هل التحركات الأمريكية هي السبب المباشر وراء الحديث عن جدول الانسحابات؟ وهل يقود ذلك إلى وقف الحرب والانتقال المدني؟

أثار حديث المبعوث الأمريكي إلى السودان مسعد بولس أمام مجلس الأمن بشأن تسليم الأطراف مقترحًا يتعلق بجدول للانسحابات تساؤلات واسعة حول ما إذا كانت هناك تفاهمات تُدار خلف الكواليس لإنهاء الحرب في السودان.
وجاء ذلك بالتزامن مع تصعيد أمريكي غير مسبوق تمثل في فرض عقوبات على شركات وكيانات مرتبطة بالحركة الإسلامية والجيش، واستهداف شبكات التمويل والإمداد، الأمر الذي يعكس انتقال واشنطن من مرحلة الضغوط السياسية إلى مرحلة استهداف البنية الاقتصادية والعسكرية التي تساعد على استمرار الحرب.
ومن هنا يبرز السؤال: هل فرضت هذه الضغوط واقعًا جديدًا دفع الجيش إلى القبول بمناقشة ترتيبات الانسحابات؟ وهل يمثل ذلك بداية نهاية الحرب، أم مجرد مرحلة جديدة من الصراع؟
ومن المعلوم لدى الجميع أن الحركة الإسلامية هي المعطِّل لأي اتفاق لوقف الحرب، لذلك جاءت العقوبات عليها كطرف رئيسي.
العقوبات الأمريكية… نقطة التحول الأرز :-
من خلال قراءة تسلسل الأحداث، تبدو العقوبات الأمريكية الأخيرة من أبرز العوامل التي غيّرت موازين الحسابات. فاستهداف شبكات التمويل، وتشديد الرقابة على مصادر التسليح، وعرقلة الصفقات الخارجية، رفع كلفة استمرار الحرب بصورة كبيرة، وجعل الحصول على السلاح أكثر صعوبة، مع تزايد الاعتماد على السوق السوداء.
كما أن الضغوط التي تعرض لها حلفاء الحركة الإسلامية في الإقليم، وفي مقدمتهم إيران، ساهمت في تضييق هامش الدعم الخارجي، وهو ما انعكس على قدرة هذا المحور على مواصلة الحرب بالوتيرة نفسها.
وفي ظل هذه المتغيرات، أصبحت الحركة الإسلامية أمام واقع مختلف، إذ إن استمرار الحرب بات أكثر كلفة من الناحية العسكرية والاقتصادية والسياسية.
ولذلك، تبدو الضغوط الدولية وكأنها دفعتها إلى البحث عن مخرج يقلل خسائرها، بعد أن أصبحت مصادر التمويل والدعم الخارجي تواجه تضييقًا غير مسبوق.
واشنطن لا تبدو في طريقها إلى التراجع :-
المؤشرات المتداولة تشير إلى أن الضغوط الأمريكية لم تنتهِ عند العقوبات التي أُعلنت في 25 يونيو، بل إن هناك حديثًا عن حزمة عقوبات جديدة قد تستهدف شركات وواجهات اقتصادية أخرى مرتبطة بالحركة الإسلامية والجيش.
وإذا صحت هذه المؤشرات، فإن ذلك يعني أن واشنطن تتجه نحو تصعيد تدريجي يركز على تجفيف مصادر التمويل وتعطيل الشبكات الاقتصادية التي تسهم في استمرار الحرب، وهو ما قد يجعل الأيام المقبلة أكثر صعوبة على الحركة الإسلامية ويضيق هامش المناورة أمامها بصورة أكبر.
هل يعني ذلك قبولًا بالسلام؟
الضغوط الدولية قد تدفع الحركة الإسلامية إلى وقف إطلاق النار مؤقتآ.
فالحركة الإسلامية، استسعى على الأرجح إلى الحفاظ على نفوذها داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية والاقتصادية، حتى إذا تم التوصل إلى وقف لإطلاق النار.
ولهذا فإن وقف الحرب لا يعني تلقائيًا إنهاء أسبابها، ولا يساوي بالضرورة انتقالًا مدنيًا حقيقياً.
ماذا تقول التجارب السابقة؟
تجارب عدد من الدول تؤكد أن الضغوط الدولية قد تنجح في وقف الحروب، لكنها لا تنجح دائمًا في تحقيق انتقال سياسي.
ففي اليمن، كما في تجارب أخرى، أسهمت الضغوط الدولية في فرض هدن واتفاقات لوقف إطلاق النار أكثر من مرة، لكن استمرار القوى المسيطرة داخل مؤسسات الدولة حال دون تحقيق تحول ديمقراطي كامل، لتعود الأزمات بأشكال مختلفة.
وهذا السيناريو قد يتكرر في السودان إذا اقتصر الاهتمام الدولي على وقف إطلاق النار، دون معالجة جذور الأزمة، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس جديدة تضمن انتقالًا مدنيًا حقيقيًا.
