من الحوار السياسي إلى الحوار التنموي: إعادة التفكير في بناء السلام في السودان من منظور الاقتصاد السياسي

إعداد: رباب محمد علي بلدو
الملخص
لا يعكس الصراع الممتد في السودان حالةً من التشظي السياسي فحسب، بل يكشف أيضاً عن أوجهٍ عميقة من عدم المساواة الهيكلية المتجذرة في المسار الاقتصادي والتنموي للدولة. فعلى الرغم من أن عمليات السلام المتعاقبة أولت اهتماماً رئيسياً للحوار السياسي وترتيبات تقاسم السلطة، فإنها أخفقت إلى حدٍ كبير في تحقيق سلام مستدام. وتجادل هذه الورقة بأن هذه المقاربات أغفلت الأسس المادية للصراع، ولا سيما التفاوت في الحصول على الخدمات الأساسية، والبنية التحتية، والفرص الاقتصادية
وانطلاقاً من منظور الاقتصاد السياسي، تحلل الورقة التفاعل بين الاقتصاد الرسمي والاقتصاد غير الرسمي واقتصاد الظل في السودان، وتوضح كيف تسهم الشبكات الاقتصادية المرتبطة بالحرب، وأنظمة «الاستخراج وإعادة التدوير» للموارد، في خلق حوافز لاستمرار العنف وإدامة الصراع. كما تقدم الورقة نقداً للقيود البنيوية التي تميز الحوار السياسي القائم على النخب، والذي كثيراً ما أدى إلى تعميق الانقسامات وتعزيز حالة الإحباط وفقدان الثقة لدى قطاعات واسعة من المجتمع السوداني.
واستجابةً لذلك، تقترح الورقة الانتقال نحو إطار «الحوار التنموي» بوصفه مقاربةً مكملة لبناء السلام، ترتكز على تحقيق العدالة في تقديم الخدمات، وتعزيز الإدماج المجالي، وتحقيق التوازن التنموي بين الريف والحضر باعتبارها ركائز أساسية للسلام المستدام. ومن خلال التركيز على دور البنية التحتية، والتنمية المحلية، والتخطيط الاقتصادي الشامل، يسعى هذا الإطار إلى معالجة الأسباب الجذرية للصراع، مع توسيع دائرة المشاركة لتشمل فاعلين يتجاوزون النخب السياسية التقليدية.
وتسهم هذه الدراسة في الأدبيات العلمية من خلال بناء جسر بين نقاشات الاقتصاد السياسي وبناء السلام، وطرح التنمية باعتبارها مساراً استراتيجياً لتحقيق السلام المستدام في السودان. وتخلص الورقة إلى أن السودان سيظل أسيراً لدورات متكررة من الصراع ما لم تُعالج أوجه عدم المساواة الهيكلية وتُفكك اقتصاديات الحرب التي تغذي العنف، في حين يوفر تبني مقاربة تتمحور حول التنمية مساراً عملياً وقابلاً للاستدامة نحو تحقيق الاستقرار طويل الأمد والعدالة الاجتماعية.
1- المقدمة
شهد السودان واحداً من أطول النزاعات وأكثرها تعقيداً في كلٍ من أفريقيا والشرق الأوسط. وعلى مدى عقود، عُقدت العديد من عمليات السلام والمفاوضات السياسية والحوارات الوطنية، التي جمعت في كثير من الأحيان طيفاً واسعاً من الفاعلين السياسيين والحركات المسلحة بهدف معالجة ما اعتُبر الأسباب الجذرية للصراع. وقد انصبّ التركيز في هذه العمليات بصورة رئيسية على ترتيبات الحكم، وتقاسم السلطة، والقضايا الدستورية. ومع ذلك، ظل تحقيق السلام المستدام هدفاً بعيد المنال.
2- تحويل مسار الأجندة: من الحوار السياسي إلى الحوار التنموي
يُعد السودان من أكثر الدول التي عانت من النزاعات الممتدة في أفريقيا والشرق الأوسط. وعلى مدار العقود الماضية، شهدت البلاد العديد من اتفاقيات السلام والمفاوضات السياسية ومبادرات الحوار الوطني التي جمعت النخب السياسية والأطراف المسلحة للتباحث حول ترتيبات الحكم والأسباب الكامنة وراء الصراع. غير أن هذه الجهود، على الرغم من تكرارها، لم تُفضِ إلى تحقيق سلام دائم.
ويكمن أحد أبرز أوجه القصور في هذه العمليات في طابعها النخبوي. فقد أسهمت الحوارات السياسية في السودان، في كثير من الأحيان، في تعميق الانقسامات بدلاً من معالجتها، إذ ظل الفاعلون السياسيون متمسكين بمواقف جامدة تحكمها مصالح ضيقة وحسابات تقوم على منطق المكسب الصفري. وبدلاً من تعزيز التوافق الوطني، أصبحت هذه المنابر في كثير من الأحيان فضاءات لإعادة إنتاج الاستقطاب السياسي وتفتيت النسيج الاجتماعي.
وعلى المستوى المجتمعي، تتزايد حالة الإرهاق والإحباط من جدوى الحوارات السياسية. إذ ينظر كثير من السودانيين إلى هذه العمليات بوصفها منفصلة عن واقعهم المعيشي، ولا سيما أنها أخفقت في معالجة التحديات اليومية المرتبطة بسبل كسب العيش، والحصول على الخدمات الأساسية، والأمن الاقتصادي. وغالباً ما تنزلق جلسات الحوار إلى دوامات من تبادل الاتهامات وإلقاء اللوم، بينما تطغى الروايات المتنافسة حول التهميش والامتيازات على الأولويات الوطنية المشتركة.
