عوض النقر بابكر: هَمْسُ سودانيٍّ في زمهرير الحروب

هيثم بلة سنهورى
في أزمنةٍ تتهاوى فيها الخرطوم تحت وطأةِ صليلِ السلاحِ، وتتطايرُ فيها الملايينُ كالورقِ الخريفيِّ في مهبِّ الريحِ، يبقى عوض النقر بابكر على عادتهِ: يكتبُ. يكتبُ القصةَ القصيرةَ التي تَسْكُنُ شواطئَ النيلِ، والمقالَ السياسيَّ الذي يُفكِّكُ تعقيداتِ الصراعِ بخيطٍ رفيعٍ من التأمُّلِ. لكنَّ السؤالَ الذي يظلُّ مُعلَّقاً في فضاءِ الصمتِ: لماذا لا تَلْحظُهُ عيونُ النقادِ، ولا تَصْغِي آذانُهم إلى هذا الصوتِ الذي يَصْدَحُ في زحمةِ الحربِ؟
يَنْتمي عوض النقر بابكر إلى جيلٍ من الكتَّابِ السودانيينَ الذينَ عاشوا الترحالَ مَذاقاً وجوديّاً، لا مجرَّدَ حادثةٍ عابرةٍ. مَسقطُ رأسِه قريةُ “بري الشريف”، تلكَ البقعةُ التي تَلتحمُ بالعاصمةِ ولا تَذوبُ فيها، كأنَّها قطرةُ زيتٍ في ماءٍ. هذا التوترُ الأبديُّ بينَ فضاءِ القريةِ المُتَّسعِ بأحلامِها، وزحامِ المدينةِ بقلقِها، يشكِّلُ عَصَبَ نصوصِه السرديةِ، ويُؤلِّفُ إيقاعاً خاصّاً بينَ الذاكرةِ واللحظةِ، بينَ الحنينِ والاغترابِ.
في قصةٍ قصيرةٍ له، يتخذُ مسارُ الطائرةِ بُعداً ميتافيزيقيّاً: رتابةُ الرحلةِ تدعو إلى السُباتِ، لكنَّ جذوةَ الحنينِ تَخْتَرِقُ الزمنَ، وتَمضي به إلى قريتِه الأولى. هذه الحركةُ الدائريةُ بينَ المكانِ والزمانِ، بينَ المنفى والعودةِ، ليست مجرَّدَ حيلةٍ سرديةٍ، بل هي هويّةُ الكتابةِ ذاتُها. لا يكتبُ بابكر عن القريةِ كجغرافيا، بل كحالةٍ روحيّةٍ تتكرَّرُ في كلِّ سودانيٍّ هُجِّرَ من بيتهِ، كأنَّ القريةَ فكرةٌ لا مكانٌ.
وفي مشهدٍ سرياليٍّ آخر، يَمْزجُ بينَ الخفافيشِ التي تَنْطلقُ من قُبَّةِ الشريفِ، والمسجدِ المتآكلِ، ودورِ الأحزابِ التي يَعْلُو ضَجيجُها. هذا التداخلُ بينَ المقدَّسِ والمدنَّسِ، بينَ الرمزيِّ والواقعيِّ، يكشفُ عن وعيٍ سرديٍّ لا يَقْتَنِعُ بالسطحِ، بل يَنْقُبُ في جيولوجيا الذاكرةِ السودانيةِ ليُخرجَ أصداءَها الدَّفينةَ.
المقالُ السياسيُّ: تأويلُ الفوضى
ليسَ بابكر كاتبَ قصةٍ فحسب، بل هو أحدُ أبرزِ المدوِّنينَ السياسيينَ في الفضاءِ الرقميِّ السودانيِّ. مقالاتُه التي تَتَوَزَّعُ بينَ “الجزيرة نت” و”سودانايل” و”الراكوبة” وغيرِها، لا تَقِفُ عندَ وَصْفِ المشهدِ، بل تُحاوِلُ تفكيكَ خيوطِه الخفيَّةِ برؤيةٍ تأريخيةٍ وفَهْمٍ للعبةِ المصالحِ الدوليةِ.
في مقاله عن الحربِ السودانيةِ، يطرحُ سؤالاً وجوديّاً: لماذا الحربُ؟ في عصرٍ نُخَطِّطُ فيه لاستعمارِ المريخِ، ونَصْنَعُ ذكاءً اصطناعياً يُحاكي العقلَ البشريَّ، مازلنا نَتَقَاتَلُ على خلافاتٍ كانَ بالإمكانِ حَلُّها بحوارٍ بسيطٍ. هذا السؤالُ، الذي يبدو بسيطاً، يَخْفِقُ في أعماقِه إحساسٌ بالغَبنِ الحضاريِّ، ورؤيةٌ نقديةٌ تُلامسُ جوهرَ المأساةِ السودانيةِ.
