أن تجد من هؤلاء المسئولين ادني اهتمام من الاحتياجات أو حتى في الدعم المعنوي لتضحياتها مما أدي إلى فقدان العديد من المواقع والأرواح حتى أصبحت البلاد عرضة للاختراقات والاستلاب من أطرافها العزيزة في هذا الوقت التي نشهد فيه اهتماما ملحوظا بالمليشيات الحزبية.

أيها المواطن، لقد فشلت حكومات والأحزاب السياسية في تجهيز القوات المسلحة في مواجهة التمرد وفشلت أيضا في تحقيق السلام الذي عرضته الأحزاب للكيد والكسب الحزبي الرخيص حتى اختلط حابل المختص بنابل المنافقين والخونة وكل ذلك يؤثر على قواتكم المسلحة في مواقع القتال وهى تقوم بالإشراف المعارك ضد المتمردين ولا تجد من الحكومة عونا على الحرب أو السلام هذا قد لعبت الحكومة بشعارات التعبئة العامة دون جهد أو فعالية.

أيها المواطنون الشرفاء، لقد تدهور الوضع الاقتصادي بصورة مزرية وفشلت كل السياسات الرعناء في إيقاف التدهور ناهيك عن تحقيق أي قدر من التنمية مما زاد حدة التضخم وارتفعت الأسعار بصورة لم يسبق لها مثيل واستحال على المواطن الحصول علي ضرورياتها إما لانعدامها أو ارتفاع اسعارها مما جعل الكثير من ابناء الوطن يعيشون على حافة المجاعة وقد أدي التدهور الاقتصادي إلي خراب المؤسسات العامة وانهيار الخدمات الصحية والتعليمية وتعطيل الإنتاج بعد أن كنا نطمع أن تكون بلادنا سلة غذاء العالم أصبحنا امة متسولة تستجدي غذاءها وضرورياتها من خارج الحدود وانشغل المسئولون بجمع المال الحرام حتى عم الفساد كل مرافق الدولة وكل هذا مع استشراء التهريب والسوق الأسود مما جعل الطبقات الاجتماعية من الطفيليين تزداد ثراء يوم بعد يوم بسبب فساد المسئولين وتهاونهم في ضباط الحياة والنظم.

أيها المواطنون الشرفاء، لقد امتدت يد الحزبية والفساد السياسي إلي الشرفاء فشردتهم تحت مظلة الصالح العام مما أدي إلي انهيار الخدمة المدنية ولقد أصبح الولاء الحزبي والمحسوبية والفساد سببا في تقديم الفاشلين في قيادة الخدمة المدنية وأفسدوا العمل الإداري ضاعت بين يديهم هيبة الحكم و سلطان الدولة ومصالح القطاع العام.

أيها المواطنون، إن إهمال الحكومات المتعاقبة علي الأقاليم أدي إلي عزلها من العاصمة القومية وعن بعضها في ظل انهيار المواصلات وغياب السياسات القومية وانفراط عقد الأمن حتى افتقد المواطنون ما يحميهم ولجئوا إلى تكوين المليشيات كما انعدمت المواد التموينية في الأقاليم إلا في السوق الأسود وبأسعار خرافية . لقد كان السودان دائما محل احترام وتأييد من كل الشعب والدول الصديقة كما انه أصبح اليوم في عزلة تامة والعلاقات مع الدول العربية أصبحت مجالا للصراع الحزبي كادت البلاد تفقد كل صداقاتها علي الساحة الإفريقية ولقد فرطت الحكومات في بلاد الجوار الإفريقي حتى تضررت العلاقات مع اغلبها وتركت لحركة التمرد تتحرك فيها بحرية مكنتها من إيجاد وضع متميز أتاح لها عمقا استراتيجيا تنطلق منه لضرب الأمن والاستقرار في البلاد حتى أصبحت تتطلع إلي احتلال موقع السودان في المنظمات الإقليمية والعالمية وهكذا أنتهت علاقة السودان مع عزلة مع الغرب وتوتر في إفريقيا والدول الأخرى.

أيها المواطنين الشرفاء، إن قواتكم المسلحة ظلت تراقب كل هذه التطورات بصبر وانضباط وكان شرفها الوطني دفعها لموقف ايجابي من التدهور الشديد الذي يهدد الوطن واجتمعت كلمتها خلف مذكرتها الشهيرة التي رفعتها منبهة بشدة من المخاطر ومطالبة بتقديم الحكم وتجهيز المقاتلين للقيام بواجبهم ولكن هيئة السيادة السابقة فشلت في حمل الحكومة على توفير الحد الأدنى لتجهيز المقاتلين واليوم يخاطبكم أبناؤكم في القوات المسلحة وهم الذين أدوا قسم الجندية الشرفية أن لا يفرطوا في شبر من ارض الوطن وان يصونوا عزتهم وكرامتهم وان يحافظوا على البلاد سكانها واستقلالها المجيد وقد تحركت قواتكم المسلحة اليوم لإنقاذ بلادنا العزيزة من أيدي الخونة والمفسدين لا طمعا في مكاسب السلطة بل تلبية لنداء الواجب الوطني الأكبر في إيقاف التدهور المدمر ولصون الوحدة الوطنية في الفتنة والسياسة وتأمين الوطن وانهيار كيانه وتمزق أرضه ومن اجل إبعاد المواطنين من الخوف والتشرد والجوع والشقاء والمرض . قواتكم المسلحة تدعوكم أيها المواطنين الشرفاء للالتفاف حول رايتها القومية ونبذ الخلافات الحزبية والإقليمية الضيقة وتدعوكم الثورة معها ضد الفوضى والفساد واليأس من اجل إنقاذ الوطن ومن اجل استمراره وطنا موحدا كريما.