وتجادل هذه الورقة بأن استمرار الصراع في السودان لا يعود فقط إلى الإقصاء السياسي، وإنما يرتبط كذلك بأوجه عدم المساواة الهيكلية المتجذرة في المسار التنموي للدولة. فمنذ الاستقلال، اتسمت السياسات التنموية بعدم التوازن في توزيع الاستثمارات والخدمات، حيث حظيت بعض المناطق باهتمام أكبر، في حين تعرضت مناطق أخرى للإهمال المزمن. وقد أسفر ذلك عن تفاوتات عميقة في فرص الحصول على الخدمات الأساسية، بما في ذلك التعليم، والرعاية الصحية، والبنية التحتية، والمياه، والكهرباء.
ولا تُعد هذه الاختلالات التنموية عوامل هامشية، بل تمثل أحد المحركات الرئيسية للصراع. فقد أصبحت المناطق المهمشة، التي تعاني ضعف البنية التحتية ومحدودية الخدمات العامة، بؤراً متكررة لعدم الاستقرار وتراكم المظالم. وفي هذا السياق، فإن التسويات السياسية التي لا تعالج هذه الاختلالات البنيوية تظل عاجزة عن تحقيق سلام مستدام.
3- نحو إطار للحوار التنموي
إن محدودية الحوارات السياسية المتعاقبة في السودان تستدعي إعادة التفكير بصورة جذرية في الكيفية التي يُفهم بها بناء السلام ويُمارس على أرض الواقع. فبينما تظل التسويات السياسية ضرورية لوقف العنف ووضع ترتيبات الحكم، فإنها وحدها لا تكفي لمعالجة الظروف الهيكلية التي أسهمت في إنتاج الصراع وتجديده عبر العقود. ومن ثم، ينبغي أن تُستكمل عملية السلام المستدامة بإطار للحوار التنموي، بوصفه عملية وطنية شاملة ومرتكزة على الملكية الوطنية، تضع التنمية العادلة، والتحول الاقتصادي، ورفاه المواطنين في صميم جهود بناء الدولة وبناء السلام.
ويحوّل الحوار التنموي محور الاهتمام من التفاوض حول تقاسم السلطة السياسية إلى التفاوض حول أولويات التنمية الوطنية. فهو لا يطرح سؤال: من يحكم؟ بقدر ما يطرح سؤالاً أكثر جوهرية: كيف يمكن للحكم أن يحسن حياة جميع السودانيين، بغض النظر عن انتماءاتهم الجغرافية أو الإثنية أو الدينية أو السياسية؟ كما ينظر إلى الوصول إلى الطرق، والتعليم، والرعاية الصحية، والأسواق، والمياه، والكهرباء، والاتصال الرقمي، والفرص الاقتصادية، ليس باعتبارها قضايا تنموية فحسب، وإنما باعتبارها متطلبات أساسية لبناء السلام.
ويتطلب هذا الإطار توسيع دائرة المشاركة لتتجاوز النخب السياسية والأطراف المسلحة. وينبغي أن تتحول عملية التخطيط التنموي الوطني إلى عملية تشاركية حقيقية تضم مؤسسات الحكم المركزية والمحلية، والأحزاب السياسية، وخبراء الاقتصاد التنموي، والمتخصصين في البنية التحتية، ومخططي المدن والأقاليم، والقطاع الخاص، ومنظمات المجتمع المدني، والإدارات الأهلية، والأوساط الأكاديمية، والمنظمات النسوية، والحركات الشبابية، والنقابات المهنية، وممثلي المجتمعات المهمشة. وتمتلك هذه الأطراف خبرات عملية ومعارف فنية غالباً ما تغيب عن طاولات المفاوضات السياسية التقليدية، رغم أهميتها الجوهرية في تصميم استراتيجيات تنموية شاملة ومستدامة.
ويقوم هذا الإطار على مبدأ أساسي يتمثل في أن التنمية هي أساس الشرعية السياسية. فمنذ الاستقلال، تمحورت المنافسة السياسية في السودان حول السيطرة على السلطة، والترتيبات الدستورية، والمساومات بين النخب. وقد أفضت هذه المنافسة مراراً إلى ممارسات إقصائية، وتوزيع غير عادل للموارد العامة، وتجدد الصراعات حول التمثيل السياسي. وفي المقابل، يقترح الحوار التنموي نموذجاً بديلاً تُستمد فيه الشرعية السياسية بصورة متزايدة من قدرة الحكومات على تقديم الخدمات العامة، وتوسيع الفرص الاقتصادية، وتقليص الفوارق الإقليمية، وتحسين نوعية حياة المواطنين.
ومن المهم التأكيد على أن هذا التحول لا يعني إلغاء المنافسة السياسية، وإنما إعادة توجيهها لتصبح منافسة قائمة على الأداء التنموي. فمعظم الأحزاب السياسية السودانية تتضمن بالفعل في برامجها التزامات طموحة تتعلق بالنمو الاقتصادي، والتنمية الزراعية، وخلق فرص العمل، والتعليم، والرعاية الصحية، وتطوير البنية التحتية. وينبغي أن تتحول هذه الالتزامات إلى الأساس الذي تتنافس الأحزاب من خلاله أمام المواطنين، بحيث تتركز النقاشات العامة حول الرؤى التنموية المختلفة: أي السياسات أكثر قدرة على خلق فرص العمل؟ وأيها أكثر فاعلية في تحسين الإنتاج الزراعي، وتعزيز الصناعات الوطنية، وتوسيع فرص التعليم، وضمان العدالة في تقديم الخدمات في جميع أنحاء السودان؟
وقد أثبتت الحرب الراهنة أن هذا التحول ليس ضرورياً فحسب، بل إنه ممكن أيضاً. فقد أظهر الشباب السوداني، ولا سيما من خلال غرف الاستجابة للطوارئ (ERRs)، قدرات استثنائية في التنظيم والابتكار والقيادة المجتمعية في ظل ظروف بالغة الصعوبة. وفي غياب مؤسسات الدولة الفاعلة، نجحوا في تنظيم المساعدات الإنسانية، وحماية المجتمعات المحلية، وإدارة الخدمات اللوجستية، وضمان استمرار تقديم الخدمات الأساسية لملايين المواطنين. وتؤكد هذه التجربة أن جيلاً جديداً يمتلك المهارات القيادية والكفاءة الفنية والالتزام الوطني اللازم للإسهام بفاعلية في إعادة إعمار السودان. ومن ثم، ينبغي أن يضمن إطار الحوار التنموي المشاركة المؤسسية للشباب، ليس بوصفهم مستفيدين، وإنما بوصفهم شركاء في التخطيط، والتنفيذ، والمتابعة، والحكم المحلي.