وفي مقاربتِه لمواقفِ مطربي السودانِ من الحربِ، يذهبُ إلى ما وراءَ الأغنيةِ: هل الحيادُ ممكنٌ في زمنِ الدمارِ؟ يَسْأَلُ، ويُجيبُ بأنَّ الصَّمْتَ في زمنِ الحربِ ليسَ حياداً، بل هو اختيارُ جانِبٍ متخفٍّ. هذه المقاربةُ التي تَرْبِطُ بينَ الجماليِّ والسياسيِّ، بينَ الفنِّ والأخلاقِ، تُمثِّلُ نَمَطاً نقدياً نادراً في الكتابةِ السودانيةِ المُعاصرةِ.
كما يَتَجاوَزُ بابكر حدودَ السودانِ، ليكتبَ عنِ الاستخباراتِ الاقتصاديةِ الأمريكيةِ، وعنْ كأسِ العالمِ كأفيالٍ بيضاءَ، وعنِ انشقاقاتِ قواتِ الدعمِ السريعِ، وعنِ النفوذِ الصوفيِّ في تشكيلِ الوعيِ السودانيِّ. إنَّه كاتبٌ يَرَى العالمَ كشبكةِ مصالحَ متشابكةٍ، ويُحاوِلُ أنْ يَجِدَ للسودانِ موقعَه في هذه الشبكةِ، دونَ أنْ يَفْقِدَ صوتَه المحليَّ المُمْتَدَّ في التاريخِ.
النقدُ الصامتُ: عندما تُصمُّ الآذانُ عنِ النَّبضِ
رغمَ هذا الإنتاجِ الغزيرِ والمتنوِّعِ، يظلُّ عوض النقر بابكر خارجَ دائرةِ الضوءِ النقديِّ. و هذا التجاهلُ ليسَ ظاهرةً فرديةً، بل هو جُزْءٌ من أزمةٍ أعمقَ تُعاني منها الكتابةُ السودانيةُ المُعاصرةُ: في بلدٍ يعيشُ حرباً مدمِّرةً، يصبحُ النقدُ الأدبيُّ تَرَفاً لا يُطاقُ، والانشغالُ بالجماليِّ ضَرْباً منَ الانفصالِ عنِ الواقعِ.
لكنَّ السؤالَ الأعمقَ: هل النُّقَّادُ السودانيونَ قادرونَ على قراءةِ تجربةٍ كِتابيَّةٍ تَخْرُجُ عنِ القوالبِ التقليديةِ؟ بابكر لا يكتبُ القصةَ القصيرةَ بالمعنى الأكاديميِّ المحضِ، ولا يكتبُ المقالَ السياسيَّ بالمعنى الصحفيِّ الجافِّ. كتابتُه تقفُ في منطقةٍ وَسْطَى، بينَ الأدبِ والسياسةِ، بينَ الذاكرةِ الشخصيةِ والتحليلِ العامِّ. وهذا التموضُعُ، الذي قد يكونُ نقطةَ قُوَّةٍ في أيِّ سياقٍ ثقافيٍّ آخرَ، يتحوَّلُ هنا إلى سببٍ للغموضِ وعدمِ الفهمِ.
ثمَّ إنَّ كتاباتِه تُنْشَرُ رقميّاً على منصَّاتٍ إعلاميةٍ، لا عبرَ دورِ نشرٍ أدبيةٍ. وهذا يعني أنها تَصِلُ إلى القارئِ العامِّ، لكنَّها تَفُوتُ فرصةَ المُرورِ عبرَ ابوابِ النقدِ المتخصِّصِ، وكأنَّ الفضاءَ الرقميَّ، برغمِ اتساعِه، يَحْجِبُ أكثرَ مما يُظْهِرُ.
صوتٌ يَسْتَحِقُّ أنْ يُسْمَعَ، ولكنْ… بأيِّ لغةٍ؟
في مقالٍ له عنِ المحتوى السودانيِّ على “تيك توك”، يُعَبِّرُ بابكر عن مَوْقِفِه من التقييمِ النقديِّ، قائلاً إنَّ التقييمَ يَضَعُ الناقدَ في موضعِ المُعَلِّمِ الذي يَنْظُرُ إلى الأشياءِ من زاويتِه الخاصَّةِ، وهذه في الحقيقةِ خَلْطٌ غيرُ مَقْصودٍ بينَ المعاييرِ الشخصيةِ والتوجُّهاتِ العامةِ. هذا التشكيكُ في سُلْطةِ النقدِ، الذي قد يُفَسَّرُ في سياقٍ آخرَ كتمَرُّدٍ، يَكْشِفُ في سياقِ بابكر عن وعيٍ عميقٍ بحدودِ النقدِ السائدِ وقُصورِه عن مُواكبةِ التجاربِ الهَجينةِ.