عاشت القوات المسلحة حامية كرامة البلاد.. عاشت ثورة الإنقاذ الوطني عاش السودان حرا مستقلا. الله اكبر والعزة للشعب السوداني الأبي.

  • عميد أ.ح عمر حسن احمد البشير – رئيس مجلس قيادة الثورة.

المدخل الحادي عشر/-

جاء في موقع “ويكيبيديا ®”- ضربة البداية كانت في 30 يونيو 1989 يوم أعلن التلفزيون السوداني عن استيلاء بعض من الضباط التابعين للجيش السوداني على الحكم بقيادة العميد عمر حسن أحمد البشير . لم يكن واضحا، في بداية الأمر للمراقبين، هوية الانقلاب الجديد، مما ساعد الحكومة الجديدة على أن تنال تأييداً واسعاً- داخلياً وخارجياً- ومن دول كثيرة لا سيما مصر .

وقامت الحكومة الجديدة بعدد من الاعتقالات الواسعة واعتقلت ضمن من اعتقلت الدكتور حسن الترابي نفسه الذي ظهر وفيما بعد أنه مهندس الانقلاب ورأسه المدبر. فيما بعد أظهرت الحكومة هويتها الإسلامية شيئا فشيئا وظهرت تصريحات من قادتها تؤكد تلك الهوية وانتمائها للجماعة الإسلامية في السودان .. وظهر الأمر أكثر بعد إطلاق سراح الترابي وتقلده مناصب مهمة في الدولة كان آخرها رئيس المجلس الوطني.

ومن التصريحات المهمة ما صرح به الرئيس البشير ”ثورة الإنقاذ الوطني لا تعرف الفصل بين الدين والسياسة والموضوع غير قابل للنقاش.”.، كتب النيل أبو قرون (قيادي بارز بالحركة الإسلامية آنذاك): «النظام الإسلامي هو الأمثل.. والأحزاب سبب كوارث السودان والحزبية شرك بالله».

المدخل الثاني عشر/ ماذا نشرت الصحف السودانية والاجنبية بعد الاطاحة بنظام الانقاذ في ابريل ٢٠١٩م؟!!

(أ)/- البشير يعترف بالتهم ويقول: “أصابتنا دعوة المظلوم”..ودولة خليجية تعرض استضافته قالت مصادر إعلامية سودانية السبت 11/ مايو 2019، أن الرئيس المخلوع عمر البشير أقر بالتهم الموجهة إليه من قبل السلطات التي تحقق معه عقب الإطاحة به بعد احتجاجات شهدتها البلاد منذ ديسمبر. وذكرت صحيفة “الجريدة” في عنوان رئيسي: البشير أقر بالتهم الموجهة إليه قائلا: “أصابتنا دعوة المظلوم”.

كشفت مصادر صحافية أن إحدى دول الخليج تقدمت بعرض لاستضافة البشير على أراضيها، دون أن تكشف اسم هذه الدولة ومتى تقدمت بعرضها. ووفق جريدة اليوم التالي فإن العرض شمل الإقامة الدائمة للبشير وأفراد أسرته. فيما تشير معلومات إلى أن البشير وافق على العرض، وتمت إحالته للمجلس العسكري الانتقالي للبت فيه.

(ب)/- المقولة الشهيرة المنسوبة للترابي:-(اذهب انا للسجن حبيسا وانت للقصر رئيسا ) تدل على أن هذا الرجل يعتبر داهية ومن اذكى المفكرين الاسلاميين الذين مروا على السودان، ولكن للأسف الشديد هذه العبقرية والمكر والدهاء ذهبت ادراج ؛ وربما قد تكون نهاية مؤلمة للرجل.

وقد ورد في القرآن الكريم الحديث عن المكر والماكرين اربعه واربعين مرة شملت الفترتين المكية والمدنية. ومن المعاني التي ارشد إليها القرآن في هذا المجال التحذير من الأمن من مكر الله تعالى كما في الآيات التالية:-

  • وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ- (الانفال 30).

  • وفي سورة فاطر “وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُور”.

  • وفي سورة يونس “وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ”.