ومن الناحية العملية، ينبغي أن يستند الحوار التنموي إلى أولويات تنموية وطنية وإقليمية تستند إلى الأدلة والبيانات. ويبدأ ذلك بإجراء تقييمات شاملة للتفاوتات الإقليمية، والفجوات في البنية التحتية، ومستويات تقديم الخدمات العامة، وفرص كسب العيش، والإمكانات الاقتصادية المحلية. وينبغي أن تشكل هذه التقييمات الأساس لوضع استراتيجيات استثمارية طويلة الأجل تستهدف الحد من أوجه عدم المساواة الأفقية بين الأقاليم، وتعزيز التكامل الاقتصادي الوطني.
كما ينبغي أن يحتل تطوير البنية التحتية موقعاً محورياً في هذه الأجندة. فمن شأن توسيع شبكات الطرق التي تربط القرى بالمدن والأسواق الإقليمية أن يحد من العزلة الاقتصادية، وييسر تسويق المنتجات الزراعية، ويحسن فرص الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية، ويعزز التماسك الاجتماعي. وبالمثل، ينبغي الاستثمار في بناء المدارس، والمستشفيات، ومراكز الرعاية الصحية الأولية، وشبكات المياه والكهرباء، والأسواق، والبنية التحتية الرقمية، والمرافق الرياضية والترفيهية في المناطق الأقل نمواً، بما يضمن تمتع سكان الريف بمستوى مماثل من الخدمات والفرص الاقتصادية المتاحة في المناطق الحضرية.
كما ينبغي للحوار التنموي أن يواجه بصورة مباشرة أوجه عدم المساواة الهيكلية التي طبعت المسار التنموي للسودان منذ الاستقلال. فقد أدت أنماط الاستثمار غير المتوازنة إلى تفضيل مناطق جغرافية بعينها وإهمال مناطق أخرى بصورة منهجية، مما عزز مشاعر الإقصاء والتهميش، وهيأ بيئة خصبة للتعبئة السياسية والصراعات المسلحة. ولذلك، فإن معالجة هذه الاختلالات تستلزم اعتماد آليات شفافة لتخصيص الموارد تستند إلى مؤشرات تنموية موضوعية، بدلاً من المحاصصة السياسية أو النفوذ العسكري.
وعلاوة على ذلك، ينبغي أن ينطلق هذا الإطار من حقيقة أن التخطيط لإعادة الإعمار لا ينبغي أن ينتظر انتهاء الأعمال العدائية بشكل كامل. فعلى الرغم من التحديات التي يفرضها استمرار النزاع، فإن التخطيط للتعافي، والإصلاح المؤسسي، والتنمية العادلة يجب أن يبدأ أثناء الصراع نفسه. فمن شأن هذا التخطيط المبكر أن يساعد الحكومات، وشركاء التنمية، والمؤسسات المالية، والمجتمعات المحلية على الاتفاق حول أولويات وآليات تنفيذ يمكن تفعيلها فور التوصل إلى تسوية سياسية. كما أن دمج التخطيط التنموي في مفاوضات السلام يزيد من فرص أن تُحدث اتفاقيات السلام تحسينات ملموسة في حياة المواطنين، بدلاً من أن تقتصر على إعادة توزيع السلطة بين النخب.
وأخيراً، يستطيع السودان أن يستفيد من تجارب عدد من الدول الأفريقية المجاورة التي نجحت في اعتماد التنمية بوصفها مدخلاً لبناء الدولة، رغم ما واجهته من تحديات سياسية وأمنية. ورغم اختلاف السياقات، فإن هذه التجارب تؤكد أن الاستثمار المستدام في البنية التحتية، واللامركزية في تقديم الخدمات، والتنمية الاقتصادية المحلية، وتنمية رأس المال البشري، من شأنه أن يعزز شرعية الدولة، ويحد من أوجه عدم المساواة، ويسهم في تحقيق الاستقرار طويل الأمد. وبالنسبة للسودان، فإن التحدي لا يكمن فقط في إنهاء الحرب، وإنما في إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمواطنين من خلال نموذج تنموي عادل، وشامل، ومنطلق من احتياجات المجتمعات المحلية.
وفي نهاية المطاف، يتيح الحوار التنموي فرصة لإعادة تعريف الأسس التي يقوم عليها بناء السلام في السودان. فهو ينقل الاهتمام الوطني من التنافس على المناصب السياسية إلى التنافس على تحقيق الإنجازات التنموية؛ ومن مساومات النخب إلى الحوكمة المتمحورة حول المواطن؛ ومن التسويات السياسية قصيرة الأجل إلى التحول الهيكلي طويل الأمد. ومن خلال وضع التنمية في قلب الحوار الوطني، يستطيع السودان أن يبدأ في معالجة الاختلالات التاريخية التي غذّت الصراعات، وأن يهيئ في الوقت ذاته الظروف اللازمة لتحقيق السلام المستدام، والنمو الشامل، والعدالة الاجتماعية.
