مقالات وآراء

٣٠ يونيو… تاريخٌ واحد وثلاثة وجوه

لبنى أحمد

جاء ٣٠ يونيو هذا العام، وما زال السودانيون يستعيدون ذكرى يومٍ ظل يتكرر في تاريخهم، ولكن بمعانٍ متناقضة.
في ٣٠ يونيو ١٩٨٩، استيقظنا على انقلابٍ أطاح بحكومةٍ منتخبة، وأوقف مسارًا ديمقراطيًا كان لا يزال في بداياته، وقطع الطريق أمام فرصةٍ للسلام بعد توقيع مبادرة الميرغني–قرنق التي فتحت نافذة أمل لإنهاء الحرب بالحوار. وكانت تلك بداية ثلاثة عقود دفعت البلاد خلالها أثمانًا باهظات من الحروب، والأزمات الاقتصادية والسياسية، وتآكل أطراف الوطن، وتصدع حدود الدولة وتهاوي مؤسساتها المدنية والعسكرية.
وبعد ثلاثين عامًا تقريبًا، جاء ٣٠ يونيو ٢٠١٩ بصورة مختلفة تمامًا. فبعد أسابيع من الفاجعة التي خلّفها فض اعتصام القيادة العامة، خرجت الجماهير في مواكب مليونية أكدت أن الثورة لم تُهزم، وأن دماء الشهداء والشهيدات لم تُنسَ، وأن مطلب الدولة المدنية والعدالة لا يزال حيًا. كان ذلك اليوم رسالةً بأن إرادة الشعوب قد تتعثر، لكنها لا تنكسر بسهولة.
ثم عاد التاريخ نفسه في ٣٠ يونيو ٢٠٢٢، بعد انقلاب ٢٥ أكتوبر، حين امتلأت الشوارع مجددًا بمواكب الحرية، مطالبةً باستكمال أهداف الثورة، وإنهاء الحكم العسكري. وبرغم اختلاف الظروف، بقيت المطالب الكبرى كما هي: الحرية، والسلام، والعدالة.
وجاء ٣٠ يونيو ٢٠٢٦ أمس ، والسودان لا يزال أسير حربٍ دخلت عامها الرابع. لم تُحسم بالسلاح، ولم تضع أوزارها، ولم تتوقف دورة العنف؛ فالمليشيات لا تزال تتكاثر، تخرج من رحم الأزمات، بل ومن أرحام المليشيات نفسها، حاملةً أسماءً جديدة وراياتٍ مختلفة، بينما يبقى السلاح هو اللغة الأعلى صوتًا. وفي المقابل، لا يزال ملايين السودانيين بين نازحٍ ولاجئ، ويواجه العائدون إلى ديارهم تحديات الحصول على مياهٍ نقية للشرب، والخدمات الصحية، والتعليم، والحد الأدنى من مقومات الحياة. ويواصل الجنيه السوداني تآكله يومًا بعد يوم، فيما تستقبل الأسواق كل صباح أسعارًا جديدة تستنزف قدرة المواطنين على الاحتمال. وبين مدنٍ مدمرة، ومؤسساتٍ منهارة، وأحلامٍ مؤجلة، يبدو السودان وكأنه يدور في حلقةٍ مفرغة.
هكذا أصبح ٣٠ يونيو في الذاكرة السودانية أكثر من مجرد تاريخ. فهو يختصر صراعًا مستمرًا بين الانقلاب والديمقراطية، وبين القمع وحق الشعوب في تقرير مصيرها، وبين الحرب والسلام، وبين اليأس والأمل. ولعل الدرس الأهم الذي يتركه هذا التاريخ أن الأوطان لا تُبنى بالسلاح، ولا تستقر بالانقلابات، وأن طريق الدولة المدنية، مهما كان قاسيًا ووعرًا، يظل أقصر الطرق إلى الاستقرار.
فالدول تُبنى بالإرادة الوطنية، وسيادة حكم القانون، والعدالة، والمؤسسات القوية، والقيادة الحكيمة، والقلوب الرحيمة. الدولة التي يكون فيها المجد للعقول، لا للبندقية، ويعلو فيها الرأي السديد على صوت الرصاص، ويصبح صندوق الاقتراع طريق الوصول إلى السلطة، لا فوهة البندقية و ال٢٣ او التاتشر. فلا مكان في الدولة للانقلابات، ولا للمليشيات، ولا لأي سلاح خارج مؤسساتها.
منشن:
#دولة_١٩٥٦
#لا_للحرب
#لا_دولة_٢٠٢٣
#لا_دولة_٢٠٢٥

تعليق واحد

  1. هل سالتي نفسك يا جميلة الجميلات لماذا اندلعت ثورة الإنقاذ الوطني في ٣٠ يونيو ٨٩؟! اظن انك في ذلك الوقت كنتي طفله صغيره لا تفهمين شيئا
    من ضمن الأسباب يا عزيزتي وصول الحالة الاقتصادية والاجتماعية الي مرحلة مزريه علي ما اذكر في ذلك الوقت لا يوجد ماء ولا كهرباء و لا رغيف ولا ملح ولا سكر حتي أن المواطنين أصبحوا يشربون الشاي بالتمر والحلوي
    أما بالنسبة للقوات المسلحه فحدث ولا حرج انسحابات كبيره للجيش من مدن مهمة في جنوب السودان بسبب نقص المؤن والأسلحة حتي أن جون قرنق افترب من الدخول إلي مدينة كوستي وكل ذلك كان بسبب فشل الأحزاب السياسية وفشل الديمقراطية الثانيه حتي أن عمر البشير( الله يطراهو بالخير) قال في بيانه الاول أن الصادق المهدي أضاع الوقت في التنظير وفي الكلام بدون أفعال
    وعند اندلاع ثورة ديسمبر المشؤمه تكررت نفس هذه الأوضاع والماسي و لكن بصورة افظع واندلعت معها حروب كمان
    يا عزيزتي الحكم المدني والديمقراطي اثبت فشله في السودان منذ قديم الأزل فمتي يفهم الناس ويعوا؟؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..