السؤال الذي سيحدد مستقبل السودان
إذا نجحت واشنطن في دفع الأطراف نحو وقف إطلاق النار، فالسؤال الحقيقي يبدأ بعد ذلك:
هل ستواصل الولايات المتحدة ضغوطها حتى تحقيق انتقال مدني كامل، وإصلاح مؤسسات الدولة، وإنهاء نفوذ القوى التي أسهمت في استمرار الحرب؟
أم أنها ستكتفي بوقف العمليات العسكرية، تاركةً الأزمة السياسية كما هي؟
الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد ما إذا كان السودان مقبلًا على سلام مستدام، أم مجرد هدنة مؤقتة قد تؤجل الصراع إلى موعد آخر.
تشير المعطيات الحالية إلى أن الضغوط الأمريكية والدولية أصبحت أكثر تأثيرًا من أي وقت مضى، وأنها أسهمت في تغيير حسابات أطراف الحرب عبر استهداف التمويل والتسليح وشبكات الدعم.
لكن نجاح هذه الضغوط في وقف الحرب لا يعني بالضرورة نجاحها في بناء السلام.
فالتحدي الحقيقي لن يكون في إسكات البنادق، وإنما في ضمان انتقال مدني حقيقي، وإصلاح مؤسسات الدولة، ومنع إعادة إنتاج الأزمة بالنفوذ ذاته الذي قاد السودان إلى هذه الحرب.
وحتى تتضح الخطوات الأمريكية المقبلة، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل يمثل جدول الانسحابات بداية نهاية الحرب، أم بداية مرحلة جديدة من الصراع السياسي؟




الحرب تتوقف بالضغط الخارجي، لكن السلام لا يُبنى إلا بالشرعية الداخلية
قراءة نقدية لمقال “جدول الانسحابات” للأستاذ أواب عزام البوشي
د. على عبدالله الخليفة طه
يطرح مقال الأستاذ أواب عزام البوشي تحليلاً متماسكاً لتحول الموقف الأمريكي من الضغط السياسي إلى استهداف البنية الاقتصادية والعسكرية الممكِّنة لاستمرار الحرب، وهو تحليل يستحق التقدير في رصده لتسلسل الأحداث. غير أن المقال، كغيره من الكتابات التي تتعامل مع الأزمة السودانية بوصفها معادلة ضغط-استجابة بين قوى خارجية وأطراف الحرب، يقع في مأزق منهجي متكرر: يُحيل مصير الانتقال المدني إلى إرادة طرف خارجي (واشنطن) دون أن يسأل: أي بنية داخلية يجب أن تكون جاهزة لتستوعب لحظة وقف إطلاق النار إن حدثت؟
أولاً: العقوبات تُغيّر الحسابات، لا تُغيّر البنية
المقال محق في أن تجفيف التمويل وتضييق مصادر التسليح يرفعان كلفة استمرار الحرب على الحركة الإسلامية وحلفائها. لكن هذا التحليل يتوقف عند حدود الاقتصاد السياسي للصراع، ولا يمتد إلى ما بعد وقف إطلاق النار. والمشكلة أن الحركة الإسلامية كما يعترف المقال نفسه “ستسعي على الأرجح إلى الحفاظ على نفوذها داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية والاقتصادية، حتى إذا تم التوصل إلى وقف لإطلاق النار”. هذا الاعتراف يجب أن يكون نقطة الانطلاق لا الخاتمة: إذا كان النفوذ سيبقى محفوظًا داخل المؤسسات، فإن أي جدول انسحابات عسكري لا يعالج جوهر الأزمة، بل يُعيد ترتيب واجهاتها.
هنا بالضبط يكمن الفارق بين مقاربة ميثاق الإنقاذ وبناء الدولة (ميثاق النجاة) وبين القراءات التي تكتفي برصد الضغط الدولي: الميثاق لا يراهن على أن وقف الحرب سينتج شرعية جديدة تلقائيًا، بل يشترط بنية مؤسسية موازية المجالس المحلية للمصالحة، ولجنة الحقيقة والإنصاف، وغرفة الجرائم الكبرى، تعمل على تفكيك شبكات النفوذ من الداخل، بالتوازي مع أي تهدئة عسكرية، لا بعدها.
ثانيًا: سابقة اليمن، الدرس الناقص
استحضار المقال لتجربة اليمن دقيق، لكنه يستخلص منها نصف الدرس فقط. الدرس ليس أن “الضغط الدولي ينجح في وقف الحرب لكن يفشل في التحول الديمقراطي” كحقيقة قدرية، بل أن غياب آلية داخلية لإعادة توزيع السلطة والتمثيل هو ما يُنتج هذا الفشل تحديدًا. اليمن لم يفشل لأن الضغط الدولي كان ضعيفًا، بل لأن الترتيبات السياسية بعد الهدنة أعادت إنتاج نفس مراكز القوى دون تفكيكها أو موازنتها بتمثيل إقليمي حقيقي.