4- تفعيل إطار الحوار التنموي: من التنافس السياسي إلى التنافس التنموي
إن الانتقال من الحوار السياسي إلى الحوار التنموي يتطلب أكثر من مجرد تغيير في المصطلحات؛ فهو يستوجب تحولاً جذرياً في الكيفية التي تُحدد بها الأولويات الوطنية، وتُكتسب بها الشرعية السياسية، ويتفاعل بها المواطنون مع الدولة. وبدلاً من أن تتنافس القوى السياسية حول ترتيبات تقاسم السلطة، ينبغي أن يكون التنافس قائماً على قدرتها على تحسين حياة المواطنين السودانيين من خلال تحقيق التنمية، وتقديم الخدمات العامة، وإحداث تحول اقتصادي شامل وعادل.
وقد كشفت الحرب الدائرة في السودان عن امتلاك البلاد جيلاً قادراً على قيادة هذا التحول. فطوال فترة النزاع، أظهر الشباب السوداني، ولا سيما من خلال غرف الاستجابة للطوارئ (ERRs)، قدرات استثنائية في القيادة والتنظيم، تمثلت في تنسيق المساعدات الإنسانية، واستمرار تقديم الخدمات الأساسية، وحشد المجتمعات المحلية، وحماية الفئات الأكثر هشاشة في ظل غياب مؤسسات الدولة الفاعلة. وقد أثبتت هذه التجربة أن القيادة لا تُقاس بالمناصب السياسية وحدها، وإنما بالقدرة على حل المشكلات، وتنظيم المجتمعات، والاستجابة الفاعلة لاحتياجات المواطنين. ومن ثم، تمثل غرف الاستجابة للطوارئ نموذجاً مهماً للحوكمة المحلية القائمة على المبادرة المجتمعية، ينبغي الاستفادة منه في رسم سياسات إعادة الإعمار والتنمية في مرحلة ما بعد الحرب.
كما تكشف هذه التجربة أن السودان يمتلك بالفعل رأس مال بشرياً يتمتع بالكفاءة والقدرة على قيادة عملية إعادة البناء. ولذلك، ينبغي ألا تظل الخبرات والمعارف والابتكارات والقدرات التنظيمية التي طورها الشباب خلال الحرب محصورة في المجال الإنساني، بل يجب دمجها في عمليات التخطيط الوطني لإعادة الإعمار، ومبادرات التنمية المحلية، وبرامج التعافي الاقتصادي. كما ينبغي أن تتجاوز مشاركة الشباب حدود المشاورات الرمزية لتصبح مشاركة مؤسسية وفاعلة في صنع القرار، والتخطيط للبنية التحتية، وتقديم الخدمات العامة، والإدارة المحلية، وبرامج التعافي الاقتصادي.
ومن المهم التأكيد على أن هذا التحول لا يقتضي من الأحزاب السياسية التخلي عن العمل السياسي، وإنما يدعو إلى إعادة تعريف الأساس الذي تقوم عليه المنافسة السياسية. فمعظم الأحزاب السودانية تتضمن في برامجها السياسية التزامات واضحة تتعلق بالتنمية الاقتصادية، وتحسين الخدمات العامة، وخلق فرص العمل، وتعزيز الحماية الاجتماعية. غير أن هذه الالتزامات ينبغي أن تتحول من وعود خطابية إلى برامج قابلة للقياس والمساءلة، تتنافس الأحزاب من خلالها على كسب ثقة المواطنين. وبذلك، ينبغي أن تتمحور الانتخابات والنقاشات العامة حول أسئلة عملية من قبيل: أي الأحزاب تمتلك أفضل استراتيجية لتطوير التعليم؟ وأيها يقدم الخطة الأكثر مصداقية لإعادة بناء النظام الصحي؟ وأيها أكثر قدرة على خلق فرص العمل، وزيادة الإنتاج الزراعي، وتطوير البنية التحتية للنقل، وتقليص الفجوات التنموية بين الأقاليم؟
ومنذ الاستقلال، هيمنت على الحياة السياسية السودانية صراعات حول السلطة السياسية، والهوية، والسيطرة على مؤسسات الدولة. وغالباً ما ارتبطت هذه الصراعات بممارسات إقصائية، وتوزيع غير عادل للموارد، وسياسات قائمة على مبدأ “فرّق تسد”، منحت امتيازات لبعض المناطق أو المجموعات على حساب الأغلبية من أبناء الشعب السوداني. وقد أسهم ذلك في إنتاج دورات متكررة من النزاعات، وإضعاف مؤسسات الدولة، وتعميق الفوارق التنموية بين مختلف أنحاء البلاد.
ويهدف الحوار التنموي إلى استبدال هذه المنافسة السياسية الصفرية بالتزام وطني مشترك يضع رفاه المواطنين في صدارة الأولويات. فتصبح التنمية الأرضية المشتركة التي تتنافس حولها القوى السياسية، بينما يصبح المواطن هو المستفيد الحقيقي من هذا التنافس، بدلاً من أن يبقى مجرد متفرج على مساومات النخب السياسية.
ومن الناحية العملية، يتطلب هذا الإطار إنشاء منصات للحوار التنموي على المستويين الوطني والمحلي، تشارك فيها مؤسسات الدولة، والأحزاب السياسية، وخبراء الاقتصاد التنموي، والمهندسون، ومخططو المدن والأقاليم، والسلطات المحلية، والقطاع الخاص، ومنظمات المجتمع المدني، والمنظمات النسوية، وممثلو الشباب، والإدارات الأهلية، والنقابات المهنية، وسائر الفاعلين المجتمعيين. وينبغي أن تستند هذه الحوارات إلى مؤشرات تنموية موضوعية لتحديد أولويات الاستثمار، بعيداً عن الانتماءات السياسية أو الحسابات الحزبية الضيقة.
