في عيد ميلاده الـ(٦٦): لماذا تزداد كل يوم رداءة عمل البرهان؟!!

بكري الصائغ
مقدمة: عبدالفتاح البرهان عبدالرحمن، هو شخصية عسكرية مازالت (مبهمة) رغم مرور سبعة اعوام علي ظهورها لأول مرة في ابريل عام ٢٠١٩، قبل أن يتسلم السلطة التي قدمت له كهدية من رفيق سلاحه الفريق أول ركن أحمد عوض بن عوف الذي شغل منصب وزير الدفاع في عهد الرئيس السابق عمر البشير، حتي ابريل ٢٠١٩ لم يكن البرهان اصلا معروف عند عامة الشعب، لم نسمع او قرأنا عن تاريخه العسكري، ولم نعرفه عن كثب الا بعد سقوط النظام السابق، البرهان لم يصل إلى السلطة في عام ٢٠١٩ عبر انتخابات رئاسية او اتفاق شعبي، وانما فرض علينا من قبل القوات المسلحة ، تولى حكم البلاد مرة أخرى في سياق تغيير سياسي بعد انقلاب قام به في أكتوبر عام ٢٠٢١، وأطاح بالوضع الديمقراطي وقتها وانهي بذلك فترة انتقالية، كان المفترض ان تُمهد لانتخابات ديمقراطية.
حاليا، -وبكل المقاييس- البرهان لا يشغل منصب رئيس دولة بالمعنى القانوني المتعارف عليها عالميا كما في باقي دول العالم، هو يحكم فقط نحو (٦٠ الي ٦٥%) من مساحة البلاد بعد حرب ابريل ٢٠٢٣، لم يستطيع خلال سنوات ما بعد الحرب من فرض سيطرته على كامل اراضي البلاد، فشل في استرداد باقي المناطق الواقعة تحت سيطرة قوات “الدعم السريع” لا عن طريق القوة أو عبر مساعدات دول أخرى.
منذ وقوع انقلابه في عام ٢٠٢١، والبرهان يمارس الحكم في تسعة ولايات من أصل ثمانية عشر، منفردا بالسلطة كرئيس (غير شرعي) هو صاحب الكلمة الأولي في كل شيء في ولايته ، ينفرد بإصدار القرارات والتوجيهات في كل ما يخص الشأن الداخلي والخارجي رغم وجود مجلس سيادي مشترك يضم عسكريين ومدنيين اختارهم هو بنفسه، ووجود الحكومة الانتقالية، التي هي اصلا هو من اختار الوزراء فيها، البرهان لا يعترف بالمجلس السيدي وبالحكومة، بل ولا حتي بالمؤسسة العسكرية، انه صورة طبق اصل من سابقه الرئيس المخلوع.
خلال الفترة من اكتوبر عام ٢٠٢١ وحتى اليوم – أي طوال خمسة اعوام مضت-، يعاني البرهان كثيرا من تهميش وتقليل متعمد وبشكل واضح من الرؤساء الاجانب وعدم الاعتراف به كرئيس، رفضت غالبية حكومات دول العالم الاعتراف بانقلابه -علي اعتبار انه هناك قرار أممي صدر من منظمة الأمم المتحدة بغالبية كل الدول أعضاء فيها -، بضرورة عدم الاعتراف بأي انقلاب عسكري يقع في أي دولة من الدول، وان تدين الحكومات استيلاء العسكر على السلطة والانقلاب علي النظم الدستورية، لهذا لم يجد البرهان المؤازرة والعون بعد انقلابه الا من الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، وكل من طالع باهتمام وتمعن في أخبار العلاقات القديمة والجديدة بين الرئيسين البرهان والسيسي، يجد أن البرهان هو من كان ومازال يهرول في كل مرة للرئيس المصري السيسي، ويستنجد به كلما وجد نفسه وحيدا في الساحة الدولية بلا صديق او حليف، من منا نحن السودانيين لا يعرف ان السيسي اصلا لم يعامل البرهان كرئيس دولة، بل كشخصية عسكرية هزيلة لا تتمتع باي احترام محلي او دولي، وغير مرغوب في وجودها بالساحة الدولية، لهذا لم يكن بالغريب، ان كل زيارات البرهان للقاهرة، لم تكن زيارات رسمية من عنده، بل كانت في كثير من الحالات “استدعاء” فوري، وطلب حضور لتلقي التوجيهات والأوامر!!