ثالثًا: لماذا يحتاج “الانسحاب” تحديدًا إلى ركن رابع؟
هذه النقطة تستحق تفصيلاً أوسع، لأنها الحلقة الناقصة في تحليل المقال. حين ينسحب الجيش أو الدعم السريع من منطقة، فإن الفراغ الذي يُخلَّف ليس فراغ سلطة مركزية مجردة، بل فراغ إداري وأمني محلي محدد جغرافيًا: من يدير الأمن في تلك المحلية؟ من يوزّع الإغاثة؟ من يحسم النزاعات على الأرض والموارد التي تفاقمت أثناء الحرب؟ هذا بالضبط هو الفراغ الذي كشفت عنه تجربة اليمن — حين انسحبت قوة عسكرية من منطقة، لم يحل محلها “دولة مدنية” بل ملأتها غالبًا قوى محلية مسلحة أو شبكات نفوذ موازية أسرع من أي مسار سياسي مركزي.
الركن الرابع الذي ادعو له التمثيل الإقليمي والتوافق الموزون يعالج هذا الخلل مباشرة: بدلاً من انتظار “تسوية مركزية” تُوزَّع لاحقًا على الأقاليم، يفترض وجود آلية تمثيل إقليمي مفعّلة سلفًا، متصلة عضويًا بالمجالس المحلية للمصالحة في الركن الأول، بحيث تستقبل كل مرحلة من مراحل الانسحاب بمرجعية محلية شرعية. بعبارة أخرى: جدول الانسحابات يحتاج جدول تمكين مواز على المستوى الإقليمي، وإلا تحوّل كل انسحاب عسكري إلى فرصة لإعادة إنتاج نفوذ محلي غير خاضع للمساءلة.
ثم إن خطاب مثل مقال البوشي، حين يسأل “هل ستضغط واشنطن حتى انتقال مدني كامل؟”، يفترض ضمنًا أن الانتقال المدني شيء واحد متجانس يُفرض من المركز إلى الأطراف وهو افتراض يقابله في الاتجاه المعاكس تمامًا مقترح حمودة الكونفدرالي، الذي يذهب إلى تفكيك شبه كامل للدولة الموحدة بدل إصلاح توازنها الداخلي. الركن الرابع يقترح مسارًا ثالثًا بين هذين الطرفين: لا مركزية مطلقة تفرض تصورًا واحدًا للانتقال بنفس الوتيرة على كل الأقاليم، ولا كونفدرالية تُضعف الدولة كوحدة سياسية-قانونية. “التوافق الموزون” يعني أن قرارات الانتقال الكبرى الدستور، توزيع الموارد، هيكلة الأجهزة الأمنية تمر عبر آلية تمثيل تُعطي وزنًا حقيقيًا للأقاليم المتفاوتة في الحجم وفي درجة الإصابة بالحرب، لا وزنًا شكليًا يُبقي القرار الفعلي في يد نخبة الخرطوم كما جرت العادة تاريخيًا.
رابعًا: من يملأ الفراغ؟ إعادة صياغة السؤال
المقال يختم بسؤال مفتوح: هل ستواصل واشنطن ضغوطها حتى انتقال مدني كامل أم تكتفي بوقف العمليات؟ هذا السؤال، بصياغته، يُبقي زمام المبادرة بيد الخارج بالكامل، ويترك “من يملأ الفراغ” معلقًا على افتراض غير محقق: وجود قوة سياسية مدنية مركزية جاهزة لتسلّم الحكم فور توقف القتال.
الركن الرابع يعيد صياغة السؤال ذاته: ليس المطلوب قوة مركزية واحدة تحتكر لحظة الانتقال، بل شبكة تمثيل إقليمي موزون قادرة على التفعيل التدريجي، إقليمًا بعد إقليم، بالتوازي مع كل مرحلة من مراحل جدول الانسحابات نفسه بحيث لا ينتظر السودان “لحظة انتقال كبرى” واحدة يحتكرها من يملك أسرع تنظيم في الخرطوم، بل يبني شرعية تراكمية من الأطراف نحو المركز.
خلاصة
مقال البوشي يصف آلية الضغط الخارجي بدقة، لكنه كغالبية التحليلات الجيوسياسية للملف السوداني يفترض ضمنيًا أن وقف الحرب سينتج فراغًا سياسيًا محايدًا يمكن ملؤه لاحقًا بالتراضي. والتجربة اليمنية التي يستشهد بها هو نفسه تنفي هذا الافتراض: الفراغ لا يُملأ بالحياد، بل بمن يملك التنظيم والجاهزية سلفًا، وغالبًا على مستوى محلي-إقليمي قبل أن يكون مركزيًا. والسؤال الحقيقي إذن ليس “هل ستستمر واشنطن في الضغط؟” بل: “هل يملك السودانيون أنفسهم، إقليمًا بعد إقليم، بنية تمثيل شرعية جاهزة لالتقاط كل مرحلة من مراحل الانسحاب قبل أن تُفتح؟”