وينبغي أن تشمل أولويات الاستثمار تطوير شبكات الطرق التي تربط القرى بالمدن والأسواق الإقليمية، بما يمكّن المزارعين والمنتجين المحليين من تسويق منتجاتهم والاندماج في سلاسل القيمة الوطنية. كما ينبغي إعطاء الأولوية لبناء المدارس، والمرافق الصحية، والمستشفيات، والأسواق، وشبكات المياه والكهرباء، والبنية التحتية الرقمية، والمرافق الرياضية والترفيهية في المجتمعات الأقل نمواً في جميع أنحاء السودان. ومن شأن تحقيق تنمية إقليمية متوازنة أن يسهم ليس فقط في تحسين مستويات المعيشة، وإنما أيضاً في الحد من التفاوتات الجغرافية التي ظلت تغذي الشعور بالغبن والتهميش، وتشكل بيئة خصبة لتجدد النزاعات المسلحة.
كما يستطيع السودان أن يستفيد من تجارب عدد من الدول الأفريقية المجاورة التي نجحت في جعل التنمية طويلة الأجل محوراً رئيسياً لعملية بناء الدولة، رغم التحديات السياسية والأمنية التي واجهتها. وتؤكد هذه التجارب أن الاستثمار المستدام في البنية التحتية، واللامركزية في تقديم الخدمات، وتحديث القطاع الزراعي، والتنمية الاقتصادية المحلية، يسهم في تعزيز التماسك الوطني، وتوسيع الفرص الاقتصادية، وتقوية العلاقة بين الدولة والمواطنين. ورغم خصوصية السياق السوداني، فإن هذه الخبرات تثبت أن التنمية نفسها يمكن أن تصبح أداة فعالة لبناء السلام وتعزيز الاستقرار.
وقد يبدو الحديث عن إعادة الإعمار بعيدة المدى في ظل استمرار الحرب أمراً سابقاً لأوانه. غير أن السلام المستدام لا يبدأ بعد توقف القتال، وإنما يبدأ بالتخطيط له أثناء النزاع نفسه. ولذلك، فإن التخطيط لإعادة الإعمار، والإصلاح المؤسسي، والتنمية العادلة، يجب أن ينطلق منذ الآن، حتى يكون السودان مستعداً للانتقال السريع من مرحلة الاستجابة الإنسانية إلى مرحلة التعافي وإعادة البناء فور تهيؤ الظروف المناسبة. كما أن اتفاقيات السلام التي تفتقر إلى رؤية تنموية واضحة وشاملة تظل معرضة لإعادة إنتاج الاختلالات الهيكلية نفسها التي غذّت الصراع على مدى العقود الماضية.
وفي نهاية المطاف، يدعو إطار الحوار التنموي إلى إعادة تعريف مفهوم النجاح الوطني. فبدلاً من قياس الإنجاز السياسي بمدى السيطرة على مؤسسات الدولة أو الحصول على حصص في ترتيبات تقاسم السلطة، ينبغي أن يُقاس النجاح بمدى التقدم في مؤشرات التنمية البشرية، وعدالة الحصول على الخدمات العامة، وتوسيع البنية التحتية، وخلق الفرص الاقتصادية، وتقليص الفوارق التنموية بين الأقاليم. ويتيح هذا التحول فرصة تاريخية لاستبدال سياسة التنافس على السلطة بسياسة التنافس على الأداء والابتكار والقدرة على تحقيق تحسينات ملموسة في حياة المواطنين، بما يؤسس لعقد اجتماعي جديد يقوم على التنمية والعدالة والازدهار المشترك، ويضع السودان على مسار سلام مستدام وتنمية شاملة.
ومع أن الدعوة إلى التخطيط لإعادة الإعمار على المدى الطويل في ظل استمرار الحرب قد تبدو سابقة لأوانها، فإن السلام المستدام لا يبدأ بمجرد توقف أعمال العنف. فالتخطيط لإعادة الإعمار، والإصلاح المؤسسي، وتحقيق التنمية العادلة ينبغي أن ينطلق خلال فترة النزاع نفسها، حتى يكون السودان مهيأً للانتقال السريع من مرحلة الاستجابة الإنسانية إلى مرحلة التعافي وإعادة البناء متى ما تهيأت الظروف لذلك. أما اتفاقيات السلام التي تفتقر إلى رؤية تنموية واضحة وشاملة، فإنها تُخاطر بإعادة إنتاج الاختلالات الهيكلية ذاتها التي غذّت الصراعات تاريخياً.
وفي نهاية المطاف، يدعو إطار الحوار التنموي إلى إعادة تعريف مفهوم النجاح الوطني. فبدلاً من قياس الإنجاز السياسي بمدى السيطرة على مؤسسات الدولة أو الحصول على مكاسب من خلال ترتيبات تقاسم السلطة، ينبغي أن يُقاس النجاح بمدى التقدم المحرز في مؤشرات التنمية البشرية، وعدالة الحصول على الخدمات العامة، وتوسيع البنية التحتية، وخلق الفرص الاقتصادية، وتقليص الفوارق التنموية بين الأقاليم. ومن شأن هذا التحول أن يتيح فرصة تاريخية لاستبدال سياسات التنافس على السلطة بثقافة التنافس على الأداء، والابتكار، والقدرة على تحقيق تحسينات ملموسة في حياة المواطنين السودانيين.
5- الخاتمة
تكشف الدورات المتكررة للصراع في السودان أن السلام لا يمكن أن يتحقق من خلال التسويات السياسية وحدها. فبينما يظل الحوار السياسي أداة لا غنى عنها للتوصل إلى اتفاقات وقف إطلاق النار، وترتيبات الحكم، والإصلاحات الدستورية، أثبتت عقود من التجارب أن هذه العمليات تظل قاصرة عندما تعجز عن معالجة الاختلالات الاقتصادية والتنموية الهيكلية التي شكلت المشهد السياسي السوداني منذ الاستقلال. ومن ثم، فإن تحقيق السلام المستدام يتطلب معالجة ليس فقط اختلالات توزيع السلطة السياسية، وإنما أيضاً التفاوتات في توزيع التنمية، والخدمات العامة، والفرص الاقتصادية، والاستثمارات الحكومية.
