
دائرة الأزمات وعبء الاستقطاب
لم تعد الأزمة السودانية مجرد صدام عسكري عابر بين جنرالات السلطة، بل تحولت إلى مخبر تفكيك شامل للدولة الوطنية ومؤسساتها، حيث تتناسل المبادرات السياسية والمنصات التفاوضية كبرك راكدة تعجز عن إنتاج حل حقيقي. وفي خضم هذا التخبط يبرز تشابه بنيوي عميق بين آليات ما يُسمى بـ “الحوار السوداني السوداني” المفرغ من محتواه، وبين ديناميكيات “حوار الشيخ الصوفي” التقليدي؛ إذ يعاني النموذجان من علة مركزية تتمثل في فقدان الاستقلالية والتبعية المطلقة لمركز قرار خارج عن دائرة المصلحة الوطنية العليا.
إن استمرار الحرب في السودان ليس قدراً لكنه إفراز طبيعي لعمليات تسوية مزيفة تُدار بالوكالة، وتصمم مقاساتها لخدمة أجندة طرفي النزاع العسكري تماماً كما تُدار حظائر المريدين تحت وصاية شيخ الطريقة الذي لا يملك أتباعه حق المراجعة أو العصيان.
الحوار السوداني السوداني: التفاف على الجذور أم إعادة تدوير للاستبداد؟
عندما يُطرح شعار “الحوار السوداني السوداني” بمعزل عن تفكيك أسباب الحرب الجذرية، فإنه يتحول فوراً إلى أداة تجميلية لشرعنة الهيمنة. إن هذا الحوار المزعوم في كثير من نسخه المطروحة لا يعدو أن يكون مظلة دبلوماسية ترتضيها أطراف الحرب لتصفية الخصوم سياسياً وإعادة تقاسم غنائم السلطة.
غياب الجدية في مخاطبة جذور الأزمة، مثل التهميش الهيكلي، واحتكار الثروة والسلطة، وبناء جيش مهني قومي واحد.
الوقوع في فخ التبعية لأحد طرفي القتال بحيث تصبح طاولات التفاوض امتداداً لغرف العمليات العسكرية وليست بديلاً عنها.
تحويل القوى المدنية إلى مجرد شهود زور أو أوراق ضغط موسمية تُستعمل عند الحاجة وتُهمل عند اقتسام الحصص.
سلطة المريد والشيخ: إسقاطات بائسة على الفضاء السياسي
تكشف المقارنة الأنثروبولوجية والسياسية بين هيكلية الطرق الصوفية الكلاسيكية وبين مسار الحوارات السياسية الحالية عن تطابق لافت في علل الاستبداد الرمزي. ففي حوار الشيخ الصوفي يتحرك المريد داخل دائرة مقدسة من التسليم المطلق حيث تلغي إرادة الشيخ أي تفكير نقدي أو قرار ذاتي؛ فلا يستطيع المريد الخروج عن الإطار المرسوم له محكوماً بثقافة الطاعة والتبعية العميقة.
هذا النموذج، بكل بؤس، جرى نقله إلى مائدة العمل السياسي السوداني؛ إذ تُختزل الأحزاب والكيانات المدنية أحياناً في “زعامات كرتونية” أو حركات مسلحة تدور في فلك “الجنرال الملهم” أو الدعم الخارجي لتفقد تلك المنصات قدرتها على المبادرة المستقلة واتخاذ قرار وطني شجاع يوقف نزيف الدم.
طريق الصمود: الجذر لا القشرة
إن الخروج من هذه المتاهة المظلمة يقتضي مناصرة خط الصمود الشعبي الواعي الذي يرفض الحرب ويدعو إلى إيقافها الفوري لا كهدنة هشة تمنحهم استراحة محارب بل كمدخل لتأسيس جذر حقيقي للحل. الحل الجذري لا يولد في قاعات مغلقة تسيطر عليها بنادق الجنرالات أو إملاءات الوصاية الإقليمية والدولية، بل ينبت من رحم المقاومة المدنية المستقلة.
إسقاط منطق المحاصصات والتبعية الذي يجعل القرار الوطني رهينة بيد العسكر أو زعماء الطوائف السياسية.
تفكيك بنية المليشيات والدعم السريع وإعادة هيكلة القوات المسلحة وفق عقيدة وطنية خالصة.
بناء جبهة مدنية عريضة لا تتبع لأحد، ولا تملك سوى ولاء مطلق لمصالح ملايين النازحين والضحايا.
إن التاريخ لا يرحم الكيانات التي ترتضي دور التابع في معارك مصيرية كالتي يخوضها الشعب السوداني اليوم. وإن إسقاط مشاريع الحوارات المعلبة والتبعية المقيتة هو الخطوة الأولى على طريق إنقاذ الوطن واستعادة سيادته المغتصبة من مخالب الحرب ووسطاء الوصاية.


