قرأت العدد الاخير من مجلة شفق

عثمان يوسف خليل
هناك سوال لم اجد له اجابة ابداً ومازال هذا السؤال عالقاً في ذهني، اما ذلك السؤال فهو:
لماذا يبدع المثقف السوداني خارج بلده، هذا جانب من السؤال اما الشق الثاني من السؤال فهو ليه بيكثر الابداع كماً وكيفاً بل وبصورة مكثفة في وقت الأزمات، فهل هذه حالة إبداعية مؤقته ام هناك خلل ما في عقل الانسان السوداني؟
من هذه المقدمه وما طرحته من اسئلة أبدا مقالي هذا، متمنياً ان اجد اجابة تخفف من حيرتي..
ياسادتي هل لاحظتم مثلي انه رغم الأجواء المضطربة التي يعيشها السودان من حروب ونزوح وشتات، وما نتج منها من كثير معاناة إنسانية عميقة، فإن الساحة الثقافية ما تزال تفاجئنا بإصدارات متميزة من كتب وصحف ومجلات وأعمال درامية وبرامج متنوعة، وكلها تلامس وجداننا المرهف وتخفف عنا شيئًا من وطأة الغربة.
إذاً ليس من الغريب ان تأتي هذه الأعمال في ظل تلك الظروف الصعبة فالمبدع من اكثر الناس انفعالاً بقضايا وطنه وما حوله كأنه يتحدى التجربة القاسية، لؤكد أن السودان ما يزال غنيًا بإنسانه المبدع القادر على تحويل المحنة إلى فعل ثقافي وجمالي.
من حسن حظي انني ورغم الهم والغم التي سببتها وتسببها لي هذه الأحداث الدامية يصلني من الصديق مصعب الطيب صاحب الامتياز ورئيس التحرير لمجلته (شفق ) التي بدات جميلة ومزينة كانها عروس في ليلة زفافها، ولا غرو ان سماها مجلة “شفق”، ذلك الاسم الذي كان ومازال يضيء دروب الإبداع والثقافة.
والشفق نور الارض ومجلة شفق شمعه تنير العقول..
لابد هنا ان اذكر ان طريقي لهذه المجلة كان عن طريق الأستاذة الفاضلة ندى أحمد، وقد علمت منها أن صدور شفق بدأ في أكتوبر 2022، وهو شهر يحمل دلالات خاصة في الوجدان السوداني، إذ ارتبط بتلك الثورة الشعبية، كما ان هذا الوقت يتزامن عندي مع موسم الحصاد وانا ابن رجل كان يفلح ارضه حتى يوفر لنا لقمة العيش الكريمة، ومن هنا تعلمنا ان الحصاد صانع الحياة بما يحمله من رمزية للنمو والتجدد والأمل.
لا بد لي ايضا من الإشارة إلى حقيقة وهى أن المجلة كانت قد توقفت لشهور عدده لظروف فنية، لكن ماعلينا فكل شى في حياتنا الان يتعثر الخطى.
وها هى تنهض من جديد..
اول ما لفت انتباهي إلى هذا العدد من المجلة هو إخراجها الفني الجديد والمتميز وغلافها الأنيق.
ورغم أنني تصفحتها عبر شاشة هاتفي الصغيرة التي لا تتيح لي رؤية واضحة للتفاصيل الكاملة، إلا أن والحق يقال إنني لمست جهدًا احترافيًا كبيراً وواضحًا في التصميم والاخراج.
كما لفت نظري الأسلوب المبتكر في عرض محتويات العدد، حيث خُصص لكل موضوع تعريف موجز وصورة مصغرة داخل الفهرس، وهي فكرة تنظيمية ذكية تمنح القارئ تصورًا سريعًا عن المحتوى
وعندما انتقلت إلى المضمون، وجدت تنوعًا وثراءً في الموضوعات يعكسان حماس فريق التحرير وجديته.
كما فوجئت بوجود أسماء جديدة في عالم الكتابة لم أتعرف عليها من قبل، وهو أمر يبعث على التفاؤل؛ فالإبداع لا ينبغي أن يظل حكرًا على الأسماء المعروفة، بل لابد له ان يتجدد باستمرار عبر أصوات جديدة تمتلك رؤى وتجارب ابداعية تستحق أن تُسمع وهى تحكي عن واقعها الحقيقي الذي لا يمكن ان نفهمه كما يفهمونه هم..
ومن الجوانب الإيجابية التي لفتت نظري ذلك الحضور اللافت للمرأة في هيئة التحرير وبين الكاتبات المشاركات، وهو مؤشر مهم على اتساع دائرة المشاركة الثقافية وتنامي الوعي بأهمية دور المرأة في صناعة المشهد الفكري والإبداعي السوداني.
ومن باب الحرص على نجاح هذه التجربة واستمرارها، ارجو أن أضع بين يدى أصحابها بعض من المقترحات التي اتمنى ان تسهم في تطوير المجلة:
زيادة عدد الصفحات الثقافية المتخصصة، وتخصيص ملف ثقافي دائم يشرف عليه أحد المختصين.
إفراد مساحة أكبر لنشر أعمال الشباب وتشجيع المواهب الجديدة.
الاهتمام بالفنون بمختلف أشكالها، بما في ذلك الفنون التشكيلية والشعبية والموسيقية والمسرحية. واستكتاب اهل الخبرة للحديث عن الآلات الموسيقية الشعبية..
التوسع في نشر القصة القصيرة والقصة القصيرة جدًا، إلى جانب الرواية وسائر الأجناس الأدبية.
استقطاب المزيد من المبدعين الشباب في مختلف المجالات، باعتبار انهم هم الرصيد الحقيقي للمستقبل الثقافي.
ولعل أكثر ما يميز تجربة مجلة “شفق” أنها لم تأتِ في زمن الاستقرار والرخاء، بل ولدت وسط ظروف استثنائية يمر بها السودان.
لذلك فإن صدورها المنتظم وما تحمله من مادة ثقافية وإبداعية يجعل منها أكثر من مجرد مجلة؛ فهي شهادة على قدرة الثقافة السودانية على البقاء والتجدد رغم الحرب والنزوح والشتات.
فالإبداع الحقيقي لا ينتظر الظروف المثالية، بل كثيرًا ما يزهر في أصعب الأوقات، حاملاً معه الأمل ومؤكدًا أن روح السودان الثقافية ما زالت نابضة وقادرة على العطاء.
ختامًا، أتوجه بالتحية والشكر والتقدير إلى أسرة تحرير مجلة “شفق” على هذا الجهد المتميز، وأتمنى لهم التوفيق والاستمرار.
كما أتمنى أن تظل المجلة منبرًا ثقافيًا حرًا ومستقلًا يسهم في إثراء المشهد الثقافي السوداني والعربي، وأن تواصل في تقديم محتوى رصين يجمع بين الجودة والتجديد.
عثمان يوسف خليل
المملكة المتحدة