وانطلاقاً من منظور الاقتصاد السياسي، بينت هذه الدراسة أن استمرار الصراع في السودان لا يرتبط بالإقصاء السياسي وحده، بل هو نتاج التفاعل بين التهميش السياسي، والتنمية غير المتوازنة، واتساع نطاق الاقتصاد الرسمي، والاقتصاد غير الرسمي، واقتصاد الظل، بما يخلق حوافز اقتصادية قوية لاستمرار العنف. فقد أصبحت الحرب نفسها مصدراً للمكاسب الاقتصادية بالنسبة لعدد من الفاعلين، في حين أسهمت عقود من التنمية غير المتوازنة في تعميق المظالم، وإضعاف شرعية الدولة، وترسيخ الفوارق التنموية بين الأقاليم. وبناءً على ذلك، فإن جهود بناء السلام التي تقتصر على مساومات النخب وترتيبات تقاسم السلطة لن تتمكن من تحقيق استقرار دائم، ما لم تتزامن مع تفكيك البنى الاقتصادية التي تغذي الصراع، ومعالجة أنماط التهميش التاريخية التي لا تزال تُقسم البلاد.
وتطرح هذه الورقة مفهوم الحوار التنموي باعتباره ركيزةً مكملة وضرورية لجهود بناء السلام في السودان. فالحوار التنموي لا يسعى إلى إحلال التنمية محل الحوار السياسي، وإنما إلى توسيع أجندة السلام لتشمل رفاه المواطنين، والتحول الاقتصادي الشامل، وعدالة تقديم الخدمات، والتنمية الإقليمية المتوازنة باعتبارها مرتكزات أساسية لصنع القرار الوطني. كما يعيد تعريف الشرعية السياسية، بحيث لا تستند إلى القدرة على الوصول إلى السلطة أو الاحتفاظ بها، وإنما إلى قدرة الحكومات على إحداث تحسينات ملموسة في حياة المواطنين. وبهذا المعنى، ينتقل التنافس السياسي من الصراع حول السلطة إلى التنافس حول الأداء التنموي، والابتكار، وجودة الخدمات العامة.
كما يؤكد الحوار التنموي أن إعادة بناء السودان لا يمكن أن تبقى حكراً على النخب السياسية. فمستقبل البلاد يعتمد على تعبئة خبرات وإمكانات مخططي التنمية، والاقتصاديين، والمهندسين، والقطاع الخاص، ومنظمات المجتمع المدني، والنساء، والشباب، والإدارات الأهلية، والمجتمعات المحلية. وقد برهنت القيادة الاستثنائية التي أظهرها الشباب السوداني، ولا سيما من خلال غرف الاستجابة للطوارئ، خلال الحرب الحالية، على امتلاك السودان لرصيد كبير من رأس المال الاجتماعي، والكفاءات الفنية، والالتزام الوطني اللازم لقيادة جهود التعافي وإعادة الإعمار. ومن شأن توظيف هذه الطاقات ضمن عملية تخطيط تنموي شاملة أن يعزز شرعية الدولة، ويعيد بناء الثقة بين المواطنين ومؤسساتها.
ومن الأهمية بمكان التأكيد على أن التخطيط لإعادة الإعمار يجب ألا ينتظر حتى تتوقف الحرب. فأسس التعافي في مرحلة ما بعد النزاع ينبغي أن تُوضع أثناء النزاع نفسه. إن بلورة رؤية وطنية مشتركة للتنمية العادلة، والاستثمار في البنية التحتية، والتعافي الاقتصادي، والإصلاح المؤسسي، من شأنها أن تمكّن السودان من الانتقال بسرعة وكفاءة من مرحلة الاستجابة الإنسانية إلى مرحلة إعادة الإعمار بمجرد تهيؤ الظروف السياسية والأمنية. وبالتالي، فإن هذا التخطيط لا يمثل انصرافاً عن مفاوضات السلام، بل يُعد استثماراً استراتيجياً لضمان أن يكون السلام، عند تحقيقه، سلاماً مستداماً وقادراً على إحداث تحسن حقيقي في حياة المواطنين.
ويقف السودان اليوم عند مفترق طرق تاريخي. فاستمرار المساومات السياسية التي تتمحور حول النخب، في غياب مشروع تنموي تحولي، لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج المظالم والاختلالات نفسها التي غذّت النزاعات المتعاقبة لأكثر من ستة عقود. وعلى النقيض من ذلك، فإن تبني الحوار التنموي يتيح فرصة لإعادة صياغة العقد الاجتماعي في السودان على أسس جديدة تقوم على العدالة، والشمول، والمساءلة، وتقاسم ثمار التنمية، بدلاً من الإقصاء، والمحسوبية، والتنافس على السلطة.
إن السلام الدائم لن يتحقق بمجرد إسكات صوت السلاح، وإنما ببناء دولة قادرة على الوصول إلى كل قرية وكل مدينة، من خلال توفير الطرق، والمدارس، والمستشفيات، والأسواق، وفرص العمل، والخدمات الأساسية، وضمان المساواة الكاملة في المواطنة والحقوق. ولن يتمكن السودان من كسر الحلقة المفرغة للصراعات المتكررة ووضع أسس دولة مستقرة ومزدهرة وعادلة، إلا إذا أصبحت التنمية هي الركيزة المركزية لبناء السلام وصياغة مستقبل البلاد.