ومن غرائب الصدف، ان انقلاب اكتوبر ٢٠٢١ والمدعوم مصريا، قد دخل التاريخ العسكري العالمي كحدث عسكري فريد في نوعه، ولم يكن له مثيل من قبل، هو انقلاب غريب عجيب في كل احداثه، تحرك عسكري لم يتم فيه تحريك الدبابات من ثكناتها تحسبا لاي مقاومة!!، ولا قامت المصفحات باغلاق الطرق والشوارع الرئيسية كما جرت في الانقلابات السابقة!!، ولا تم حراسة الوزارات والمصالح الحكومية والسفارات الاجنبية بالضباط والجنود!!، لم يتم اغلاق مطار الخرطوم ولا تم إلغاء رحلات المسافرين!!، بل والاغرب من كل هذا، ان الانقلاب قد خلا من اذاعة “البيان العسكري رقم واحد” كما جرت العادة عند وقوع الانقلابات في أي مكان!!
كان انقلاب عجيب في نوعه، وأغرب ما جاء فيه، ان نائب البرهان الفريق اول/ “حميدتي” واقرب الناس اليه في السلطة وقتها، لم يعرف بوقوع الانقلاب إلا بعد نحو ستة ساعات من حدوثه، بحكم انه (حميدتي) كان في رحلة عمل بنيالا!!، غضب “حميدتي” بشدة، ورفض الاعتراف بالانقلاب، واعلن عن رأيه صراحة رأيه على الملآ، ولكنه تراجع عن اعترافه بعد تدخل كبار القادة في القوات المسلحة و”الدعم السريع” ، وجاء “حميدتي” للخرطوم وشارك في السلطة الدامية التي اودت بأرواح مئات المتظاهرين الذين خرجوا ينددون بالانقلاب علي اتفاقية تقاسم السلطة بين الشعب والجيش، وليت الامر وقف فقط عند الاغتيالات التي راح ضحيتها نحو(٢٢٧) قتيل، بل تعدتها الي ما هو اسوأ، ووقعت حالات اغتصابات وقعت في محيط قصر الشعب من قبل جنود القوات المسلحة والدعم السريع، لم يهتم البرهان كثيرا بالانتهاكات التي ادانتها منظمة الأمم المتحدة وكثير من الحكومات الاجنبية.
منذ انقلاب ٢٥/ أكتوبر وحتى اليوم ، ومن خلال رصد لقرارات البرهان وتصرفاته وتوجيهاته، انه هو من دفع البلاد إلى حافة الانهيار بتوجيهات من حزب ديني ينتمي له،، وبدلا أن يكون هو من يحمي البلاد ويعمل علي تأمين مسارها الديمقراطي، انقلب عليها وعمل على تفكيكها وتسليم السلطة للحركة الاسلامية، وأعاد سيطرة المؤسسة العسكرية على الحكم مرة أخرى بصورة عمّقت الانقسامات، وأعاد إنتاج القمع والاستبداد.
خلال الفترة من عام ٢٠١٩ وحتي وقت قريب من عام ٢٠٢٥، نشرت الصحف المحلية والاجنبية مئات المقالات والتحقيقات عن ضعف شخصية البرهان واذعان بالكامل للسلطة المصرية، وكيف أن اللواء عباس كامل مدير المخابرات العامة المصرية السابق، كان هو الكل في الكل وصاحب كلمة مسموعة في الشأن السوداني بشقيه العسكري والسياسي، لقد تعرض البرهان بسبب هذا الخنوع المخجل الي نقد جارح وسخرية من المواطنين، الذين أعربوا عن استغرابهم من تصرف البرهان وخضوعه لمن هو أجنبي يحمل رتبة عسكرية اقل منه هو الفريق أول!!، وتساءل الشعب باستغراب شديد ” كيف يعقل هذا؟!!، اللواء المصري عباس كامل اصبح هو من يوجه الفريق أول ركن البرهان بتنفيذ قرارات مصرية داخل السودان ؟!!”.
