
بقلم: عوض الكريم فضل المولى جادالله الشيخ.
يقول الأستاذ محمود محمد طه: “السلام حاجة البشرية.” وهي عبارة قصيرة في ألفاظها، لكنها واسعة في معناها؛ لأنها تنقل السلام من كونه مشروعًا سياسيًا إلى كونه ضرورة إنسانية كوكبية لانهائية، ومن كونه اتفاقًا بين المتحاربين إلى كونه حالة يعيشها الإنسان في نفسه ومجتمعه ووطنه واين ماحلة.
ولعل أكبر أخطائنا في السودان أننا ظللنا ننظر إلى السلام بعيون الآخرين ونغض الطرف عن المصالح النفوذ والايدلوجيات الدولة ، لا بعيوننا. انتظرناه في المؤتمرات الدولية، وبحثنا عنه في المبادرات الإقليمية، وربطناه بتوازنات القوى العسكرية، بينما أهملنا السؤال الأهم: أي سلام نريد نحن؟
فالسلام الذي تصنعه مصالح الآخرين قد يوقف الحرب مؤقتًا وقد يملكون مفتاح حركتها مرةً أخرى ، لا قد يمكنه ان يبني وطنًا. أما السلام الذي يصنعه الشعب بإرادته، ويؤسسه على العدالة والكرامة الإنسانية، فهو السلام الذي يبقى ويستمر ويبني عقيدة وطنية تنميه وتحميه.
ولنا ان نحسب عدد اتفاقيات السلام الموقعة بين الأطراف السودانية في الداخل والخارج واخرها سلام جوبا.
إن السلام ليس محطة يصل إليها الناس بعد انتهاء الحرب وتشابك أيدي العسكر والسياسين وضرب الطبول واقامته الكرنفالات ومنشيتات الصحف وعرضه في الدعاية الانتخابية ،
بل هو طريق يبدأ قبل ذلك بكثير. يبدأ عندما تتغير نظرتنا إلى الإنسان، كما يقول الاستاذ محمد طه (الإنسان غاية في ذاته).وعندما ندرك أن قيمة الوطن لا تُقاس بعدد المنتصرين في المعارك، وإنما بعدد المواطنين الذين يشعرون بالأمن ونزع الخوف والكرامة والمساواة.
ومن هنا يبرز مفهوم العدالة الإنسانية، بوصفه مدخلًا جديدًا لفهم السلام وبناء الدولة.
فالعدالة الإنسانية ليست مجرد محاكمات جنائية، ولا مجرد رد للمظالم التاريخية، على أهميتها، وإنما هي إقامة مجتمع يشعر فيه كل إنسان بأنه محترم في إنسانيته، مصان في كرامته، آمن على حياته، متساوٍ أمام القانون، ومشارك في صناعة مستقبل وطنه دون خوف أو تمييز.
فالإنسان لا يحتاج إلى العدالة عندما يقع عليه الظلم فقط، وإنما يحتاج إليها قبل ذلك تاسيساً، حتى لا يقع الظلم أصلًا. وهنا تتحول العدالة من وسيلة لمعالجة الأزمات إلى ثقافة تمنع نشوء الأزمات.
ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة السلام باعتباره عملية متكاملة تبدأ من الإنسان وتنتهي بالدولة.
فعند الفرد، يبدأ السلام بمصالحة الإنسان مع نفسه، وتحرره من الكراهية والخوف والرغبة في الانتقام. فالإنسان الذي يعيش حربًا داخلية لا يستطيع أن يصنع سلامًا خارجيًا.
وعند الأسرة، يبدأ السلام بالمحبة والاحترام والحوار، لأن الأسرة هي المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان معنى العدل وقبول الآخر. وما يعجز عنه القانون أحيانًا، تنجح في غرسه الأسرة من قيم الرحمة والتسامح.
وعند المجتمع، يبدأ السلام بإعادة بناء العلاقات الاجتماعية على أساس الثقة والتعاون، لا على أساس القبيلة أو الجهة أو الانتماء السياسي. فالمجتمع الذي تحكمه الهويات الضيقة يظل مهيأً للصراع، أما المجتمع الذي تحكمه المواطنة فإنه يملك مناعة ضد الانقسام.
وعند السياسيين، يبدأ السلام بعملية سياسية صادقة، تعترف بالتنوع، وتؤمن بالشراكة، وتضع مصلحة الوطن فوق المصالح الحزبية والشخصية. فالسياسة ليست فن الانتصار على الخصوم، وإنما فن إدارة الاختلاف دون تدمير الوطن.
وعند الجيوش والقوى المسلحة، يبدأ السلام بإسكات صوت البنادق، وإعلاء صوت الإرادة الوطنية. فالسلاح قد يحسم معركة، لكنه لا يبني دولة، ولا يصنع انتماءً، ولا يحقق استقرارًا دائمًا.
أما على مستوى الدولة، فإن السلام لا يترسخ إلا بسيادة حكم القانون، وإقامة نظام مدني ديمقراطي، تكون فيه المواطنة هي أساس الحقوق والواجبات، ويكون القانون هو المرجعية العليا للجميع، بلا تمييز أو محاباة.
إن أزمة السودان، في جوهرها، ليست أزمة سلطة فحسب، ولا أزمة موارد، بل هي أزمة في العلاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان. إنها أزمة خوف، وانعدام ثقة، وشعور بالإقصاء، وتراجع لقيمة الإنسان أمام قيمة الانتماءات الضيقة.
ولهذا فإن السلام الحقيقي يبدأ بإعادة الاعتبار للإنسان، قبل إعادة ترتيب مؤسسات الدولة. فالدولة العادلة لا تُبنى على الخوف، وإنما على الثقة، ولا تُبنى على الغلبة، وإنما على العدالة، ولا تستقر بالقوة، وإنما بالرضا الشعبي.
إن السلام الذي نريده للسودان يجب أن يكون سلامًا نابعًا من ضمير السودانيين، لا نسخة مستوردة من تجارب الآخرين. فلكل شعب طريقه، وللسودان خصوصيته التاريخية والاجتماعية والثقافية، التي تستوجب أن نبني مشروعنا الوطني بأيدينا، مستلهمين قيمنا، ومنفتحين على تجارب العالم، دون أن نفقد هويتنا.
ومن هنا فإنني أرى أن العدالة الإنسانية هي أول طريق السلام؛ لأنها تعيد للإنسان شعوره بالأمان، وتزيل أسباب الخوف، وتؤسس للمساواة، وتبني الثقة بين المواطن والدولة، وبين أبناء الوطن الواحد. وعندما يشعر الإنسان بأن كرامته مصونة، وحقوقه محفوظة، ومستقبله لا تحدده قبيلته أو جهته أو انتماؤه السياسي، يصبح السلام أسلوب حياة، لا مجرد اتفاق سياسي.
إن السلام الذي نراه بعيوننا هو السلام الذي يبدأ من الإنسان، وينمو في الأسرة، ويتجذر في المجتمع، ويتجسد في الدولة. وهو السلام الذي يجعل العدالة الإنسانية أساسًا لبناء وطن يتسع للجميع، ويعيد للسودان مكانته بوصفه وطنًا للتنوع، لا ساحةً للصراع.