من “الحوار التنموي” إلى “ميثاق الإنقاذ وبناء الدولة”: حين تصبح الشرعية الوظيفية شرطاً لا بديلاً
د. على عبدالله الخليفة طه
تقديم
تطرح الأستاذة رباب محمد علي بلدو في مقالها أطروحة جديرة بالتأمل الجاد: أن مسار السلام في السودان ظل حبيس منطق الحوار السياسي النخبوي القائم على تقاسم السلطة، بينما تُركت الأسس المادية للصراع — التفاوت في الخدمات، والبنية التحتية، واقتصاد الحرب — خارج طاولة التفاوض. وهي أطروحة تلتقي في جوهرها مع خط تحليلي طرحته في أكثر من موضع: أن الأزمة السودانية ليست أزمة “من يحكم” فحسب، بل أزمة “كيف تُبنى الشرعية أصلاً”. غير أن الاتفاق على هذا التشخيص لا يعني بالضرورة الاتفاق على العلاج، وهنا أجد أن الورقة، رغم قوتها التحليلية، تحتاج إلى استكمال بنيوي لا يمكن الاستغناء عنه.
أولاً: نقاط الالتقاء
الورقة محقة في ثلاث ملاحظات جوهرية:
أن الحوار السياسي القائم على النخب أعاد إنتاج الاستقطاب بدل تفكيكه، لأنه تعامل مع تقاسم السلطة كغاية لا كوسيلة.
أن اقتصاد الحرب بشبكاته الموازية وأنظمة “الاستخراج وإعادة التدوير” يخلق حوافز بنيوية لاستمرار العنف، وهذا بالضبط ما حاول “ميثاق الإنقاذ وبناء الدولة” (Mithaq al-Najat) معالجته حين اشترطت تفكيك الاقتصادات الموازية كشرط تأسيسي لا كبند إصلاحي لاحق.
أن غرف الاستجابة الطارئة (ERRs) أثبتت أن الشرعية الفعلية يمكن أن تُبنى من أسفل، من خلال الأداء لا من خلال التفويض السياسي. وهذا ما عبّر عنه مشروع “النفير الوطني الكبير” حين افترض أن الحشد الشعبي والتنظيم الأهلي هما رأس المال التأسيسي لأي دولة قادمة، لا مجرد أداة إغاثية مؤقتة.
ثانياً: المشكلة في “الحوار التنموي” بوصفه بديلاً مكتملاً
الورقة تطرح الحوار التنموي كإطار “مكمّل” للحوار السياسي، وهذا تحفظ منهجي مهم أحسنت الكاتبة به. لكن الصياغة العملية للورقة تميل، في مواضع عدة، إلى معاملة التنمية كأنها يمكن أن تُبنى الشرعية عليها بمعزل عن آلية مؤسسية تضمن ألا تتحول موارد “الحوار التنموي” نفسها إلى ساحة جديدة للمحاصصة.
هنا يكمن الفارق الجوهري بين “الحوار التنموي” و”الشرعية الوظيفية” كما طرحتها في أعمالي: التنمية وحدها لا تصنع شرعية إن لم تُقترن بآلية تحاسب من يوزّع الموارد، ومن يقرر الأولويات الإقليمية، ومن يمنع تكرار نفس أنماط التفضيل الجغرافي التي تنتقدها الورقة نفسها بحق. فبلا هذه الآلية، فإن “التنافس على الأداء التنموي” الذي تدعو إليه الورقة سيؤول، من الناحية العملية، إلى نفس المشكلة: نخبة جديدة (تكنوقراطية هذه المرة، لا حزبية) تتحكم في من يحصل على الطريق والمدرسة والمستشفى، دون آلية تمثيل إقليمي مُلزمة تمنع إعادة إنتاج التهميش بلغة “المؤشرات الموضوعية” بدل لغة “المكاسب السياسية”.
وهذا بالضبط ما دفعني إلى اقتراح “الركيزة الرابعة” التمثيل الإقليمي والتوافق الموزون كإضافة ضرورية لأي إطار حوكمي انتقالي: آلية تضمن أن قرارات توزيع التنمية ذاتها تخضع لتمثيل إقليمي وزني عادل، لا لتقدير مركزي “محايد” بحكم التعريف فقط.
ثالثاً: التنمية بلا عدالة انتقالية تُعيد إنتاج مظالمها
هناك إغفال آخر في الورقة، وهو أخطر ما فيها من وجهة نظري: التنمية بمعزل عن معالجة الانتهاكات والمظالم التراكمية لن تصنع سلاماً، بل ستصنع سلاماً هشاً قابلاً للانفجار. فالمجتمعات التي عانت من العنف الممنهج لا تكفيها الطرق والمستشفيات لتُعيد الثقة بالدولة؛ فتساؤل “من قتل من؟” و”من عُوّض ومن لم يُعوّض؟” يبقى حاضراً بقوة مساوية لتساؤل “من يحصل على الكهرباء؟”. هذا ما بنيت عليه هيكلية العدالة الانتقالية ذات المسارات الثلاثة: مجالس المصالحة المحلية، ومفوضية الحقيقة والإنصاف، وغرفة الجرائم الكبرى — بوصفها المسار الموازي الذي لا غنى عنه للحوار التنموي، لا بديلاً عنه ولا تابعاً له.
بعبارة أخرى: الحوار التنموي بلا عدالة انتقالية يخاطر بأن يصبح “رشوة تنموية” لشراء السكوت عن الانتهاكات، تماماً كما كانت اتفاقيات تقاسم السلطة سابقاً “رشى سياسية” لشراء سكوت الأطراف المسلحة.
رابعاً: نحو تركيب: “حوار العدالة والتنمية”
أقترح، انطلاقاً مما سبق، أن يُعاد صوغ الإطار الذي تطرحه الورقة تحت مسمى أدق: “حوار العدالة والتنمية” وليس “الحوار التنموي” وحده. ركائزه:
شرعية وظيفية مشروطة بالمساءلة: التنمية معيار للشرعية، لكن فقط حين تُدار عبر آليات تمثيل إقليمي مُلزمة (الركيزة الرابعة)، لا عبر تقدير تقني مركزي.