المدخل الثالث عشر/-

اليوم وبعد سبعة وثلاثين عاما من وقوع الانقلاب، ثبت أن نتاج ذلك الانقلاب الذي ادعى الإصلاح، كان خراباً مطرداً في كل نواحي البلاد، بلغ ذروته بانفصال جنوب السودان، وانتشار الميليشيات المسلحة الموالية للإسلاميين، والمناوئة لهم، ودخول البلاد في عزلة دولية وحصار اقتصادي، وضياع ارواح اكثر من (٣٥٠) الف شخص، ولا يدخل في هذا الرقم اعداد اخري كبيرة من الضحايا لم يدرجوا في قوائم القتلي، وغيرها من المشكلات لا تحصي ولا تعد، والتي يرى كثير من المراقبين أنها مهدت الأرض للحرب الحالية بين الجيش وقوات «الدعم السريع»، هذه المليشيا التي كانت واحدة من نتاج النظام السابق.

‫2 تعليقات

  1. hRJFHS )شغل الصادق المهدي في عام ١٩٨٩ منصب رئيس الوزراء، وحدث ان وصلته معلومات اكيدة من جهاز الأمن القومي بأن هنالك «هناك ترتيباتٌ تَجرِي لتنفيذ انقلابٍ عسكري لتَغيير السلطة الديمقراطيَّة»!!، وسال الصادق المهدي بكل برود وعدم اكتراث ضابط الأمن الذي اوصل له رسالة جهاز الأمن «تفتكر مُمكن ضابط يغامر ويهِدد الشرعيَّة الدُستورِيَّة؟!»)

    الأخ بكري، تحياتي.

    لديّ بعض الاستفسارات. هل يُعد من اختصاص جهاز الأمن القومي مراقبة الضباط ورصد أي تحركات انقلابية، أم أن هذه المهمة تقع أساسًا ضمن اختصاص الاستخبارات العسكرية؟ وإذا كان الجهاز قد توصل إلى معلومات بهذا الشأن، فلماذا لم تُرفع إلى الاستخبارات العسكرية أو إلى القيادة العامة للجيش لاتخاذ ما يلزم؟

    ثم إن انقلاب 25 أكتوبر لم يكن حدثًا سريًا؛ فقد كانت المؤشرات والتسريبات متداولة على نطاق واسع، حتى أصبح الحديث عنه في متناول الجميع. ومع ذلك، لم يمنع ذلك المؤسسة العسكرية من الانقضاض على السلطة.

    المشكلة، في تقديري، أعمق وأكثر تعقيدًا من أن تُحمَّل لطرف مدني أو جهة بعينها. فجوهر الأزمة يكمن في استمرار تدخل المؤسسة العسكرية في الشأن السياسي، وفي ترسخ قناعة لدى بعض مكوناتها بأنها صاحبة الحق في حسم الصراع السياسي أو الإمساك بزمام الحكم متى شاءت.

    ما لم تُرسَّخ بوضوح قاعدة خضوع المؤسسة العسكرية للسلطة المدنية الدستورية، ويُحدد دورها في حماية الوطن والدستور بعيدًا عن المنافسة السياسية، فإن خطر تدخلها في الحكم سيظل قائمًا. وعندما تمتلك أي مؤسسة القوة المسلحة وتشارك في الوقت نفسه في الصراع السياسي، فإنها تتحول عمليًا إلى أقوى فاعل سياسي، بما يحمله ذلك من مخاطر على استقرار الدولة، وعلى مسار التحول الديمقراطي، وعلى بناء مؤسسات تقوم على سيادة القانون وتداول السلطة.

  2. الاختراق خلال فترة التعددية الحزبية (1985-1989)
    يذكر (طه، 2002) أنه خلال فترة الديمقراطية الثالثة (1985-1989)، لم يولِ أحد اهتماماً جاداً للاستراتيجية المستمرة التي كانت تتبعها الجبهة الإسلامية القومية لاختراق القوات المسلحة السودانية.[12] وبحلول عام 1988، كان اختراق الجبهة قد وصل إلى قمة هرم الجيش، وتحديداً مكتب القائد العام.

    وقد لعب العقيد بحري السعيد الحسيني عبد الكريم[13] أحد الأدوار الحاسمة في نجاح الانقلاب. فقبل الانقلاب العسكري، كان يشغل منصب مدير مكتب القائد العام للجيش السوداني، الفريق أول فتحي أحمد علي. كان عبد الكريم في ذلك الوقت عضواً في الخلية العسكرية السرية التابعة للجبهة، وتمكن من تمرير جميع التقارير الاستخباراتية والاتصالات العسكرية السرية وتفاصيل العمليات العسكرية إليها.

    ووفقاً لـ(الأمين، 1992)، أعدت الاستخبارات العسكرية تقريراً مفصلاً عن نشاط الجبهة الإسلامية القومية داخل الجيش وأرسلته إلى مكتب الفريق فتحي، لكن عبد الكريم تمكن من إخفاء التقرير عن رئيسه وتمريره إلى الجبهة الإسلامية القومية.[14]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..