لكنَّ التشكيكَ لا يعني الاستسلامَ. بابكر يواصلُ الكتابةَ، وفي قصةٍ له، يَصِلُ الراوي بعدَ طولِ ترحالٍ إلى أرضٍ معمورةٍ تحيطُ بها أسوارٌ عاليةٌ، ليجدَ الأبوابَ مفتوحةً على مَصاريعِها، ولا أحدَ منَ الحرَّاسِ. هذه الصورةُ الخياليةُ، التي قد تبدو عَبَثِيَّةً، هي أقربُ ما تكونُ إلى وَصْفِ حالِ الكاتبِ السودانيِّ اليومَ: يكتبُ في فضاءٍ مفتوحٍ، لكنْ لا أحدَ يُراقِبُ، ولا أحدَ يَحْرُسُ، ولا أحدَ يَنْتَظِرُ. إنَّها كنايةٌ عن حُرِّيَّةٍ مَرَضِيَّةٍ، وعن حضورٍ غائبٍ.
خاتمةٌ: هل من قارئٍ عندَ بابِ الأسوارِ؟
عوض النقر بابكر ليسَ مجرَّدَ كاتبٍ سودانيٍّ يكتبُ في زمنِ الحربِ. إنَّه صوتٌ يَحْمِلُ في طِيَّاتِه ذاكرةَ قريةٍ، ورؤيةَ سياسيٍّ، وشاعريةَ راوٍ يَعْرِفُ أنَّ السردَ هو الطريقةُ الوحيدةُ لِمُقاوَمَةِ النسيانِ. أنْ يُتجاهَلَ هذا الصوتُ ليسَ خسارةً لكاتبٍ واحدٍ، بل هو خسارةٌ للمشهدِ الثقافيِّ السودانيِّ برُمَّتِه، وكَسْرٌ لمرآةٍ كانَ بالإمكانِ أنْ تَعْكِسَ وَجْهاً آخرَ للواقعِ.
في بلدٍ يَحْتاجُ فيه الناسُ إلى قصصٍ تَرْبِطُهم بأرضِهم، وإلى تحليلاتٍ تُفَكِّكُ لهمْ واقعَهم المُعَقَّدَ، يظلُّ بابكر يكتبُ. لكنَّ السؤالَ الذي يجبُ ألاَّ يَغيبَ هو: هل النُّقَّادُ، بعدَ كلِّ هذا، سيقرِّرونَ أنْ يَسْمَعوا؟ أم أنَّهم سيظلُّونَ، كحرَّاسِ تلكَ المدينةِ الخياليةِ، غائبينَ عن مَكانِهم، تاركينَ الأبوابَ مفتوحةً على فَضاءٍ لا يُقْرَأُ؟
هل قرأتم لعوض النقر بابكر؟ أم أنَّ أصواتَ الحربِ طَمَسَتْ كلَّ ما سواها؟ النقاشُ مفتوحٌ، كما هي أبوابُ تلكَ المدينةِ التي لا حَرَسَ لها.*




الاستاذ هيثم
حكاية تجاهل الانتاج القصصى لهذا الكاتب امر اعتقد انه طبيعى فهو ليس له شلة مصالح!!! اما المقالات السياسية هى الاخرى لم تجد من ينظر فيها هنا فى الراكوبة مثلا مقال حكومة الامل ووفى مواقع اخرى ادوية لا تصل وفى الجزيرة نت حين تبحث الضحية عن جلادها دى امثلة لمواضيع يجب النظر اليها بعمق ولكن!!!!!!!
فى مقاله الضمير المزعح ممكن نجد شيئا ربما هو يكره الانتماء المطلق.!!!!!!
اول مرة سمعته فيها كانت قبل زمن فى راديو بىبى سى يتحدث عن خلاوى السودان ويمكنكم الادراك بان البصمة مميرة
انا قارئة نهمة ولا اريد القول بانه كاتب مميز ام لا هذا هو راى المتصصيين ونحن هنا نقول لهم اين انتم
الأمم تبحث عن المبدعين فى كل مجال د.النقر كتب قصصا قصيرة رائعة فى عهد الإنقاذ كلها تحكى عن عفنه وفساده اعتقد ان الرجل يستحق الاهتمام وشكرا هيثم على المقال الجميل
لماذ لا نعطى كل ذى حق حقه لقد رايت التهافت على نصوص باهتة بحكم العلاقات والمعرفة والشللية الت ظلت تحكم الفضاء الادبى فى بلدنا كلمة الحق لا تجد من يسمعها اذا كان صاحبها نظيف اليد واللسان ولكن التافهين يجلسون على القمة دون وجه حق سا كنى التيك توك وغيره يعرفهم كل السودان بتفاهة محتواهم. الغرض هنا ليس التمجيد او الشهرة الغرض معرفة ماذا يقول الجادون وبابكر واحد منهم
أتقدم لك بخالص الشكر والتقدير على مسيرتك الفكرية الحافلة بالعطاء. إن تنوع مواضيعك بين السياسة والاقتصاد والتراث، وقدرتك على معالجة القضايا الشائكة بجرأة وموضوعية، هو ما يميز كتاباتك ويجعلها مرجعًا هامًا.
سعدت كثيرًا بقراءة مقالاتك، وأقدر عالياً هذا الجهد الذي تبذله في سبيل نشر الوعي والمعرفة. نتمنى لك المزيد من التقدم والنجاح في مسيرتك الأدبية.
مع فائق الاحترام.