مسار عدالة انتقالية مواز لا لاحق: يبدأ تفعيله بالتزامن مع أي تخطيط لإعادة الإعمار، لا بعد اكتماله.
تفكيك اقتصاد الحرب كشرط تأسيسي: بلا هذا التفكيك، فإن أي استثمار تنموي سيتحول جزء منه حتماً إلى تغذية نفس الشبكات التي تصفها الورقة بدقة.
مأسسة تجربة غرف الاستجابة الطارئة: لا كنموذج إلهام فقط كما تقترح الورقة، بل كوحدات حوكمة محلية معترف بها قانونياً ضمن هيكل الدولة الانتقالية، تماماً كما تصورتها بنية “النفير الوطني الكبير”.
خاتمة
الورقة تصيب حين تقول إن السودان لن يخرج من دائرة الصراع المتكررة بتسويات سياسية فوقية وحدها. لكن الحل ليس استبدال “مساومة السلطة” بـ”مساومة التنمية”، بل بناء منظومة تجعل التنمية والعدالة والتمثيل الإقليمي شروطاً متلازمة لا يمكن فصل أحدها عن الآخر. فالتنمية بلا عدالة تنسى الضحايا، والعدالة بلا تنمية تبقى شعاراً بلا أثر مادي، وكلاهما بلا تمثيل إقليمي منصف يعيدان إنتاج نفس الجغرافيا السياسية للتهميش التي أشعلت الحرب من الأساس.
لابد من رفع القبعة للاستاذه الدكتورة كاتبة الورقة على هذا الطرح العلمي المميز والبناء والذي لفت النظر الى مقاربتها القائمة على اعتماد الحوار التنموي كرافعة لتحقيق السلام بالتكامل مع الحوار السياسي.
اود ان اقول ان هذه ىالحرب لااظهرت مدي هشاشة المجتمع السوداني من الناحية الاجتماعية والاقتصادية ولكن قبلها من الناحية القيمية والاخلاقية مما ادى لاستشراء الفساد الذي اصبح في نظر السواد الاعظم من السودانيين امراً طبيعياً ومألوفاً.
نحن بحاجة الى عقد اجتماعي تتوافق فيه كل النخب السياسية والاقليمية والجهوية على مشروع وطني نهضوي يكون راس الرمح فيه الحوار التنموي ورفع الغبن عن الاقاليم المهمشة واعطاء اولويات في التنمية للاقاليم التي دمرتها الحرب وكذلك التخلص من خطاب الكراهية ورتق النسيج الاجتماعي وصولا للتعافي النفسي على مستوى الفرد وعلى المستوى الجمعي.ومن ثم ننطلق في ظل هذا التعافي لوضع رؤى جديدة للمشروع الوطني النهضوي الذي عليه اصطحاب الكل مع مراعاة الفروق وصولاً لحالة التوازن التنموي التي اشارت اليها كاتبة المقال ومن علق قبلي.
كذلك لابد من اسس جديدة لممارسة العمل السياسي، بحيث لا يقبل تسجيل احزاب تقوم على الجهوية والقبلية وغيرها من مشاكلز ولابد لهذه الاحزاب من ان تقوم علىاسس المساواة في الحقوق والواجبات بين كافة عضويتها وان تقدم نفسها بناءاً على برامج علمية تحقق اهداف المجتمعات التي تنطلق منها.
جيل الشباب الذي قام بالجهد الخارق ابان هذه الحرب يجب ان يتقدم لتولى القيادة وبرؤى تستلهم المولروث السوداني في القيم والاخلاق والشفافية وان لا يكون هناك اي متسع لاي من ممارسات الماضي التي كانت متبعة في الاحزاب البائدة.
لابد من ان نتجه الى التفكير والتخطيط الاستراتيجي وان نعرف نقاط قوتنا كدولة ونقاط ضعفنا ونقاط قوة وضعف دول الجوار حولنا لندخل في علاقات تعاون استراتيجي معها يقوم على تحقيق مصالح كافة الاطراف بما يرضي الجميع وبذلك نضمن تحييدها توجهاتها الانتهازية في استغلال مواردنا او التفكير التوسعي والسعي للهيمنة والذي نعاني من الان.
هذا ما أري وما أوتيت من العلم الا قليلاً والله من وراء القصد.
د. قسوم خيري بلال
التحية والتقدير والتهنئة للكاتبة وللمعلق.
في تقديري الحوار حول التنمية المتوازنة والمستدامة وكذلك العدالة الانتقالية أمر هام وشرط لازم لتصحيح مسار الممارسة السياسية التقليدية التى لم ولن تنتج مخرجا للبلا من أزمتها المركبة. ولتكتمل عملية فتح الباب لخروج البلاد من أزمتها المتفاقمة، أري أن وضع أساس للبناء الوطني يتطلب وضع أساس وشروط التنمية المتوازنة والمستدامة ليس في طاولة حوار بل في صلب دستور دائم يلزم القوي السياسية كلها بغض النظر عن عن تباينات برامجها. بلغة أخري، التزام الجميع بالتقاسم العادل للسلطة والثروة بين المواطنين بغض النظر عن موقعهم الجغرافي او اي فوارق أخري بينهم. ولتوضيح أكثر لنتمعن في الدستور الهندي علي سبيل المثال، حيث تم تثبيت أسس التنمية المتوازنة والمستدامة في القانون الأعلي في البلاد(الدستور)، الذي يحوي كل شروط العدالة السياسية، للاقتصادية، الاجتماعية (راجع الدستور الهندي) ذلك …يغني