بعد تولي البرهان رئاسة المجلس العسكري الانتقالي، قام علي الفور بأول زيارة للقاهرة، وكانت هي اول زيارة بعد تسلمه السلطة، وهناك في مفاجأة اذهلت كل السودانيين، قام بأداء التحية العسكرية للسيسي في بادرة لم تحدث من قبل في تاريخ العسكرية السودانية!!، وعندما نشرت الصحف السودانية والاجنبية صورة أداء البرهان التحية العسكرية، انفجر بركان شعبي وغضب عارم شمل ملايين المواطنين، الذين رأوا في تصرف البرهان تقليل واهانة لهيبة القوات المسلحة، اغلب المواطنين في الداخل وبالخارج لم يلوموا السيسي الذي تلقى مفاجأة التحية، ولكنهم صبوا غضبهم علي البرهان الهزء ضعيف الشخصية.
لو قمنا بعملية رصد وبتأني شديد في إنجازات البرهان منذ تعيينه رئيسا للمجلس العسكري الانتقالي في أبريل ٢٠١٩، ومرورا برئاسته لمجلس السيادي الأول والثاني وحتى اليوم –، وبعد مرور سبعة اعوام علي حكمه، نجد انه وخلال هذه الفترة ما قام بأي إنجاز يدخل في ميزان حسناته، ولا لمسنا منه جدية في تنفيذ ما تعهد به للشعب في ابريل ٢٠١٩، ولا احترم تعهداته السابقة التي وعد بها الشعب، لقد نسي تماما ما قاله من قبل في مناسبات كثيرة، انه سيكون امين علي مبادئ ديسمبر ٢٠١٨، ولكنه انقلب على الوضع الديمقراطي وتعمد التلاعب في نصوص اتفاقية جوبا للسلام، لم يعد يخفي علي احد، أن البرهان هو الرئيس الوحيد منذ زمن حكم غردون باشا، ومرورا بالعديد من الحكام البريطانيين الذين شغلوا منصب الحاكم العام، وانتهاءا بالرؤساء الوطنيين منذ عام ١٩٥٦، حتى اليوم، هو “الرئيس!!” الوحيد من بينهم الذي لم يحقق أي انجاز عسكري وسياسي، ولم يعطي لنفسه الفرصة ان يثبت حضوره كرئيس.
من يعاين بدقة وامعان في خريطة السودان اليوم، يجد أن سلطات البرهان وقراراته لا تسري علي كل أراضي البلاد، بل قمة المهزلة، انه لا يستطيع دخول دارفور وكردفان وجبال النوبة ولكنه يستطيع دخول القاهرة بكل سهولة!!، هو لا يرغب في الابتعاد عن بورتسودان الامنة من شر المسيرات، ومن الأشياء التي اضحكت المواطنين اخيرا الى حد الاستلقاء على القفا، ان هناك محاولات جادة من اسلاميين وبقايا الفلول السابقة، اخذت تنشط بجدية لترشيح البرهان ليكون هو الرئيس القادم بلا منافس لحكم البلاد!!، نشرت بعض الصحف السودانية خبر الترشيح المقدم من الإسلاميين كنوع من “جص نبض” الجماهير وإن كانت تقبل فكرة ترشيح البرهان!!
بالأمس القريب -وتحديدا في يوم الخميس ٢٥/ يونيو ٢٠٢٦-، مرت الذكري ال(٥٥) شهرا على انقلاب البرهان في أكتوبر ٢٠٢١، قمة الماسأة، أن هذه الذكري جاءت والبلاد في حالة صدمة شديدة من المجزرة التي وقعت في شمال البلاد يوم الثلاثاء ١٦/ يونيو الحالي وراحت فيها ارواح نحو (٥٠) شخص، مجزرة لم يكلف البرهان نفسه عناء تشكيل لجنة تحقيق حول الحادث!!، ولا وجه المسؤولين بإرسال فرق طبية لعلاج المصابين!!، ولا قدم تعازيه لأسر الضحايا!!، بل وكانت قمة المفاجأة، انه قام بإصدار توجيه وزير الخارجية بالسفر العاجل إلى القاهرة -(ربما الاعتذار للحكومة المصرية على ازعاج المعدنين السودانيين للسلطة المصرية)-!!
