مقالات وآراء

صناعة الرذيلة… كيف قلب الإسلامويون الموازين؟

✍ مؤيد الأمين

أخطر حاجة عملها الإسلامويون في السودان ما كانت الفساد براهو، ولا الانتهاكات براها، ولا حتى إشعال الحروب. الأخطر من دا كلّو إنهم اشتغلوا سنين طويلة يغيّروا طريقة الناس في فهم الصح والغلط. بقوا يلبسوا الخطأ ثوب الفضيلة، ويخلوا الجريمة كأنها موقف بطولي، ويقدّموا الكارثة على إنها تضحية في سبيل الدين أو الوطن.

يعني المشكلة ما كانت في الفعل ذاته، المشكلة كانت في الطريقة البتتسوّق بيها الأفعال دي. كل جريمة عندها مبرر، وكل فساد ليهو تفسير، وكل ظلم بيلقوا ليهو فتوى أو خطاب سياسي يخليه مقبول في نظر أتباعهم. ومع الزمن، اتشوشت البوصلة الأخلاقية عند ناس كتار، وبقى الزول ما قادر يفرّق بين الحق والباطل إلا حسب مصلحة التنظيم.

القصة دي ما حصلت بالصدفة، وما كانت رد فعل لظروف معينة، لكنها كانت جزء من مشروع سياسي كامل، قائم على قلب الحقائق. ولما انفصل جنوب السودان، بدل ما يقيفوا مع نفسهم ويحاسبوا سياساتهم البقت سبب في الوصول للمرحلة دي، رموا اللوم كله على الجنوبيين، وصوّروا الانفصال كأنو كان الحل، أو كأنو البلد ارتاحت من عبء كبير. لكن الواقع كان مختلف؛ الاقتصاد انهار، والأزمات كبرت، والفساد تمدد، والدولة نفسها بقت أضعف من أي وقت مضى.

وبرضو في زمن حكمهم، اتبدلت معاني كتيرة. المحسوبية بقت استحقاق، والولاء للتنظيم بقى أهم من الكفاءة، واستغلال النفوذ بقى شطارة، والفساد بقى عندو ألف مبرر. وفي كل مرة، كانوا يستدعوا الدين عشان يغطوا على ممارسات ما عندها أي علاقة بقيم الإسلام القائمة على العدل والأمانة والرحمة.

ولما نجي لملف الانتهاكات، بنلقى نفس المنهج حاضر. تاريخ الحركة الإسلامية في السودان ارتبط بقضايا هزّت ضمير البلد، من إعدام المفكر السوداني محمود محمد طه، إلى ما أُعلن عن تعذيب المعلم أحمد الخير حتى وفاته، وصولاً إلى مقتل أعداد من الشباب في مواكب الثورة. وبرغم المطالب المستمرة بالعدالة، ظل في ناس يبرروا الحاصل، أو يقللوا من بشاعته، أو يحاولوا يصوروه كأنو كان ضرورة.

واليوم، نفس السيناريو بيتكرر مع الحرب الدائرة. بدل يكون الهم الأول وقف نزيف الدم وحماية المدنيين، بقت الحرب عند البعض “حرب كرامة”، أو “جهاد”، وأي زول يطالب بالسلام أو يسأل عن المسؤولية يتوصم بالخيانة أو العمالة. وكأنو المطلوب من الناس تصفق للحرب، وما تسأل عن الأرواح البتضيع كل يوم.

وفي نفس الوقت، رجعت خطابات خطيرة بتحاول تحمّل غرب السودان مسؤولية كل مصائب البلد، وكأن المشكلة في الجغرافيا أو في مكونات اجتماعية بعينها، ما في السياسات الفاشلة والعقلية البتدير الدولة. وهو نفس المنطق البقود للانقسام: بدل مواجهة الأسباب الحقيقية، بنفتش عن شماعة جديدة نعلّق عليها أخطاءنا، وبنحوّل الضحية لمتهم.

وسياسات التمكين، البقت علامة فارقة في فترة حكمهم، خلت مؤسسات الدولة تفقد مهنيتها واستقلالها. الخدمة المدنية اتضررت، والتعليم والصحة تراجعوا، والكفاءة بقت أقل قيمة من الولاء السياسي. والنتيجة بلد مؤسساتها ضعفت، وثقة المواطن فيها اتآكلت بصورة كبيرة.

القضية، في النهاية، ما مجرد أخطاء سياسية ولا سوء تقدير. القضية أخطر من كدا؛ لأنها مشروع كامل، بحسب منتقديه، قائم على تطبيع الانتهاكات، وتزيين الجرائم، وإقناع الناس إنو الفساد ضرورة، والقسوة قوة، والحرب خلاص، وإن الغاية ممكن تبرر أي وسيلة.

وأخطر مرحلة ممكن توصلها أي دولة، هي اللحظة البتبقى فيها الجريمة عادية، والظلم مقبول، والقاتل عندو مبررات، والضحية مطالبة بالدفاع عن نفسها. وقتها المجتمع كله بيدفع الثمن.

وعشان السودان يلقى طريقه نحو المستقبل، ما كفاية الحرب تقيف. المطلوب كمان ترجع الموازين لمكانها الطبيعي؛ يكون الحق حق، والغلط غلط، والجريمة جريمة، مهما كان مرتكبها أو شعاراته. وما في دولة بتقوم من جديد إلا بالعدالة، والمحاسبة، واستعادة الضمير الأخلاقي، عشان ما تتكرر المأساة، وما يبقى الإفلات من العقاب هو القاعدة.

تعليق واحد

  1. كفيت ووفيت المختصر المفيد لاجل سوداني معافي لابد محاسبة كل من ارتكب جرما بحق الوطن والمواطن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..