مقالات وآراء

جدلية الأسبقية الوجودية في دارفور … بين التاريخ الانساني والتاريخ السياسي الموثق

الاستاذ/ زكريا علي عبدالرسول
كاتب ومحلل سياسي

تشهد منصات التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة جدلًا متصاعدًا حول تاريخ دارفور، وبخاصة قضية أسبقية الوجود.
ويستند بعض الناشطين إلى أقدمية سلطنة موثقة ليبنوا عليها أحكامًا قطعية حول أسبقية شعب على آخر، بل ويتجاوز بعضهم حدود النقاش العلمي إلى خطاب الإساءة والتجريح.
غير أن هذه المقاربة لا تنسجم مع المنهج التاريخي، لأنها تقوم على الخلط بين التاريخ الإنساني والتاريخ السياسي.
إن أول ما ينبغي إدراكه هو أن التاريخ الإنساني لدارفور لا يبدأ بقيام سلطنة، وإنما يبدأ مع وجود الإنسان واستقراره في هذا الإقليم منذ عصور ما قبل التاريخ.
فقد عرفت دارفور حياة بشرية متصلة عبر آلاف السنين، وتعاقبت عليها مجتمعات متعددة، وتشكلت فيها أنماط مختلفة من الاستقرار والتنظيم الاجتماعي قبل ظهور الدول والسلطنات المعروفة.
وهذا التاريخ تكشفه الدراسات الأثرية والأنثروبولوجية، وإن كانت كثير من تفاصيله لا تزال بحاجة إلى مزيد من البحث والاكتشاف.
أما التاريخ السياسي، فهو تاريخ نشوء الكيانات المنظمة من ممالك وسلطنات وإدارات، أي المرحلة التي ظهرت فيها سلطة سياسية ذات نظام حكم وإقليم ومؤسسات.
وفي هذا الإطار، تُعد سلطنة الداجو من أقدم الكيانات السياسية المعروفة في دارفور وفق ما وصل إلينا من المصادر التاريخية، ثم أعقبتها سلطنة التنجر، ثم سلطنة الفور التي أصبحت آخر سلطنة مستقلة حكمت دارفور وبلغت بها مكانة سياسية وإقليمية مرموقة.
غير أن هذه الحقيقة لا تعني أن تاريخ دارفور بدأ بقيام سلطنة الداجو، كما لا تعني أن الإقليم كان خاليًا من السكان قبلها.
فهناك فرق جوهري بين أقدم كيان سياسي موثق وأقدم وجود إنساني، وبين بداية التوثيق وبداية التاريخ.
فالتاريخ أوسع من الوثيقة، والوثيقة تمثل ما وصل إلينا، لا كل ما كان موجودًا.
ومن هنا يقع بعض الناشطين في خطأ منهجي حين يستندون إلى حقيقة صحيحة، ثم يبنون عليها نتيجة لا يثبتها الدليل.
فكون سلطنة الداجو من أقدم السلطنات الموثقة لا يقود تلقائيًا إلى أن جماعة بعينها هي أول من سكن دارفور، لأن قيام أي دولة يفترض وجود مجتمعات بشرية سبقتها، عاشت على الأرض، وتفاعلت فيما بينها، ثم نشأت الدولة في سياق ذلك التراكم التاريخي.
ولو أخذنا بهذا المنطق، لكان معنى ذلك أن تاريخ أي شعب يبدأ مع أول وثيقة كُتبت عنه، وهو استنتاج لا يقول به علم التاريخ.
فغياب التوثيق لا يعني غياب التاريخ، وإنما يعني فقط أن المصادر لم تحفظ لنا تفاصيل تلك المرحلة، أو لم تُكتشف بعد.
كما أن قيام سلطنة لا يعني أن جميع سكان الإقليم ينتمون إلى الجماعة التي تولت الحكم.
فالدول، عبر التاريخ، كانت تضم شعوبًا ومجموعات متعددة، وكانت السلطة السياسية إطارًا جامعًا أكثر منها تعبيرًا عن جماعة واحدة.
ولذلك فإن تاريخ الدولة لا يختزل تاريخ المجتمع، كما أن تاريخ الأسرة الحاكمة لا يختزل تاريخ الإقليم بأكمله.
كيف نحافظ على التاريخ السياسي لدارفور؟
إن الحفاظ على التاريخ السياسي لدارفور لا يكون بالمبالغات، ولا بتوسيع دائرة الادعاءات التي لا يسندها دليل، وإنما بصيانة ما ثبت تاريخيًا، وتوثيقه، وإتاحته للأجيال القادمة.
ويكتسب هذا الواجب أهمية خاصة فيما يتعلق بسلطنة الفور، بوصفها آخر سلطنة مستقلة حكمت دارفور، وتركت إرثًا سياسيًا وإداريًا وقانونيًا وثقافيًا ما تزال آثاره حاضرة في ذاكرة الإقليم والسودان.
ومن هنا، فإن المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتق الكُتّاب والباحثين والناشطين المنتمين إلى هذا الإرث ليست مسؤولية الدفاع العاطفي، وإنما مسؤولية التوثيق العلمي.
فالمطلوب هو جمع الوثائق والمراسلات، وحفظ المخطوطات، وتسجيل الروايات الشفوية وفق مناهج البحث، وتشجيع الدراسات الأكاديمية، وترجمة المصادر الأجنبية المتعلقة بتاريخ دارفور، وإنشاء أرشيف علمي مفتوح يخدم الباحثين.
كما أن من واجبهم عدم الانجرار إلى معارك الإساءة المتبادلة، لأن الرد على الروايات الضعيفة لا يكون بشتائم مضادة، بل بإنتاج معرفة أكثر رسوخًا.
فكل وثيقة تُحفظ، وكل دراسة تُنجز، وكل حقيقة تُثبت بالدليل، تمثل إضافة حقيقية لذاكرة دارفور، بينما لا يضيف السجال القبلي إلى التاريخ سوى مزيد من الضباب.
إن الأمم التي تحترم تاريخها لا تكتفي بالفخر به، بل تستثمر في دراسته ونقده وتوثيقه.
ولذلك فإن أفضل وسيلة لحماية التاريخ السياسي لدارفور ليست الدخول في خصومات لا تنتهي، وإنما بناء مشروع علمي رصين يحفظ هذا الإرث للأجيال، ويجعله حاضرًا في الجامعات ومراكز البحوث، لا مجرد مادة للجدل في وسائل التواصل الاجتماعي.
إن قضية أسبقية الوجود في دارفور ليست مسألة تُحسم بالشعارات أو بالانتماءات، وإنما بالبحث العلمي الرصين.
ومن أراد أن يكتب تاريخ دارفور، فعليه أن يميز بين التاريخ الإنساني والتاريخ السياسي، وبين بداية التوثيق وبداية الوجود، وبين الرواية والدليل.
ولذلك، فإن الواجب الأخلاقي والعلمي يقتضي أن نرتقي بالنقاش من مستوى الخصومة القبلية إلى مستوى المعرفة.
فالتاريخ لا يُكتب بالشتائم، ولا تُثبت الحقائق بالإساءة إلى الآخرين، وإنما تُبنى بالوثيقة، والبحث، والنقد العلمي.
وحين يصبح الدليل هو المرجعية، لا الانفعال، سنكون قد أسهمنا في حماية تاريخ دارفور، وصون إرثها السياسي، وتركنا للأجيال القادمة تاريخًا أقرب إلى الحقيقة، وأبعد عن التعصب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..