جاء تعليق صدر من أحد المعلقين بإحدى مواقع الاتصال جاء فيه:” ان الحكومة المصرية استدعت وزير الخارجية السودانية لزيارة القاهرة، وابلغته بضرورة سفر البرهان لمنطقة الكارثة في الشمالية، والقيام بتقديم النصح والتحذير لأهالي المنطقة في الشمالية بعدم الاقتراب من مناطق التعدين حتى وان مناطق سودانية ، جاءت الاخبار بعدها، أن وزير الخارجية عاد للخرطوم، ونقل للبرهان الاوامر المصرية، وكانت قمة المفاجأة، انه وبعد يوم واحد من خبر عودة وزير الخارجية للخرطوم نشرت الصحف والمواقع السودانية خبر سفر البرهان للشمالية، وقام بلقاء جماهيري الاهل المنطقة، داعياً المنقبين بعدم الاقتراب من الحدود.
نشرت صحيفة “الشرق الأوسط” اللندنية، في يوم الاثنين ٢٥/ يونيو الماضي ٢٠٢٦، خبر تحت عنوان: “البرهان يدعو المنقّبين عن الذهب إلى عدم تجاوز الحدود”، وجاء فيه:- (دعا رئيس مجلس السيادة الانتقالي، القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، الاثنين، العاملين في مجال التنقيب «الأهلي» عن الذهب إلى الالتزام بحدود البلاد وعدم تجاوزها إلى دول الجوار. وقال البرهان، في أول تعليق له على القصف الجوي الذي استهدف مناطق للتعدين «الأهلي» للذهب في أقصى شمال البلاد: «على الناس ألا يتعدوا الحدود ويذهبوا هناك حتى لا يجلبوا مشكلات لأنفسهم ومشكلات للدولة». وأضاف لدى مخاطبته تجمعات أهلية في منطقة الرتج الواقعة على الحدود السودانية-المصرية: «نحن بصفتنا حكومة ودولة نطلب من أهلنا أن يلتزموا بالحدود، وما في زول يتجاوزها»، وتابع: «نحن أيضاً مسؤولون عن السودانيين الذين تجاوزوا الحدود، ونتحقق ونتحرى فيما حصل لهم، وسط ما يتردد من أحاديث متناقضة عن أن هناك بعض الانشقاقيين تجاوزوا الحدود وتم ضربهم ».).-انتهى-
واخيرا، هذا هو حال البرهان اليوم بعد سبعة أعوام من استلامه السلطة عام ٢٠١٩، وكيف انه وتصرفاته الخالية من الدبلوماسية والنزاهة في الحكم، وخلو شخصيته من الحزم والانضباط العسكري، وبسبب ضعف شخصيته إلى حد المهانة وانقياده الاعمي للسيسي، كلها عوامل سلبية جعلته أن لا يكون بأي حال من الاحوال رئيس شرعي للبلاد، ولا هو مقدر ومحترم عند باقي الرؤساء الاجانب، لقد وضع نفسه في موقف محرج للغاية، عندما سمح لنفسه ان يتحرك ب”ريموت كنترول” مصري!!، انه في موقف محرج للغاية بعد ان أشعل الحرب ودمر المؤسسة العسكرية، وخرب الخدمة المدنية، ورفض الحوار المؤدي للسلم، ورفض وقف القتال، وسلم زمام امور ما تبقى من البلاد للحركة الإسلامية.
واخيرا، عبد الفتاح البرهان من مواليد ١١/ يوليو ١٩٦٠، ياتري، أين سيحتفل بعيد ميلاده السادس والستين؟!! هل في بورتسودان؟!!، الخرطوم ؟!!، اسطنبول، القاهرة، القيادة العامة؟!!، مركز الحركة الاسلامية؟!!، مع علي عثمان و”كتائب الظل”؟!!، مع تنظيم “البراء” و”المستنفرين”؟!!، احتفال في قعدة خاصة مع العطا وكباشي وعقار جبريل ومناوي وكرتي وهارون؟!! … في السفارة المصرية؟!!



