مقالات وآراء

ذكرى 30 يونيو..و ثورة ديسمبر التي أُريد لها أن تنسى نفسها (كيزان تأسيس)

بقادي أحمد عبد الرحيم

في مثل هذا اليوم خرج السودانيون بالملايين، لا ليُسقطوا نظاماً سياسياً، وليعلنوا نهاية مرحلة تاريخية كاملة قامت على الاحتكار، والوصاية، ومصادرة الإرادة الوطنية، وتحويل الدولة إلى ملكية خاصة للنخب الاقطاعية والتنظيمات المغلقة والجماعات الارهابية.
كانت الثلاثون من يونيو لحظة استعادة الشعب لحقه في *الحلم*، وحقه في إعادة تعريف السودان على أسس جديدة؛ *سودان العدالة، والمواطنة المتساوية*، وإنهاء الامتيازات التاريخية، وتفكيك بنية الهيمنة التي صنعت الحروب والتهميش والإقصاء لعقود طويلة.
لكن المؤسف أن تمر ذكرى هذه الملحمة الوطنية بصمتٍ بارد داخل المناطق التي رفعت شعار التأسيس الجديد، وكأن الثورة لم تعد تمثل مرجعية أخلاقية وسياسية للمشروع الذي قيل إنه جاء ليؤسس لسودان مختلف ويعيد صياغته.
إن غياب الاحتفاء ب 30 يونيو مؤشر على تحولات عميقة تجري داخل معسكر التأسيس الذي(امتلأ بالارزقية) ، ويحمل لشعبنا الهامشكاوي في طياته مخاوف مشروعة من أن المشروع الذي وُلد بوصفه مشروع تحرر واسع لجميع (الغلابه التعابه) أصبح مهدداً بأن يتحول إلى مساحة لإعادة إنتاج النفوذ القديم، وتدوير ذات العقلية التي ثارت ضدها الجماهير في ثورة ديسمبر المجيدة.
لقد خرج الناس ضد دولة التنظيم، وضد احتكار السلطة باسم العقيدة، وضد تحويل السودان إلى ساحة مغلقة تديرها جماعات ترى نفسها وصية على المجتمع والدولة، ويا للأسف اليوم نشهد صعوداً متزايداً لوجوه وشخصيات محسوبة على تيارات الإسلام السياسي(مثل كادر التحشيد للزحف الأخضر الكيزاني القلع وزارة عشان ولدوا مات في هذه الثورة!!! ) ، أو ممن أعادوا تقديم أنفسهم في هيئة جديدة(الوزير الإيراني داك) ، بينما يتعرض أبناء الثورة الحقيقيون، والمدافعون عن مشروع السودان الجديد، إلى الإبعاد والتهميش والتصفية السياسية المنظمة!!.
إن القضية عندي لم ولن يكون خلافا حول المناصب، بل حول روح المشروع نفسه؛ ومن أحق حقوقي الأصيلة ان اطرح سؤالي لتأسيس ، *هل نحن بصدد بناء دولة جديدة فعلاً، أم أننا أمام عملية إحلال للنخب مع الإبقاء على ذات الثقافة السياسية التي أنتجت الأزمة ؟
لان ما يحدث الان في اروقة التحالف من عبث يبعث برسالة خطيرة مفادها أن بعض دوائر النفوذ داخل التأسيس لا ترى في الثورة سوى وسيلة للوصول إلى السلطة (اليس كذالك يا أمين جهاز المغتربين المتمكن السابق!) ، ولا تنظر إلى السودان الجديد باعتباره مشروعاً للتحرر الجماعي، بل باعتباره فرصة لإقامة مركز جديد أكثر تشوهاً من القديم، تحكمه الولاءات الشخصية، والروابط الاجتماعية، والقرابة، والتحالفات الضيقة.
والأكثر خطورة أن القوى التي حملت السلاح تحت شعارات التغيير الجذري والشامل او قل الصفري لكي اكون دقيقا في التوصيف، وقدمت نفسها بوصفها درعاً للثورة وحارساً لمبادئها، تجد نفسها اليوم أمام اختبار تاريخي حقيقي؛ هل ستظل وفية للقضية التي رفعتها الجماهير وهتفت لقائدها(حميدتي الضكران الخوف الكيزان) ، أم ستتحول إلى قوة تحمي ترتيبات سياسية و تسمح بعودة ثقافة الهيمنة القديمة تحت عناوين جديدة وشعارات مختلفة والموجع أكثر ان تمنح الإخوان المسلمين تواجد في حكومة المهمشين؟
إن رفع راية العلمانية لا يمنح أحداً صكوك البراءة السياسية(اخص هنا الكيزان التائبين الذين اضحوا صناع قرار اليوم وقادة المشروع) ، إذا كانت الممارسة الفعلية تقوم على المحاباة، والاصطفاف القبلي، والانحياز للعلاقات الخاصة، وتمكين مجموعات بعينها على حساب أصحاب التضحيات والمواقف.
*الثورات تُختطف عندما تتسلل إليها ذات الأمراض التي قامت ضدها؛ تختطف حين تصبح المؤسسات حكراً على جماعات محددة، وحين يُنظر إلى الناقد بوصفه خصماً، وإلى صاحب الموقف بوصفه خطراً ينبغي تحييده، وإلى الثائر الحقيقي بوصفه عبئاً على مشاريع النفوذ الجديدة*.
(وستذكرون ما اقول)
إن ملايين السودانيين الذين خرجوا في 30 يونيو لم يضحوا من أجل إعادة تدوير النخب، ولم يسقطوا منظومة كاملة حتى يروا نسختين أخريات(في نيالا وفي بورتسودان) منها تعود بوجوه مختلفة، وإنما خرجوا من أجل تأسيس دولة يكون معيار الانتماء فيها هو الكفاءة، والاستحقاق، والالتزام بقيم الحرية والعدالة والمساواة.

وفي هذه الذكرى العظيمة، لا بد من القول بوضوح إن الثورة ليست إرثاً خاصاً لأحد، وليست ملكية حصرية لتنظيم أو حركة أو مجموعة، واتنبأ أيضا لمشروع التأسيس بأنه سيفقد شرعيته الأخلاقية والسياسية إذا تحول إلى منصة لإعادة إنتاج الإقصاء، أو بوابة لعودة القوى التي ثار عليها الشعب، مهما كانت الأسماء التي تحملها، ومهما كانت الشعارات التي تتدثر بها.
إن الوفاء الحقيقي للثورة يبدأ من حماية مشروع السودان الجديد من الاختطاف، ومن إعادة الاعتبار للثوار الحقيقيين، ومن مقاومة كل محاولات تحويل التأسيس إلى نسخة أخرى من السودان القديم، لأن الشعوب قد تصبر على الفشل، لكنها لا تغفر لمن يسرق أحلامها باسم الثورة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..